الخميس، تموز/يوليو 09، 2020

ردّاً على أسعد أبو خليل: نعرف القاتل والقاتل يعرفنا...

  أحمد بدران
رأي
‬كتب أسعد أبو خليل مقالة بعنوان «اغتيالات الشيوعيّين في لبنان: عندما هَمَس غازي كنعان في أُذُن كريم مروّة» («الأخبار»، 6 حزيران/ يونيو 2020). هذه المقالة تأخذنا، وبسذاجة، إلى عالم الاغتيالات والمجازر التي تعرّض لها الحزب الشيوعي اللبناني، منذ بداية الحرب الأهلية عام ١٩٧٥ حتى آخر شهيد سقط غدراً على أيدي قوى الفاشية والظلامية وأيدي العدو الإسرائيلي وعملائه. ويتساءل وبنوع من السذاجة الظاهرة: لماذا عندما يتذكر الشيوعيون شهداءهم، ممن قضوا اغتيالاً، لا يتذكرون إلّا المتّهمين من عناصر حزب الله؟‬


ويتابع الكاتب، (وهنا يبرز حرصه على ضرورة المساواة بين من سمّاهم في مقالته مشاركين في التصفية الجسدية لشيوعيين)، لماذا لا يأتي الشيوعيون على ذكر «حركه أمل» و«الكتائب» و«القوات اللبنانية»، وبعض الفصائل الفلسطينية، مثلاً، في مسؤولياتهم عن هذه الاغتيالات؟ لا يذكر الكاتب الأسباب والأهداف الحقيقية أو المراحل الزمنية والظروف السياسية التي كانت حين استُهدف الحزب الشيوعي اللبناني؛ بدءاً من دوره في النضال ضدّ المشاريع الاستعمارية في منطقتنا كافّة، ثم وقوفه ونضاله إلى جانب قضيّة الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة العربية من أجل التقدّم والحرية والعدالة، واستكمالاً إلى دوره الوطني في النضال من أجل بناء وطن علماني ديموقراطي حر، مروراً بالتصدّي للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان والمشاريع الفاشية والظلامية، وصولاً إلى دوره في المبادرة، مع قوى يسارية لبنانية لإطلاق «جبهه المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمّول) ضد احتلال العدو الإسرائيلي للبنان عام 1982، والتي أدّت إلى دحره عن العاصمة بيروت، وكل المناطق التي احتُلّت في الجبل والجنوب والبقاع حتى الشريط المحتل، بفضل هذه المقاومة البطولية والشرسة التي انطلقت من بيروت وصولاً إلى الجنوب، حيث سقط للحزب الشيوعي اللبناني فيها مئات الشهداء والجرحى والأسرى والمعتقلين. وتشهد على ذلك، تصاريح العدو عن ضراوة مواجهة عمليات «جمّول» وكلفتها البشرية والمادية عليه. وكانت الغارة الجوية التي نفذها طيران العدو على مقر اللجنة المركزية للحزب في منطقة الرميلة والتي سقط نتيجتها قادة ومناضلون للحزب، دليلاً عن مدى شراسة تلك المواجهة. ويشهد، أيضاً على ذلك، ما صرّح به قادة العدو من أنّ «عملية البطلة سهى بشارة ضد العميل لحد سهّلت اتّخاذ قرار الانسحاب من جنوب لبنان لدى العدو الإسرائيلي».‬
لقد تعرّض الحزب للمضايقات وللتصفيات الجسدية التي طالت بعض القادة والرفاق، وصولاً إلى مجازر من أطراف سياسية وأمنية عدّة في الداخل، ومن قِبل العدو وعملائه، بسبب مواقفه ونضالاته. وهنا، أحبّ أن أُطمئن الكاتب ومتابعيه بأننا نعرف جيداً من قام بتلك الاغتيالات والإرهاب والمجازر، بحق رفاقنا وأهلنا وشعبنا، وهم أيضاً، أي من قام بها، يعلمون بأننا نعرفهم، ونحن لن ننسى.‬
ويتّهمنا السيد أسعد بأنّ حزبنا يبالغ بدوره في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتأثيره ودحره، حتى أصبحنا نصدّق أننا أصحاب هذا الدور! على حدّ قوله؛ فهو مصرّ على لعب دور الساذج والمهرّج، بينما العدو يقرّ بالهزيمة أمام المقاومة، وبانسحابه لغاية الشريط المحتل في الجنوب، يومها، بسبب ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية، أي ما يعادل 80 في المئة من الأراضي التي احتلّها عام 82 وهذا موثّق. نحن هنا لا ننكر دور كل القوى التي شاركت في مقاومة الاحتلال، وطنية كانت أم إسلامية، بل نعتبر أنّ الغاية من رفع شعار المقاومة الوطنية اللبنانية، وقتها، كان لتحفيز مشاركة كلّ الوطنيين وعموم الشعب اللبناني في مقاومة الاحتلال ومن كلّ المناطق.‬
ويتطرّق في مقالته هذه إلى أنّ اليمين اللبناني، بالتنسيق مع الرجعيات العربية وبعض الدوائر الأميركية والصهيونية، عمِل على تسليط الضوء وتعظيم إنجازات المقاومة الوطنية اللبنانية، من خلال الاهتمام بإلياس عطاالله، القيادي السابق في الحزب الشيوعي (والذي كان يضطلع بدور في المقاومة الوطنية، من خلال دوره القيادي في الحزب آنذاك، وبعيداً من أن يكون قائداً لها، والذي يقف اليوم في المعسكر المضاد)، وذلك للنيل من المقاومة الإسلامية؛ إنّ خروج إلياس عطاالله من الحزب والتحاقه سياسياً بما يسمى مجموعة ١٤ آذار، هو كخروج إيلي حبيقة بشكل معاكس، حيث تمّ التعاطي معه كبطل لا كسفاح أو كخروج الشيخ الطفيلي من حزب الله وادعاءاته، وهناك حالات كثيره شبيهة لدى العديد من القوى السياسية. إضافة إلى ذلك، هناك أشخاص يدّعون أدواراً ليست لهم بسبب عقدة تلازمهم، كما حين يكتب كاتبنا في مقالته هذه، بأنه كان من أوائل من كُلّف في المقاومة الشعبية، وحتى قبل انطلاق مقاومة جمّول. وهنا لن أعلّق، وسأترك المهمة للقارئ.‬
يلوم السيد أسعد الحزب الشيوعي اللبناني على أنّه يتحاور مع قوى سياسية لبنانية كانت مسؤولة عن اغتيال عدد من أعضائه إبّان الحرب الأهلية، وهنا ينسى أنه من المفترض أنّ الحرب الأهلية قد انتهت مع «اتفاق الطائف»، وأنّ إعادة الوحدة وبناء الوطن بحاجة إلى الحوار والمصارحة والنقد والعمل والنضال وبأشكال ديموقراطية، وهذا ما يجب أن ينطبق على جميع القوى السياسية؛ فليس الحزب الشيوعي هو من عطّل تنفيذ «اتفاق الطائف» الذي كان لنا اعتراضات كثيرة عليه، وليس الحزب (ونوّابه) من صوّت على العفو العام، وعلى العفو الخاص الذي طال سمير جعجع. وليس الحزب من صاغ نظاماً انتخابياً طائفياً عنصرياً، وبخلاف «اتفاق الطائف» نفسه. وليس الحزب من قام بالتحالف الرباعي في عام ٢٠٠٥، وليس هو من ضرب العمل النقابي ونسّق مع «القوات» و«المستقبل» وغيرهما. وليس الحزب من شكّل طاولة الحوار لمناقشة الخطّة الدفاعية بوجه العدو الصهيوني، حيث دُعيت إلى المشاركة فيه قوى وأحزاب تمثّل الطوائف والمذاهب وأحزاب تعاملت مع العدو الإسرائيلي، بدلاً من دعوة القوى التي أسّست وشاركت في المقاومة، لمناقشة ووضع هكذا خطّة. هناك الكثير ممّا يمكن أن يُذكر هنا لكن سنكتفي بهذا لتنشيط الذاكرة.‬
تحدّث الكاتب عن دور الحزب الشيوعي في انتفاضة ١٧ تشرين، ممتعضاً منها ومتّهماً إياه بتحوّله نحو الليبرالية، هنا بيت القصيد وهدف مقالته؛ دور الحزب الشيوعي في الانتفاضة هو ما يعطي المشروعية الوطنية والطبقية لها، لأنّ ارتباط النضال التحرّري مع النضال من أجل التغيير هو الشعار الذي رفعه الحزب، ويعمل عليه من أجل بناء وطن حرّ ديموقراطي علماني مقاوم. هذا الشعار، هو الذي يربك ويفضح من كان واجباً عليه أن يقف إلى جانب مطالب شعبه في العيش الكريم، بعيداً عن الطائفية البغيضة المنتِجة لكلّ أصناف الفساد.‬
‬‬
* قيادي سابق في الحزب الشيوعي اللبناني

*جريدة الأخبار