الأربعاء، أيلول/سبتمبر 23، 2020

اتركوا المدارس... إلى التعليم المنزليّ!

  نعمه نعمه
رأي
استوقفني، أخيراً، إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي لعائلة تبحث عن معلمة لثلاثة أولاد في الصفّ الثاني أساسي، لأربع ساعات يومياً براتب مليونَي ليرة في الشهر، ما يدفع الى التساؤل: ما حاجة عائلة كهذه إلى مدرسة تقتصّ منها أقساطاً تتعدّى الـ 20 مليون ليرة، إلى المصاريف الأخرى كالنقل والقرطاسية وغيرهما، فيما يمكنها تأمين تعليم آمن وكفُؤ وشخصي للأولاد الثلاثة بأقلّ من ذلك بكثير؟


ومعلوم أن تعليم المرحلة الابتدائية يستوجب كفاءة تعليمية يحصل عليها المتخرّجون من كليات التربية في الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة، وتؤهّلهم للقيام بالمهمة بمساعدة معلم لمواد اللغة العربية. وراتب مليونَي ليرة شهرياً هو راتب عادل لأربع ساعات عمل (حسب سلسلة الرتب والرواتب الجديدة مع الدرجات الست). ويحصل التلامذة، وفق ذلك، على تعليم حضوري كامل مع تدابير صحية مناسبة في زمن كورونا وراحة نفسية للأولاد والأهل، وطبعاً نتائج تعليمية أفضل من خلال التعليم المركّز على عدد قليل من التلامذة. فالحصة التي تتطلب 45 دقيقة لشعبة تضمّ بين 20 و35 تلميذاً، لا تحتاج إلى أكثر من 20 دقيقة مع عدد قليل منهم.
بحسابات بسيطة، يستفيد الأولاد أضعاف استفادتهم من التعلّم في المدرسة، ويكونون محميّين إلى أقصى حدود من الإصابات الصحية، وتتفوق نتائجهم الدراسية على أقرانهم في المدارس، كما أن الوقت المستهلك للانتقال إلى المدرسة ومنها يصبح وقت راحة ويقلص حال التوتر والتعب في المنزل ويتحول إلى وقت ولعب وإبداع، والمعلم الذي صُرف من عمله يجد بديلاً مؤقتاً أو دائماً.
وبما أن قوانيننا لا تسمح بالتعليم المنزلي، وبالتالي يتحمّل الأهل المسؤولية القانونية لعدم تسجيل أولادهم في المدارس. لذلك، ولتفادي هذه الإشكالية، يمكن للأهل تسجيل أولادهم في المدرسة الرسمية حتى لو امتنعوا عن الحضور، وامتناع الأهل عن إرسال أولادهم الى المدرسة عندما تتهدّدهم مخاطر صحية أو أمنية، كما هي الحال اليوم مع كورونا، حق لهم لا جدال فيه. وعندما يحين الوقت لامتحانهم في المدرسة سيتفوقون حتماً وتكون المدرسة ملزمة بترفيعهم. ولا قانون أو سلطة يمكنها سلب الأهل الحق في حماية أولادهم والامتناع عن إرسالهم إلى المدرسة في ظل الجائحة، فالأهل والأطفال محميون بشرعة حقوق الطفل التي تسمو فوق القانون المحلي. ولكن ينقصنا قانون يسمح بالتعليم المنزلي الذي يحتاج إلى ضوابط مثل التقييم والمستوى والترفيع، وهو قانون يمكن وضعه بسهولة، لو كانت لدينا لجنة تربية نيابية تسعى لمصلحة الأهل والتلامذة وليس لمصلحة المدارس الخاصة كما تفعل رئيسة لجنة التربية النيابية بهية الحريري (التي تملك عدداً من المدارس الكبيرة)، وغيرها من النواب الذين تربطهم مصالح مع شبكات المدارس الخاصة التابعة للطوائف وأحزابها.
وفي وقت صُرف آلاف المعلمين من وظائفهم، ويُسجّل انخفاض حاد في نسبة التسجيل (في المدارس الكاثوليكية، مثلاً، اقتصرت النسبة حتى اليوم على 20 إلى 25% من التلامذة رغم قرار عدم زيادة الأقساط)، تشهد وزارة التربية ومراكزها في المحافظات زحمة طلبات نقل من التعليم الخاص إلى الرسمي، في حين لم تقرر نسبة كبيرة من الأهالي تسجيل أولادها في المدارس الخاصة لضبابية الوضع على المستويين الصحّي والمالي. وبالتالي، فإن تراجع نسبة التسجيل سيضطر المدارس الخاصة إلى صرف أعداد إضافية من المعلمين أو إشهار إفلاسها أو الإغلاق، وسيخسر مزيد من المعلمين وظائفهم أو الثبات الوظيفي، وسيعجزون عن تقاضي تعويضاتهم كاملة (الدرجات الست) وربما كل تعويضاتهم بسبب التعثر المتوقّع في صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة. ولدى بحثهم عن عمل خارج إطار المؤسسة التعليمية الخاصة لن يمكنهم الانتساب الى الصندوق وسيخسرون ضمانهم الصحي عدا راتب فصل الصيف.

التعليم المنزلي يحتاج إلى تشريع لتأمين الاستقرار الوظيفي للمعلّمين

وبما أن التعليم المنزلي خارج المؤسسة التعليمية لن تكون للمعلّم أي تقديمات اجتماعية أو صحية إذا لم تجد نقابة المعلمين حلاً على المستوى التشريعي والقانوني، إذ أن تشريع التعليم المنزلي الذي يتضمّن حق المعلمين في الاستفادة من صندوق التعويضات والضمان الصحي يحمي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئة ويؤمّن جزءاً من الاستقرار الوظيفي وضمان الشيخوخة.
من أهم واجبات الدولة حماية حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية والصحية، لكننا أمام عصابات وكارتيلات تسعى لمصّ دم الناس. فالأهل ملزَمون بتسجيل أولادهم في المدارس الخاصة لأن خياراتهم البديلة غير ذات كفاءة، و المعلّم ملزَم بأن يفقد جزءاً من حقوقه لأن التشريع تحكمه كارتيلات ومصالح نفعية وليس الخدمة العامة، فيدفع ثمنه المعلم من جنى عمره. وتجري عرقلة الحلول البديلة لأن مصالح الكارتيلات والسياسيين وأرباب الطوائف تتهدد وتنخفض أرباحها.
لتكن بيوتنا مدارس، فالأهل يحتاجون إلى المعلمين وبالعكس، خارج النظم البالية. وللطرفين الحق في الحياة وحرية الاختيار. وآن الأوان للناس لأن يجدوا حلولاً بأنفسهم وأخذ المبادرة لإنقاذ حياتهم وحياة أولادهم.
التعليم المنزلي هو أحد الحلول. اختاروه رغم أنف السلطة السياسية، فأنتم لا تخالفون القانون بل تدافعون عن مستقبل أبنائكم ومستقبل البلاد. وهذا حق للناس في القانون والشرائع الدولية.

* باحث في التربية والفنون

المصدر: جريدة الأخبار