الأربعاء، كانون(۱)/ديسمبر 02، 2020

ردّاً على مقالة أسعد أبو خليل عن اغتيال الشيوعيين: عندما يُلغي الغضب العقل

  طنوس شلهوب
رأي
يشكل التاريخ المجال الأكثر حيوية للصراع الأيديولوجي، حيث يسهل فصل الفكر عن حركة الواقع، عبر تجزئة الأحداث وإجراء عملية انتقاء وترشيح لعناصر من المشهد التاريخي العام، وطمس لعناصر أخرى، قد تكون أساسية وحاسمة، وذلك خدمة لفكرة معيّنة، تتمثّل وظيفتها في الانحياز إلى هذا الخندق أو ذاك من معارك الصراع الطبقي، وتقديم التبرير السياسي لهذا الانحياز.


الأمثلة الراهنة كثيرة عن كيفية تفصيل التاريخ على قياس المشاريع السياسية، وفي لبنان مثلاً، يعتبر قسم من القوى السياسية أنّ المقاومة هي الفعل العسكري المرتبط بمواجهة الثورة الفلسطينية المسلّحة أولاً، والقوات النظامية السورية تالياً، في حين أنّ قسماً آخر من القوى السياسية يعتبر أنّ المقاومة هي الفعل المرتبط بمواجهة الصهاينة. وكمثال آخر، يمكن إيراد التقييمات المتناقضة لدور دول الحلفاء في هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية، حيث يعتبر الروس أنّ الدور الحاسم يعود للجيش السوفياتي، بينما يرى مؤرّخون أنّ الدور الحاسم يعود للبلدان الغربية المشاركة في الحلف ضد ألمانيا الهتلرية.
والكلام هذا عن وظيفة القراءة التاريخية استدعته مقالة للبروفسور في العلوم السياسية، صاحب مدوّنة «العربي الغاضب» أسعد أبو خليل، والمنشورة ضمن صفحة رأي في جريدة «الأخبار» يوم السبت في السادس من حزيران / يونيو، بعنوان «اغتيالات الشيوعيين في لبنان: عندما همس غازي كنعان في أذن كريم مروة».

 

يستهلّ الكاتب مقالته قائلاً: «لا شكّ في أنّ الفريق الذي تولّى شأن الدعاية والتحريض ضد حزب الله في لبنان، بعد اغتيال رفيق الحريري مباشرة (وبالنيابة عن التحالف الإسرائيلي الأميركي السعودي الحريري) قرّر مبكّراً التقليل من شأن مقاومة حزب الله والتعظيم المفرط (والخيالي) في مقاومة «جمول»، يومها تصدر إلياس عطالله المشهد السياسي... إلخ».
إذاً، الفرضية التي ينطلق منها الكاتب تقوم على الحسم بأنّ التحالف الذي يضمّ العدو الصهيوني قرّر التقليل من شأن مقاومة حزب الله والتعظيم المفرط والخيالي في مقاومة «جمّول». تقوم هذه الفكرة على حقيقة تاريخية، متمثّلة ببداية تغيّرات في الاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، انعكست على لبنان باغتيال رفيق الحريري، وما تلا ذلك من تداعيات على مستوى الانقسام السياسي في لبنان، إلّا أنّ الكاتب يقدّم هذه الفكرة (الحقيقة التاريخية) لتشكّل سنداً له، ليبني عليها حقيقته هو بأنّ إسرائيل شاركت في التعظيم من شأن «جمّول»، (وبرأيه إنه تعظيم مفرط وخيالي).
أولاً، من كان ليصدّق بأنّ إسرائيل، ولكي تقلّل من شأن مقاومة حزب الله، ساهمت أو تساهم في التعظيم من شأن «جمّول»؟ ماذا ستكون ردة فعل القارئ لو قلنا إنّ إسرائيل تُعظِّم من مقاومة «الجبهة الشعبية»، بهدف التقليل من شأن مقاومة «حماس»؟ بالمناسبة، فإنّ «حماس» هي أكثر استعداداً لعقد اتفاقات مع إسرائيل مقارنة بـ«الجبهة الشعبية».
ثانياً، لماذا يربط أبو خليل المقاومة التي أطلقها الشيوعيون بشخص إلياس عطالله، والمعروف أنه منذ أواسط التسعينات لم يعد له أيّ ارتباط بالحزب الشيوعي، وقام لاحقاً بتأسيس حركة سياسية تمايزت عن الحزب الشيوعي بتخلّيها عن الماركسية اللينينية (على غرار أبو خليل) والتحاقها بقوى ١٤ آذار؟ وهل توظيف عطالله لهذا الجانب الإيجابي من تاريخه الشخصي في الخندق الآخر، يستدعي ردّة الفعل هذه من دور المقاومة الوطنية اللبنانية؟
ثالثاً، هل كان التحالف الأميركي السعودي الإسرائيلي ليرضى بأن يكون عطالله مرشّحاً للنيابة على لوائحه لو كان بقي مسؤولاً في الحزب الشيوعي؟
ويضيف أبو خليل: الحزب الشيوعي اللبناني بات يصدّق أن «جمّول» هي التي حرّرت جنوب لبنان، وأنّ مقاومة حزب الله لم تكن أكثر من كومبارس، ويستند في استنتاجه هذا إلى الجملة التالية المقتبسة من الموقع الرسمي للحزب: «ولقد قامت قوى أخرى بمتابعة هذه المهمّة منفردة تحت مسمى المقاومة الإسلامية حتى تحقّق الانتصار الذي لا يمكن لأحد أن يزوّر دورنا الكبير في صنعه».
الغريب في الأمر، أنّ أبو خليل ينسب إلى الحزب الشيوعي توصيفاً في المقاومة الإسلامية من عندياته، إذ ولو حاولنا تفكيك الجملة الواردة على الموقع الرسمي للحزب، فإنّه من المستحيل الاستنتاج بأنّ الشيوعيين ينظرون إلى دور حزب الله في المقاومة على أنه ثانوي، والسؤال: لماذا يحاول البروفسور العالِم في السياسة تزوير النص بهذه الطريقة الفجّة؟
الفارق كبير جداً وجوهري، بين القول إنّ «جمّول» مثّلت مشروعاً سياسياً ربط التحرير بالتغيير الداخلي من أجل تحرّر الإنسان، في حين أنّ مقاومة حزب الله أنجزت التحرير وقدّمت التضحيات الجسام، إلّا أنّها ترتبط بمشروع سياسي حدوده الداخلية تتمثل في المشاركة في السلطة الطائفية والدفاع عن سياسات تمثّل مصالح الطغمة المالية والقول إنّ الحزب الشيوعي يعتبر مقاومة حزب الله هي كومبارس مقارنة بـ«جمّول».
وفي هذا الشقّ من المقالة، يتابع أبو خليل في السياق ذاته، قائلاً إنّ «التشديد على دور جمّول بدأ في إعلام رفيق الحريري، بعد وفاته في جريدة المستقبل، ثم انتقل إلى وسائل التواصل. وسنة بعد سنة، وخصوصاً التحوّل الليبرالي الذي طرأ على الحزب الشيوعي، ولا سيما بعد انتفاضة تشرين، تكبر أسطورة جمّول وتصبح هي محرّرة الجنوب، وتسود خبرية أنها كانت ستكمل حتى النهاية لولا أنّ حزب الله منعها (أي منع إلياس عطالله، قائدها) من إتمام المهمة...». ويترابط التركيز على دور (الإعلام الرجعي) عند أبو خليل في إبراز دور «جمّول» «مع تركيزٍ موازٍ على دور حزب الله في حملة اغتيالات ضدّ قادة شيوعيين في الثمانينات. وهنا، يلاحظ المرء أنّ الحزب الشيوعي اللبناني بات أكثر تذكّراً لهؤلاء الشهداء دون غيرهم، وهناك اتهام (بالتصريح أو التلميح) لحزب الله بالمسؤولية عن تلك الاغتيالات».
من المستغرب حقّاً كيف أنّ شخصاً يُفترض به التمتّع بمصداقية علمية أن يمتلك هذا القدر من الشجاعة في اختلاق أمور وتأويلها بهذه الخفّة. ألا يُفترض بأستاذ جامعي إسناد نصّه إلى مراجع تثبت صحّة منطلقاته التي يستند إليها بما هي حدثٌ واقعي لا غبار على صحته؟
أولاً: إنّ محاولة الإعلام الرجعي التصويب على حزب الله، من خلال اتهامه بالمسؤولية عن اغتيال الكوادر الشيوعيين ومنعه بالقوة لفصائل «جمّول» من الاستمرار بنشاطها المقاوم، لا تعني أبداً أنّ الحزب الشيوعي يتبنّى هذا الخطاب، والشيوعيون يعرفون جيداً الظروف الإقليمية والدولية التي منعتهم من استمرار عملهم المقاوم، من دون إعفاء أنفسهم من المسؤولية، وهذا ورد في غير مرّة في وثائق الحزب.
ثانياً: في كلّ الخطاب الرسمي للحزب جرى استخدام مصطلح القوى الظلامية.
ثالثاً: أي خفّة هذه أن يتكلّم أستاذ جامعي عن اغتيالات لكوادر مناضلين، ومن ضمنهم مفكرون كبار مثل حسين مروة ومهدي عامل وإعلامي مميز مثل سهيل طويلة، من دون أن يكون له موقف تجاه التصفيات الجسدية لأصحاب الرأي، وهو يتمتّع بكل ميّزات حرية التعبير في الدولة الإمبريالية المركزية.
رابعاً: كيف يمكن للأستاذ الجامعي الذي يقدّم نفسه متابعاً لما يجري في وطنه الأم، ويجهل أنّه إثر اغتيال مهدي عامل في 18 أيار / مايو من عام 1987، أعلن الحزب الشيوعي أنّ التاسع عشر من أيار / مايو من كلّ عام، هو يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العلمي في لبنان والعالم العربي، وهي المناسبة السنوية التي تشهد تنظيم الأنشطة الثقافية والفكرية المتنوّعة تحت هذا العنوان، بما في ذلك تنظيم الندوات التي تشارك فيها نخبة من المفكّرين والباحثين العرب والأجانب. أمام هذه الحقيقة، يصبح الكلام عن أنّ الحزب الشيوعي اللبناني بات أكثر تذكّراً لهؤلاء الشهداء دون غيرهم هو مجرّد افتراء.
خامساً: يوجّه أبو خليل سهامه إلى قادة شيوعيين مثل كريم مروة، في حين أنّ القاصي والداني يعرفان أنّ مروة فكّ ارتباطه التنظيمي بالحزب منذ عام 1990 (أي منذ واحد وعشرين عاماً)، وهو في ما يقوله ويكتبه يمثّل نفسه ولا يُلزم الحزب فيه.
سادساً: يستعرض الكاتب أحداثاً من الحرب الأهلية عندما ارتكبت الميليشيات اليمينية المجازر بحق الشيوعيين، ويتساءل لماذا لا يتذكّر الشيوعيون شهداءهم الذين سقطوا في هذه الصدامات والمجازر (وبسخرية يقول: يتعامل الحزب الشيوعي مع هؤلاء الشهداء على أنهم قضوا بحوادث سير متراكمة)، بل يتذكر فقط شهداءه الذين يتهم الحزب (يقصد حزب الله) باغتيالهم في الثمانينات. ببساطة، كان يكفي البروفسور أبو خليل الذهاب إلى محرّك البحث «غوغل» مستخدماً الكلمة المفتاحية الشهيد الشيوعي اللبناني، ليكتشف أنّ قيادة الحزب الشيوعي اللبناني اتخذت قراراً منذ الثمانينات باعتبار يوم الأحد من شهر حزيران / يونيو، مناسبة لإحياء يوم الشهيد الشيوعي، وأنه وفي كل الظروف، تنظّم القيادة احتفالاً مركزياً بالمناسبة، ويترافق هذا النشاط مع أنشطة تقيمها المنظمات الحزبية في كل المناطق إحياءً للشهداء، حيث ينحني الشيوعيون إجلالاً لرفاقهم الذين سقطوا على دروب النضال، من دون التمييز بين رفيق وآخر.
وأخيراً، والأهم، أنّ الحريص على المقاومة لا يسعى لإقامة تمايزات لا تخدم المقاومة كقضية شعب، من المفترض (وبغضّ النظر عن محاولات طمس دور الشيوعيين في المقاومة من قبل كما إعلام حزب الله كذلك الإعلام الذي يدور في فلكه) أن يسعى المناضل الوطني إلى المساهمة في تعزيز عناصر قوة المواجهة مع العدو، وخصوصاً أنه وبمقاييس العلوم السياسية، فإنّه وفي مرحلة النضال الوطني، فإنّ تضافر القوى السياسية ذات التمثيل الطبقي المتنوّع يشكل عاملاً ضرورياً للنجاح في تحقيق أهداف التحرّر الوطني. وبهذا المعنى، فإنّ وظيفة النص عند أبو خليل تلاقي وظيفة الإعلام الرجعي الذي ينتقده في منتصف الطريق.
وإذا كان النص بكلّيته يستهدف الحزب الشيوعي، والنقد حق مشروع في ميدان السياسة، إلّا أنّ الكاتب ينزلق عن الشروط العلمية في تقييم جانب من الأداء السياسي للحزب بالانطلاق من معايير «مطلقة»، مثل الخصومة والثأر والتصفيات، لفترة تمتدّ إلى بداية الحرب الأهلية. إنّ مقاربة وقائع الحرب الأهلية لا تقوم فقط على تعداد الارتكابات والمجازر التي حصلت، إنما ينبغي ربط تلك الأحداث بطبيعة المشاريع السياسية المتصارعة، كما داخلياً، كذلك في ترابطها الإقليمي والدولي، وهذا يساعد على تفسير تداعيات الصراع، وخصوصاً أنّ الحزب الشيوعي حمل مشروعاً توحيدياً وتغييرياً في مواجهة محاولات التقسيم والفدرلة، وكان قوة انتشارية علمانية في تناقض مع القوى الطائفية والمناطقية، ودفع الأثمان الغالية من المناضلين دفاعاً عن وحدة لبنان وعروبته التقدمية وتطوّره الديمقراطي، وهذا يُفترض أن يُسجّل له من باب التقدير، وليس من باب التفتيش تحت الأظفار.
إنّ «جمّول» شكّلت الرد الثوري المنظّم الذي غيّر في مسار الأحداث الكبرى على مستوى لبنان والعالم العربي

صحيح أنّ قيادات من الصف الأول في الحزب قد تراجعت نتيجةَ هزيمة المشروع السوفياتي، معطوفة على هزيمة حركة التحرّر الوطني العربية وهزيمة المشروع الإصلاحي للحركة الوطنية، وبالرغم من الضغوط السورية والإقليمية والداخلية لتصفية الشيوعية، إلّا أنّ الحزب بصفته معبّراً عن حركة ثورية لبنانية صمد وبقي.
أجل، الحركة الوطنية عانت من خللٍ وأخطاء، وصحيح أنّ الحزب الشيوعي عانى أيضاً، ومن الضروري إجراء مراجعة نقدية لتلك المرحلة، ولتكن صريحة ولكن علمية وموضوعية، وليس من باب تجاهل الظروف التي أوصلت البلاد إلى الكارثة التي نعيشها، بما في ذلك، التواطؤ والصمت من قبل من يدافع عنهم أبو خليل تجاه محاكمة حبيب الشرتوني، وتجاه تهريب أحد رؤوس العملاء عامر الفاخوري، وفي القضية الاجتماعية الاقتصادية، وفي التحالفات، وفي قضايا الإدارة المحلية على مستوى البلديات، واللائحة تطول.
إنّ «جمّول» شكّلت الرد الثوري المنظّم، الذي غيّر في مسار الأحداث الكبرى على مستوى لبنان والعالم العربي، وعملية التطبيع التي تجري اليوم كان مطلوباً تنفيذها آنذاك، أي قبل حوالى أربعين عاماً، وهذا الرد الثوري جاء في لحظة مفصلية، بدا فيها وكأن العالم العربي دخل في العصر الإسرائيلي من البوابة اللبنانية، بعد خروج مقاتلي الثورة الفلسطينية من لبنان وارتكاب الصهاينة وحلفائهم مجازر صبرا وشاتيلا، وكان القرار الشجاع والجريء بإطلاق المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو قرار واعٍ جرى التحضير له، وليس صحيحاً كما يصوّر البروفسور في مقالته: «كان أحياناً جورج حاوي يكلّف رفيقاً بعملية في سهرة»، وعلى الأقل فإن الأمين العام للحزب الشيوعي قرّر البقاء في العاصمة ليكون قائداً ورفيقاً إلى جانب المقاومين. وفي النداء الأول، لم يتمسّك الشيوعيون بحصرية المقاومة، بل على العكس من ذلك، عملوا على خلق كلّ الظروف التي تؤمّن الاستنهاض الوطني، كما بالبندقية، كذلك بالكلمة والخطاب والتحريض السياسي، وفي هذا الخندق بالذات كان حسين مروّة ومهدي عامل وسهيل طويلة وميشال واكد وخليل نعوس واللائحة تطول، فكانت النداء، والطريق، والبيانات، والاجتماعات، ومن عايش تلك الفترة وشارك في هذا العمل البطولي، ويعرف تفاصيله، فلن تعنيه توصيفات أبو خليل. ومهما جرت محاولات لطمس دور الشيوعيين في المقاومة، فإنها لن تزوّر التاريخ لأنه وبنتيجة الرد الثوري الذي شكّلته «جمّول» جرى إسقاط مشروع إلحاق لبنان بقطار التطبيع بعد مصر والأردن، وكما كان لـ«جمّول» دورها تابعت المقاومة الإسلامية المهمّة، وتمّ التحرير، بدماء الشهداء والجرحى وعذابات المعتقلين، ولا فرق بين شهداء المقاومة، ولا بين معتقل محرر من الخيام وآخر، بغضّ النظر عن أي طرف سياسي انتمى إليه. فالتحرير شاركت فيه قوى متعدّدة الانتماءات، والتحدّي الآن هو في استكمال التحرير بتأمين الحياة الحرّة والكريمة لأبناء شعبنا.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

*جريدة الأخبار