الجمعة، تشرين(۱)/أكتوير 30، 2020

لرص صفوف اليسار في مواجهة الواقع العربي المأزوم

  عمر الديب
رأي
لقد كان العام الماضي استثنائياً على شعوب العالم قاطبة، وتحديداً على شعوبنا العربية التي عانت من أزمات مضاعفة، بدءاً من الكورونا التي انقضت على مجتمعات تعاني الفقر والتهميش وغياب التغطية الصحية المجانية والسياسات العامة المناسبة لهذا الفيروس – الجائحة، ومعها ضغوط وأزمات وويلات متآزرة.


في فلسطين، الاحتلال الصهيوني يوسع نطاق سيطرته حيث ضم العدو القدس الشرقية، ومن بعدها الجولان السوري ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية، وغور الأردن، ويتحضّر لضم أراضي الضفة الغربية التي يتوسع فيها الاستيطان بشكل سرطاني، فيما يضيق الخناق على غزة مانعاً عنها التواصل مع محيطها ولو قدّر له، لحتى قطع عنها الهواء.. شهداء كل يوم على كامل تراب فلسطين، وآلاف الأسرى منسيّون وراء قضبان الاعتقال التعسفي. الخطوات الصهيونية العدوانية هذه تأتي وسط تغطية شاملة من الإدارة الأميركية بدءاً من خطوة نقل السفارات إلى القدس وصولاً إلى التغطية على جرائم العدو وارتكاباته واعتداءاته على شعوب منطقتنا من فلسطين إلى سوريا ولبنان، وتواطؤ رسمي عربي واسع. يتعاطى ترامب مع قضايا منطقتنا من منطلقات صهيونية مطلقة، ويحاول أن يجيّر كل ما يحدث لصرفه انتخابياً في الداخل الأميركي.

لبنان تحت المقصلة. نهبه الناهبون وأعاثوا فيه كل الموبقات. طارت ودائع اللبنانيين في المصارف وطارت أملاكهم العامة، وسيطر رأس المال على مرافق الحياة، باسطاً نفوذه إلى كل شواطئه وجباله وسهوله. لم يكف أشاوس السلطة كل ذلك، بل ها هم يمدّون اليد الآن إلى العدو الصهيوني كي يرسّموا معه الحدود البحرية استجابة للضغوط الأميركية الهادفة إلى إعطاء جزء من الثروة النفطية المحتملة في البحر إلى العدو. يمدّون اليد لتقاسم حقوق لبنان النفطية مع أعدائه، فيسرق العدو بعض ثروتنا ويستكملون هم سرقة ما تبقى من ثروة في البحر بعد أن أتموا سرقة كل ثروات البر. المذهبية سلاحهم، والنظام الطائفي أداتهم للحكم. الشعب اللبناني قال كلمته في انتفاضته العظيمة منذ 17 تشرين الأول الماضي حيث نزل مئات آلاف اللبنانيين إلى كل الشوارع رفضاً لنظام الاستغلال الطبقي والتهميش والتهجير والإفقار، ورفضاً لقواه المذهبية الحاكمة التي اوصلت بلادنا إلى الحضيض، وبمواجهة نظام ريعي كرّس هيمنة 1 في المائة من اللبنانيين، وتحديداً في قطاع المال والمصارف على أكثر من نصف الثروة في البلاد. الحزب الشيوعي اللبناني كان في طليعة الانتفاضة، حيث هبّ الشيوعيون وأصدقاؤهم بكل ما أوتوا من قوة، ورفعوا شعاراتهم إلى جانب المواطنين المنتفضين، ووجهوا بوصلة الانتفاضة الشعبية نحو الدولة العلمانية الديمقراطية المقاومة في مواجهة الدولة الطائفية الريعية التابعة. اندسّت قوى السلطة لمحاولة احتواء الانتفاضة من جهة، ولقمعها جسدياً في العديد من المناطق من جهة أخرى. لم يتراجع المنتفضون، وصمدوا وتابعوا وأضاءوا بارقة أمل في تاريخ لبنان الحديث رغم التخوين والتهويل والوعيد الآتي من الداخل ومشروع الرئيس الفرنسي ماكرون لاستنهاض النظام البائد وتجديد تبعيته لرعاته الدوليين والإقليميين وتسوياتهم الدائرة على قدم وساق.

أمّا في العراق، فالمعاناة تاريخية ومضاعفة. من زمن الاستبداد والقمع والتنكيل بالمناضلين، وعلى رأسهم الشيوعيين، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي الذي ركّب السلطات المتعاقبة في إطار تسوية إقليمية، ليكرّس مع القوى المذهبية المدعومة من إيران، نظاماً طائفياً مفدرلاً فاسداً على الطريقة اللبنانية السيئة الذكر. تركيا ودول الخليج تمارس هواياتها ومصالحها في التوسع وقضم الأراضي، وفي اللعب على التناقضات وتعزيز التطرّف والإرهاب.. مئات مليارات الدولارات من مال النفط لا تجد طريقها إلى التنمية أو الصحة أو التعليم أو البنى التحتية. ينتج العراق نفطاً غزيراً ولا يجد نفسه قادراً على تدوير محطات طاقة تكفي شعبه. يفيض مال العراق على الفاسدين داخله وخارجه، ويعاني شعبه الفقر والبطالة وصولاً إلى الجوع. التفتيت سلك طريقه إلى النفوس وقبلها إلى التشريعات والقوانين والأعراف السياسية. مناصب ومواقع لهذه الطائفة أو تلك، فيما البلد يتفكّك وينهار، وتتبخّر أموال شعبه، ليبقى هذا البلد العربي الطليعي القادر على تغيير موازين القوى في منطقتنا، رهينة للامبريالية ومصالح رأس المال، وللمذهبية وقوى التخلّف والتقسيم.
سوريا تعيش مأساة حقيقة ويدفع فيها الشعب أثمانا باهضة على امتداد الجغرافيا السورية، حيث هجّر الملايين وخسر معظم السوريين منازلهم وأرزاقهم ووسائل عيشهم، وتحول جزء كبير من ذلك الشعب العروبي الجميل إلى لاجئين هاربين من الموت في بلاد الجوار. بلعت مقبرة البحر المتوسط أجساد الآلاف منهم، ومعها انطفأت أحلام وورود. العدوان على سوريا مستمرّ: الاحتلال الصهيوني يقضم الجولان والاحتلال التركي يقضم إدلب، وأدوار خبيثة متآمرة لأنظمة ملوك وأمراء النفط والغاز فيها تمويلاً وتسليحاً وتدريباً للجماعات الإرهابية العاملة في خدمة مشغليها. الأميركيون لا يريدون للحرب ان تنتهي، حيث يمارسون دورهم المعتاد في التخريب والاعتداء وإشعال الحرائق، وكانت آخر مآثرهم فرض عقوبات مجرمة على سوريا من خلال قانون قيصر، يدفع ثمنها الشعب فقراً وجوعاً وموتاً. القوى المذهبية التي لفظها الشعب السوري دوماً صارت جزءاً من المعادلة. الحلّ السياسي الذي يحافظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً في إطار الدولة الوطنية الديمقراطية والذي يجب أن ينبع أساساً من إرادة الشعب السوري دون سواه، يواجه العقبات والعراقيل ومع تعثّره تستمر معاناة شعبها.

أنظمة الخليج تتداعى فرادى وزرافات لعقد اتفاقيات التطبيع مع العدو الصهيوني على حساب القضية الفلسطينية وحقوق شعوبنا العربية. قال بعض حكامهم “تعبنا من الحرب”، وكأنّ مواجهة العدو الصهيوني طوال الفترة الماضية كانت تأخذ من مجهودهم الحربي أو الدبلوماسي أو المادي! يتراكضون إرضاءً لحاجات ترامب الانتخابية، ويصرّون على لعب دور سياسي لا يتعدّى مهمة التابع للمشروع الأميركي في المنطقة

كمّاشة الفقر والتبعية والاستغلال والنهب تنقضّ على كل شعوبنا، من مصر المغيّبة عن دورها التاريخي التقدمي الرائد في المنطقة، إلى السودان المقسّم الذي تتنازعه أشكال متكررة من حكم العسكر رغم انتفاضاته الشعبية المتتالية، إلى تونس والمغرب والجزائر الأردن، وصولاً إلى ليبيا الراقدة على مذبح التقسيم والتفتيت تحت رعاية تركية – فرنسية. الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تعاني الفقر والبطالة والتهميش والتفرقة والاستبداد والقمع وتأجيج الانقسامات المذهبية والقومية والإثنية بين أبناء الشعب الواحد، وتدفع الطبقة العاملة ثمناً مضاعفاً لسداد أثمان الاستغلال الطبقي والفساد والنهب الداخلي، ولسداد ثمن التبعية لرأس المال الامبريالي المعولم الذي يرسل الجيوش والأساطيل والعقوبات والفتن لتأمين استمرار سيطرته على ثرواتنا ومقدراتنا الطبيعية.
إنها أسوأ مراحل هذا الزمن العربي الرديء. لكنها ليست مرحلة لليأس، بل مرحلة لرصّ الصفوص وشحذ الهمم لبناء مشروع المواجهة الشاملة. ولا يمكن لمشروع اليسار أن يكون إلّا في إطار المشروع النقيض للمشروع الصهيوني ولنظم التبعية والاستغلال السائدة، وللمشاريع المذهبية وقوى الاستبداد في آن.. مشروع يقوم على طرح البديل الوطني العلماني الديمقراطي في مواجهة التبعية والمذهبية والتخلّف، دون مهادنة ولا مساومات، ويتطلّع إلى الاستفادة من بعده الأممي وعلاقاته مع القوى اليسارية والتقدمية والصاعدة في العالم، وبناء حاضنة شعبية واسعة تحمل مشروعه وتحميه وتدفع به قدماً إلى المستقبل.. مشروع اليسار هو ترجمة مزدوجة لانتفاضات شعوبنا العربية التوّاقة للتقدّم والتغيير ولمقاومة شعوبنا العنيدة ضد الاحتلال والهيمنة والاستغلال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عضو المكتب السياسي الحزب الشيوعي اللبناني، مسؤول العلاقات الخارجية

المصدر: "طريق الشعب"