الثلاثاء، أيلول/سبتمبر 28، 2021

جاك قبانجي: ردّاً على أحمد بعلبكي: في البدء كان السؤال

  الاخبار
رأي
على عكس بيار بورديو، يخلص محمد بعلبكي في نقده المشكك إلى أن الانتفاضات حدث يستأهل الحذر وربما الرفض

تحت عنوان «حلاوة الأفق ومرارة الطريق» («الأخبار»، 6 أيار/ مايو 2021)، يناقش أحمد بعلبكي بعضاً من الأفكار والمفاهيم الواردة في مقالتي «التحالف الاجتماعي» هو المَخرج؟» (افتتاحيّة «النداء»/ وفي «الأخبار»، 16 نيسان/ إبريل 2021)، وهو نصّ لم يُكتب أصلاً بهدف النشر، بل هو مساهمتي في ندوة على تطبيق «الزووم» شاركت فيها مع محمد زبيب وأدارتها ميريام مهنا (2 آذار/ مارس 2021). وشكّلت الندوة جولة أفق نقدية لفهم ماهية الأزمة المعمّمة في لبنان في سياقها المركّب، كما في نتائجها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ثم طلب منّي منظّمو الندوة، كتابة نصّ متّصل بها، من زاوية نظرية وبالتوازي مع مشروع تكوين إطار يجمع مكوّنات سياسية ونقابية ومهنية وخلافها تحت مسمى «التحالف الاجتماعي». ووضعت نصّاً يثير النقاش حول مبادرة «التحالف الاجتماعي».

ينطوي عنوان مقالة أحمد بعلبكي على «جدلية» صريحة تتقابل، أو بالأحرى تتواجه، فيها «حلاوة الأفق» مع «مرارة الطريق». لكنّ القارئ سيكتشف من الأسطر الأولى أنّ الأفق ملبّد حتى السواد، وأن للمرارة مذاقاً يُقعد، أو يكاد، عن متابعة الطريق. ولكنّها طريقٌ رُسمت وهي سالكة ولو بِعُدّة غير مكتملة، تماماً كما هو «التحالف للتغيير».

يتمحور تعامل بعلبكي النقدي مع نصّي الآنف الذكر، حول مسألة رئيسة: هل ثمة إمكانية للتغيير في لبنان في زمن الأزمة النظامية المعمّمة على المستويات السياسية والاقتصادية-المالية والاجتماعية والتي تتعاظم مفاعيلها مجتمعياً من حيث الشمول والعمق؟ وتتلخص إجابته بالنفي الصريح والحاسم. فعنده «أن الفئات الأفقر... يتزايد تكيّفها، ولو اضطراراً، مع مستغليها وأولياء نعمها وحكامها». فهؤلاء يتحكمون بهذه الفئات «عبر التلويح بخدمات الإدارات الحكومية التي تحتاج إليها».

وفي مدار المسلمة هذه يقرر أن ما كتبته يعكس تبرّماً من مسار الأمور، عكس ما أرى. «ولا يُخفي قبانجي ضيقه، من توسع قدرات ولاة أمور المعوزين وزعمائهم على تعطيل قدرات الفئات الشعبية المظلومة على الاختراق». يُفحم استنتاج أحمد بعلبكي، ويكاد يُقعد، عن التفكير. وعليه، ما على كاتب هذه السطور إلّا أن يُسلِم روح النقد ويقفل عائداً إلى مربع الانفعال، ثم يستسلم إلى علاج النسيان. ولكنّني، للمفارقة، أعود من قراءة نصّ الكاتب بحصيلة تؤكد ما ذهبت إليه في مساءلتي الأولى لمآل النظام بعدما تحوّل تعثره إلى ما قد يؤذن بأفوله.

سأحاول أن أعود إلى مسألة بحجم انهيار نظام، عاش دائماً على الإيهام بصلابة ضلعه، وبقوة ما أرساه من تحويل جماعات واسعة من اللبنانيات واللبنانيين إلى الانتفاع من خدماته بحيث نمّى لديهم وهم «الصلابة الطبقية المستجد» وكأنّها «ريع» لا نفادَ له.

يتمحور نقد بعلبكي حول ثلاث مسائل بشكل خاص. الأولى منها تتصل بـ«الفئات الشعبية» مفهوماً ووضعاً. أمّا الثانية فيبرزها تأكيده على استخدام مفهوم «التغيّر» بديلاً من مفهوم «التغيير» الذي استخدمته في نصّي. وأخيراً، ثمة الدولة وما تثيره من لبس وضرورة تصويب.

سأتوقف أولاً عند مسألة ذات أهمية تتصل بـ«أخلاقيات القول العلمي» (إطيقا: Éthique/Ethics). وهي مسألة تتميّز بحساسية استثنائية عندما تتصل بتحوير القول والمعنى. وهي مسألة تتضاعف أهميتها في حالة العلوم الاجتماعية والإنسانيات عموماً لأن النصّ المكتوب هو الوسيلة الأساس لنشر معارفها وتداول نتاجها.

المسألة الإشكالية في الحالة الراهنة التي يتعامل معها هذا المقال تتمثل في هامش «الحرية» الذي يُقطعه العلمي/ة لنفسه في تأويل مفاهيم مفتاحية في النصّ موضع النقد وفي تحوير معناها ومن ثمّ دلالتها.

ولأسفي الشديد اكتشفت أن الأستاذ بعلبكي لجأ إلى إعادة تركيب مقاطع كاملة من النصّ الذي نشرته بحيث تغيّر فيها نظام الدلالة كما المعنى. ولذلك رأيت أن أتوقف عند النماذج الأهم من «التحوير» موضع الإشارة هنا.

يزخر مقال بعلبكي بالإجابات. فهو يستخرجها من معاينته الخاصة لقطاعات مجتمعية محددة في لبنان. وتأتي الإجابات كأنّها تتصل بمجتمع ممتنع عن التغيير والتحوّل، لأنّه يملك صلابة لا تهزّها أزمات «غير اعتيادية ولا حتى بنيوية». هكذا، أتت الإجابات خارج السياق الذي فرضته أزمة النظام السياسي ـــ الاقتصادي ـــ الاجتماعي ـــ الثقافي ـــ المؤسسي على الأكثرية من اللبنانيات واللبنانيين. إذ هو اكتفى بتأكيد المؤكد عنده دونما حاجة إلى أي مساءلة. فقد رأى أنّ «الفئات الأفقر» تتوسل «انفراج ضائقات عيشها بموالاة زعماء طوائفها القادرين على إشاعة الوعود بالانفراج عبر التلويح بخدمات الإدارات الحكومية التي تحتاج إليها».

ربما يكون بعلبكي متفائلاً بحلّ «الأزمة»، ولا داعي من ثمّ لإخضاع ما تكوّن لديه من «إجابات» للمساءلة. فالسؤال لا مبرر له عندما تكون الإجابة حاضرة، وتنتفي الحاجة إلى التوقف عند ما يشهده «الاجتماعي» من تحولات وأزمات وتناقضات. وهكذا، على الرغم من حضور بيار بورديو في مقالته (حين حان وقت الحديث عن «الدولة» اللبنانية)، لم يجد ما يجعل السؤال إلزامياً في حرفة العلمي الاجتماعي التي أرسى بورديو وزملاؤه أسساً لها منذ عقود.

يعجّ نصّ الأستاذ بعلبكي بالإجابات، وهي ترقى أحياناً إلى مستوى اليقين. وعندما يصادف فكرة في نصّي تخالف توقعه يلجأ إلى المبضع. كما أنّه يفاجئني حيناً آخر بقول ينسبه إلي بحيث يُبرز «تناقض» قولي، كتابة ومعنى، فيما واقع الأمر مخالف تماماً. مثلاً: ينسب إليّ بعلبكي ما يلي: «ولا يُخفي قبانجي ضيقه، من توسع قدرات ولاة أمور المعوزين وزعمائهم على تعطيل قدرات الفئات الشعبية». في حين أنني أستنتج العكس تماماً حين أكتب: «أما منذ انفجار الأزمة المصرفية في خريف عام 2019 فإن «الولاة» أصبحوا بلا ولاية والولاء لهم في حالة أفول متعاظمة».

ولم يكتف الأستاذ بعلبكي بما سبق ذكره من «مونة» على النصّ وصاحبه، بل انتقل إلى مستوى من الافتئات، يضاعف المسؤولية الأخلاقية (الإطيقية) التي تلازم صفته العلمية. كتب، بالاستناد إلى «استشهاد» يُفترض أنّه مستقى من نصي، مفاده: «يصبح إنقاذ البلد أمام من يتوقون إلى وطن ونظام سياسي مدني موحّد، نظام يُصبح الوصول إليه بمتناول كل من يملك المؤهل الضروري للتكوين المهني... هكذا يُؤمن قبانجي بقدرة القوى الشعبية الكامنة لدى متعلميها ومهنييها على المواجهة وتحديد المسؤوليات وعلى محاسبة زعماء الطوائف ومحاكمة...».

يصعب التوقع أن يصبح تحوير القول هو السند لدى علمي ـــ اجتماعي، يملك تاريخاً تعليمياً وبحثياً، في سياق محاولته تأكيد ما يرغب أن يكون عليه مضمون نصّي لا كما هو في الأصل. وكأنّ ثمة اختلاطاً ما بين عالم الواقع وعالم الرغبة. وهو اختلاط لا إفلات منه في حالة بعلبكي كما سيتضح. في النصّ الأصلي نقرأ ما يلي: «وطن يُعاد تشكيل النظام فيه على قاعدة نظام سياسي ـــ مدني موحّد يواكبه نظام اقتصادي منتج، ونظام تعليمي يرتكز إلى التعليم العام في كل مراحله (...) يكون الوصول إليه بمتناول كل من يملك المؤهل الضروري للتكوين العلمي والمهني».

وكما يتضح، فإنّ القصد هو تأكيد التلازم بين لحظات ثلاث يفترض أن تشكل حصيلتها مرتكزاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يستجيب لعملية إعادة صياغة «النموذج» اللبناني انطلاقاً من أحد مداخله البارزة، أي التعليم عموماً والجامعي منه خصوصاً».

ما تقدّم من أمثلة يُبرز مسألة يعرفها جيداً العلميون في مختلف ميادينهم : إنّها مسألة «الانضباط القيمي للعلمي» (Éthique/Ethics)، أي إلزامية الحرص على الدقة في التعامل مع النصوص والمعطيات والاستشهاد والبحث والكتابة عموماً. وهي «قيمة» ملازمة لأي قول أو حكم يُطلقه باحث و/أو علمي. ربما يعود «النقص» إلى «انتكاس» القول العلمي عندما يُكره على التجاوب مع الانفعال والتحلل من مسؤولية الكتابة والنشر، فيصبح ليّ عنقه مخرجاً ملائماً عند «الضرورة».

وفي سياق ما تقدم ثمة ما يفرض التساؤل حول صلاحية المنطق التحليلي للأستاذ بعلبكي، إذ إنّه، انسجاماً مع طرحه الخاص بالفئات الأفقر المرتبطة بأولياء النعمة، يصل إلى نتيجة غير متوقعة. إذ هو يكتشف «فجأة»، تماماً كما يحدث مع علمي في مختبره لحظة تعديل رمز أو حرف أو رقم في معادلة ما، أن الدرب تقوده إلى حيث لا يتوقع فيشكل خرقاً علمياً متعدد الآثار (الإيجابية!). في سياق تحليله القائل: «بأن مثل هذه الجماعات المتزايدة الإفقار تضطر للتأطّر في قواعد أحزاب الطوائف ومقدسيها وأن أسباب تطيّفها الأولى تعود، في رأينا، أولاً إلى الراديكالية المُغالية في طروحات اليسار». ما هي هذه الطروحات المغالية في الحالة التي يقصدها الكاتب؟ يقتصد بعلبكي في القول، فيسكت عن الكلام المباح.

على عكس بيار بورديو، يخلص محمد بعلبكي في نقده المشكك إلى أن الانتفاضات حدث يستأهل الحذر وربما الرفض

ربما يقصد أن اليسار عموماً، والماركسي منه بالأخص، مقتصد حتى حدود التقتير في ما يتصل ببلورة مداخل نظرية متجددة لفهم «الواقع» اللبناني والعربي. أو ربما هو ينزع إلى تسجيل مأخذ على اليسار هذا باعتباره متخلفاً عن ابتداع تحليل طبقي متجدد للبنية الاجتماعية اللبنانية. إذا كان الأمر كذلك، أضمّ صوتي إلى صوته وقلمي إلى قلمه. إذ إنّ اليسار لا يمكنه بالتأكيد أن يستمر وعيونه شاخصة إلى ماضٍ مضى، ولا إلى عُدة نظرية لم تعد تكفي لاستيعاب التحولات الطبقية المتفاعلة، ولا نتائجها المتعددة على المستويات كافة.

في مطلق الأحوال، ثمة الارتباك، حتى لا نقول التناقض، المنطقي في مقولة الكاتب: «... الجماعات المتزايدة الإفقار تضطر للتأطّر في قواعد أحزاب الطوائف ومقدسيها». لماذا تعتمد الجماعات الأفقر الخيار هذا دون غيره؟ أليست تدرك، بالتجربة كما بالتوقّع، أن أحزاب الطوائف هذه هي التي تُفقرُها لأنّها هي التي في موقع الحكم والقرار؟ ربما يودّ بعلبكي أن يُعلمنا أن المعادلة الأكثر فعالية في حالة الإفقار هي: وداوني بالتي كانت هي الداء!

أنتقل الآن إلى «المسائل» الثلاث التي توقف عندها الكاتب والتي تحتاج إلى نقاش وتدقيق.

1. الفئات الشعبية:

يتوقف الأستاذ بعلبكي مطولاً عند مفهوم الفئات الشعبية. وهو لا يتعامل معه كما ورد في نصّي ولا بكيفية استخدامه فيه. بل يستعيده كي يفصله عن سياق استخدامي له من جهة، وليضفي عليه دلالات تنتمي إلى عالم الأحكام المسبقة التي يُفترض أنّه نهى طلابه يوماً عنها، من جهة ثانية.

لقد استخدمت مفهوم «الفئات الشعبية» بصورة محددة، مرة واحدة فقط في نصّي. وهذا يعني أنّ استخدامه، من حيث التكرار، ليس مركزياً في فهمي للأمور وفي تحليلها. لكنّ أهميته تبقى مميزة في تشخيص بنية اجتماعية محددة، كما في آلية اشتغالها. وللدقة سأسمح لنفسي أن أستعيد المقطع بصيغته التي وردت في الأصل: «وبمعنى آخر، كيف يتمكن نظام يعمم الفقر والفاقة بالنسبة إلى أكثرية من اللبنانيين ـــ أي الأكثر تهميشاً من الفئات الشعبية ـــ التي تعيش الفقر بصفته شرطاً بنيوياً ينطوي على استدامة من جهة، والفئات التي انضافت إليها في معيّة تفاقم أزمة النظام وافتقاد العمل والدخل الناتج عنه من جهة أخرى - من ضمان عدم المطالبة بتغييره بعد كل تهافته البيّن والصريح ناهيك عن جرائمه المتراكمة والمعمّمة؟». القول هذا ينتظمه إذاً سياق السؤال. فالسؤال «كيف يتمكن النظام... من ضمان عدم المطالبة بتغييره» يعني منطقياً أنّ الإمكانية متاحة مبدئياً فقط! وإلا لكان منطق النصّ وحصيلته مختلفيْن بالنسبة إلى هذه «الفئات» على الأقل.

في المقابل، يكرر بعلبكي إيراد مفهوم «الفئات الشعبية» في مقالته ثماني مرات. وهو يغزل الفكرة نفسها على المنوال عينه. ويعني تكرار استخدام هذا المفهوم أن الكاتب يحمّله أهمية خاصة في ما يتصل بتحليله للموانع التي تحول دون اقتراب هذه الفئات من تقبل التغيير أو بالأحرى، التغيّر، كما يقترح.

يحسم الكاتب القول بالنسبة إلى إمكانية فهم «المرئي» و«الخفي» عند الفئات الشعبية. إذ يقرر: «أنّ الجهد من خلال سوسيولوجيا التغيّر هو الذي يخرق ظواهر الحراكات المرئية للجماعات ويصل إلى ما يحرك بواطن ميولها الأهلية من معتقدات وتديّن، وهذا هو الخرق الأول والأصعب الذي يحدد إمكانات تقدم وعي الفئات الشعبية».

ينطوي تأكيد بعلبكي حول «البواطن» على لَبس صريح من زاوية إبستمولوجية. إذ لا يمكن لسوسيولوجيا التغيّر أن «تسبر غور الباطن»، لأنّها تقارب الاجتماعي من خلال مداخل يمكن التحقق، دائماً، من صلاحيتها المنهجية، ومدى نفاذها في الكشف، كما التحقق من نتائجها. كما أنّها لا «تخترق الباطن» لأنّ الجماعة تقدم نفسها بصفتها وحدة اجتماعية «خارجية»، إذ هي تعمل وتتلاقى وتعبر بطرقها الخاصة عن لحظات الحزن والفرح والزواج والولادة كما في لحظات جماعية مثل الاحتجاج والمطالبة والعنف، الخ. بصورة علنية في الأغلبية الساحقة من الحالات. إلا في حالة طقوس جمعية أو دينية أو غير ذلك، تبقى في حضن الجماعة المقفل أو يسببها الإكراه الخارجي.

ومع افتقاد هذين الشرطين، أي الوصول إلى «بواطن الأمور» من جهة وانتفاء إمكانية تعميم النتائج التي يمكن توفرها من جهة ثانية، ينتفي الشرط المنهجي الأساس لاعتماد الباحث على فرضيته المتمحورة حول «الجهد من خلال سوسيولوجيا التغيّر [...] (لـ)خرق ظواهر الحراكات المرئية للجماعات»، بغية الوصول «إلى ما يحرك بواطن ميولها الأهلية من معتقدات وتديُّن»!

2. التغيّر بديلاً من التغيير:

من الجليّ أنّ الكاتب يغلّب «نظام التوقعات» لدى الجماعة المقصودة تبعاً لميلها و/أو نظام الأفضليات الذي تضمره أو تعلنه. وفي ذلك ما يؤكد استنتاجنا المتمثل في أنّ ما يراه حاجزاً يمنع الجماعة (ما المقصود بالجماعة هنا؟) من قبول الأفكار التغييرية، يكمن في مصدرها، أي اليسار، وليس في الأفكار ذاتها. ولذلك تنتقل «الجماعة» إلى اعتماد آلية «الدفاع الذاتي» كي تحصّن مناعتها ضد الوافد المريب. لنقرأ: «أسباب تطيّفها الأولى تعود، في رأينا، أولاً إلى الراديكالية المُغالية في طروحات اليسار». هذا التفسير الذي يبدو، ظاهرياً، مقنعاً، يصطدم بالسؤال التالي: هل يعني تفسير الكاتب أنّ المشكلة تكمن في خطاب اليسار من جهة وفي بنية استقباله على مستوى الوعي من جهة أخرى؟ أمّ أنّ المغالاة فقط هي المقصودة؟ وبمعنى آخر، هل يعني ذلك أنّ إعراض الجماعة عن التجاوب مع طروحات اليسار، كما نستنتج، يحتبس في عالم الأفكار والقيم فقط؟ أم أنّ بنية استقبال «اليسار» الذهنية والمعيارية، المستندة إلى العالم المادي الذي تعيش، وتعمل وتنشط فيه الجماعة، أي عالم المصالح وتخصيص المنافع العمومية وتعميم المخالفة تبعاً لمدى نفوذ من «يحميها» والميل الذي أسست له «النيوليبرالية اللبنانية» منذ عام 1992 وما سبقها من احتراب داخلي ـــ إقليمي هو، بمفرده وبمجموعه، من يسأل عن ذلك؟

ألم يؤدِّ مجموع ما تقدم إلى اعتبار المصلحة الخاصة أرفع شأناً من المصلحة العامة، بحيث تحولت هذه الأخيرة إلى «إقطاعات طوائفية» لا يطاولها قانون مخالف لـ «مصالح» و«أهواء» «الجماعة»؟ ألم ينته هذا المسار إلى «خصخصة» كتل الطوائف بقطاعات عامة مدرّة للعوائد بغزارة، وخارج أي تدقيق ومحاسبة، على من ورث السلطة بُعيد عام 1989؟

3. إعادة الإنتاج الموسّعة للمجتمع:

إنّ إعادة الإنتاج قد تكون بسيطة بحيث يكتفي الرأسمال بتجديد دورته بالحد الأدنى من دون الوصول إلى تحقيق تراكم كافٍ لتوسيع حجم الاقتصاد وتعظيم الموارد، كما هو الأمر في العديد من البلدان التي يهمّشها التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل. وبذلك تقع هذه البلدان في مصيدة الهدر المتاح من الموارد البشرية والمادية من دون التمكن من إعادة إنتاجها أو في الأقل، من دون التمكن من تحسين وتوسيع إعادة إنتاجها. وإمّا يكون باستطاعة النظام أن يعيد إنتاج دورته بتوسع عندما يتمكن من تعظيم أهمية موارده و/أو آلياته الخاصة.

في لبنان يمكن اعتبار السلعة/المورد الأهمّ الذي يفيض على حاجة السوق المحلية والذي يتوفر طلب خارجي فعّال عليه هو الذي تنتجه الجامعات، وبالأخص تلك التي تستجيب تعليمياً وتكوينياً لحاجات الخارج. هذه «الميزة التفاضلية» تمثّلها قوة العمل العالية والمتوسطة الكفاءة في ميادين يعظم فيها الطلب الخارجي بالأخص. أي إنّ التعليم العالي ينتج فائضاً من قوة العمل المؤهلة، تماماً كما ينتج المعمل سلعاً يتوافر لها طلب موسّع في الداخل وبالأخص في الخارج. هذه السلعة تنتجها، بالمعنى المجتمعي العام، آلية إعادة إنتاج موسعة لأنها، في المقابل، تساهم بصورة حاسمة بإعادة إنتاج المجتمع مادياً (بتعظيم حجم الموارد النقدية المتدفقة) وثقافياً وبالأخص طبقياً (عبر الإنتاج الموسع للشرائح الوسطى الصلبة البناء نسبياً). أمّا أبرز «الأجهزة» التي تتولى إعداد هذه الشرائح فهي، بالتأكيد، المدرسة والجامعة، إضافة إلى منظومة قيم تجعل من «التميّز» الطبقي هدفاً صريحاً وملحّاً في غالبية الحالات.

ليس التأكيد على نظام التعليم الجامعي من باب تحصيل الحاصل في هذا السياق. بل هو يأتي من باب تأكيد مسؤولية التشوهات البنيوية التي يرتبها النظام الاقتصادي ـــ الاجتماعي على صعيد تكوين قوة العمل ذات التأهيل الجامعي. ويكفي للتحقق من قولنا هذا التوقف عند مخرجات التعليم العالي في لبنان لجهة الاختصاص المتابع. فتبعاً لنتائج تعود إلى عقد من الزمن يتضح أن نسبة الطلاب الملتحقين، من الجنسين، في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية والسياسية والحقوق والإعلام وخلافها تشكل 60 في المئة من مجموع عدد الطالبات/الطلاب المنتسبين إلى الجامعات في لبنان في السنة الجامعية 2009 ـــ 2010، وهي السنة الجامعية التي تمكنّا من الحصول على معطيات عنها (إدارة الإحصاء المركزي/المركز التربوي للأبحاث والإنماء) عبر الإنترنت. وإذا ما أضفنا إلى هذه النسبة الطالبات والطلاب الملتحقين في العام الدراسي عينه باختصاصات الصحة والخدمة الاجتماعية والتربية والخدمات، فإنّ النسبة الإجمالية ستصبح 72 في المئة من مجموع الطلاب، من لبنانيين وغير لبنانيين، المتخرّجين بإجازة أو بشهادة أعلى من النظام الجامعي في لبنان في العام الدراسي نفسه.

فما الذي تنطوي عليه المعطيات هذه من زاوية تحليل الأستاذ بعلبكي؟ إنّها تعني أولاً أنّ «جيش احتياط العمل» ـــ تبعاً لتوصيف ماركس ـــ الجامعي التأهيل، والذي يتركّز نحو ثلاثة أرباعه في الاجتماعيات والإنسانيات التي لا تُفتح أبواب الهجرة أمامها للعمل في الخارج إلا بنسبة متدنية، ستتحوّل إلى ولاة الأمر، أي ولاة الاستتباع، سعياً وراء فرصة عمل. فما بإمكان هؤلاء أن يفعلوا وقد سدّت أزمة النظام المعمّمة أمامهم أبواب «جنة الوظيفة الرسمية» من جهة، كما تلك التي توازيها في القطاعين العام والمستقلّ من جهة ثانية؟ يحدث ذلك في وقت أُقفل معه، أو يكاد، درب «انفراج ضائقات عيشها [الشرائح الشابة] بموالاة زعماء طوائفها».

4. الدولة ما بين بورديو وبعلبكي:

يستعين بعلبكي ببيار بورديو لدعم حجته: «لاحظنا أن (القبانجي) غلّب مقاربته الشبابية للتغيير على مقاربتنا للتغيُّر [...] لأن الدولة، وإن تشكّلت من خارجها في لبنان، فإنها تبقى «خير سلطان معترف به يحشد وراءه إجماعاً اجتماعياً، إنه إجماع ممنوح لهيئة تتولى تعريف المصلحة العامة وتحديدها». يتجاهل الكاتب أنّ للكتابة سياقاً، وأن بورديو، في النسخة الفرنسية الأصلية من كتابه الذي يحتوي على محاضراته الشفهية في الـ «كوليج دو فرانس» بما يعني أنّه ليس نصاً مكتوباً متصلاً، بل جمع وترتيب للقول دونهما صعوبات جمّة.

وفي هذا السياق يمكن الاستنتاج بأنّ الدولة الحديثة عند بورديو تبدو بصفتها تجسيداً لسيرورة تحوّل [ماهية] الخاص إلى عام (ص. 482 من النصّ الأصلي). في حين أنّ بعلبكي سبق له ووصّف الآلية التي تجعل الدولة في لبنان في خدمة الخاص (أولياء الأمور) عندما لاحظ أن «الولاة» يحولون دون تشكّل شرط المواطنة لدى الشرائح الشعبية، «عبر التلويح بخدمات الإدارات الحكومية التي تحتاج إليها». لا يعود التناقض، غير المنتج هنا، إلى «غفلة» ما. وإنّما هو يعود إلى عدم اتساق التحليل في سياق منطقي.

ثمة أيضاً، في ما يتصل بتعامل بعلبكي مع بورديو، تجاهل كامل للدور المميّز، لا بل الرائد، الذي لعبه الأخير بين عامَي 1995 و1998 كتابة ومشاركة مباشرة في الحركات الاجتماعية، العمالية والشعبية التي اتسعت وتعمّمت في فرنسا مع الانتقال إلى النيوليبراليّة. وقد شكّلت مشاركة بورديو في الحراكات لحظة مميزة بالنسبة إلى العلمي الاجتماعي لأنّه عاش خبرة «المختبر المجتمعي» في نطاق مجتمعي مركّب وموسع. فتصدّر صفوف المتظاهرات والمتظاهرين وكتب وأطلق الكلام تحليلاً وكشفاً لماهية الدولة النيوليبرالية وميلها لتفكيك «الاجتماعي» في موقع العمل كما في العلاقة مع دولة الرعاية الاجتماعية.

على عكس بورديو، تأتي النتيجة التي يخرج بها بعلبكي في «إطلالته» المتشكّكة والمشكّكة في الانتفاضات كأنّها حدث يستأهل الحذر، وربما الرفض، من قبل العلمي ـــ الاجتماعي. وهو يتجاهل من ثمّ مسؤولية البحث والتأني بالتحليل «النقدي» بهدف موضعة «الحدث» (أي الانتفاضات) في سياقه المجتمعي والسياسي والاقتصادي والثقافي. والموضعة السياقية اجتماعياً كما في التحليل النقدي لا يمكن أن تتمّ، سوسيولوجياً، انطلاقاً من حكم مسبق يُسقط على حركة الناس كما يسميها، بتعفّف وحذر. فإذا كانت مقاربة العلمي الاجتماعي مرهونة بأحكام جاهزة يطلقها على «الاجتماعي» مميزاً فيها بين «الجيد» و«السيئ». فالسؤال عند ذلك يصبح: كيف لعلمي أن يتعالى على ما يُفترض أنّه مادة علمه الغزير؟ أين هي عُدته «الإطيقية» والنظرية التي تبرر ذلك؟ وما هو مسلكه المنهجي الذي أوصله إلى افتقاد القدرة على التقاط «الثابت والمتحوّل» كما قال الشاعر؟

ونهاية القول تفيد بأنّ ما لا يحاذره بعلبكي هو الوقوع في الخلط ما بين «المألوف» الذي يعمّم الصورة المرغوبة (النمطية) عن فكرة أو جماعة أو موقف ما من جهة وحكم الرغبة الجاهز أبداً من جهة ثانية.

أمّا الاجتماعي، أي الطبقي في الحالة هذه، فسمته أنّه يفاجئ من لا يرغب بالمفاجأة.

*أستاذ جامعي

# موسومة تحت : :