السبت، أيلول/سبتمبر 26، 2020

المؤتمر الوطني الـ 11، ورشة ما بين "النظرية والممارسة"

رأي
 كان للمؤتمر الوطني الـ 11 للحزب الشيوعي اللبناني أهمية استثنائية بالمعنى التاريخي الواسع، ولو متأخرة، فالعالم يشهد في العقد الماضي تحولاً نوعياً على مستوى الاقتصاد والسياسية، فالنظام العالمي الإمبريالي المسيطر ــ على رأسه أميركا وحلفاؤها وأتباعها ــ شهد انفجار تناقضاته، فالأزمة المالية (الاقتصادية عميقاً)

ظّهَّرت التناقضات المستمرة (حتى مع انهيار الاتحاد السوفياتي)، فكانت الأزمة نقطة تبلورها السياسي، بين قطب الشعوب، التي تتناقض مصالحها التاريخية موضوعياً مع آلية النهب والإخضاع الامبريالية، وإن عبرت عن نفسها بظهور أقطاب دولية كروسيا والصين (كما مجموعة البريكس). هذه الأهمية الاستثنائية تعبر عن انفتاح الأفق أمام الشعوب وحركات التغيير، بعد مرحلة التراجع خلال العقود الماضية، التي سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي نفسه، فكان انهياره تعبيراً عن هذا التراجع، لا سببا بنيوياً فيه.

 فحمل المؤتمر موضوعياً مهام إعادة بلورة الحركة التغييرية على ضوء الجديد الاجتماعي بمستوياته كافة: حيث تغير أنماط الحياة اجتماعياً، والأزمة الاقتصادية العالمية وانعكاسها الداخلي وملامح البدائل ضمن النظام العالمي الذي يتكون حالياً، وتداعيات الأزمة سياسياً وموت الفضاء السياسي القديم بعناصره وعلاقاته والمخاطر التي شهدناها ولا نزال، وتغير الخريطة السياسية للعالم والمنطقة وموقعنا فيها، في ظل أزمة نظام طائفي أعجز عن تجديد نفسه بالوسائل السابقة، حتى بحرب أهلية كما يبدو، وحيث تفتت ثقافة نمط الحياة الليبرالي التي حاولت أن تسود فاصطدمت بالنظام نفسه الذي كشف عن عدائيته على طول الخط للإنسان - وحاجاته المادية والمعنوية - وللطبيعة، وحيث التفتت الاجتماعي واضطراباته في كل الأطر وتقدُّم اشكال الفوضى الاجتماعية والفكرية والأخلاقية، وحيث ضرورة التلاؤم مع الإعلام والتواصل الاجتماعي المتوسع وخصوصاً في ظل عدم تكتل القوى الاجتماعية بصورتها العمالية في المصانع والمعامل (كصورة ذهنية للطبقة العاملة في أدبيات اليسار)، وتحديداً في لبنان وطبيعة الطبقة العاملة ضعيفة التكون.

 للتكثيف نقول، نحتاج البرنامج والشعار والخطاب المتلائمين مع المرحلة وآفاقها، أليس هذا أحد التوصيات المباشرة للراحل الرفيق "كمال البقاعي" في رسالة صوتية أذيعت على إذاعة "صوت الشعب" بعد رحيله...!!؟

 هذه الأفكار كانت معبرة عن رأي من الآراء المختلفة السقوف والاتجاهات في سياق التأكيد على انعقاد المؤتمر، ليس فقط كمحطة ديمقراطية من حياة الحزب، بل لاطلاق ورشة شاملة كانت المهمة المحورية لـ "المرحلة الإنتقالية" ما بعد المؤتمر، كما شدد الرأي الغالب في المؤتمر، ولكن ليس من المسلَّم القول بأن رأيا وحيدا هو السائد في الحزب حول مهمتنا الضرورية في الورشة الحزبية، ولذلك وجبت الكتابة للتأكيد على ضرورة الحياة الفكرية الداخلية في الحزب من أجل تطوير ممارسته، وإعادة التأكيد على المنهج العلمي المادي ــ التاريخي (الماركسية) في قراءة الواقع والممارسة السياسية المبنية عليه، فعلاً وليس قولاً فقط.

إذن، لا زلنا في سياق التحضير لهذه الورشة، وتجاوز أسباب التراجع واساسها انفكاك علاقتنا بالقوى الاجتماعية المتضررة، بعد ان تحركت نسبيا هذه القوى، والتي ستزيد في حركتها على ضوء التناقضات العميقة في المجتمع، علينا ان نقدر على اجتذاب العناصر الطليعية فيها، وتجديد الجسم، الذي بدونه سيبقى الحزب في هرم متزايد، والحركة الثورية مكبوحة الأدوات والتأثير.

 فالورشة تعيد استنهاض الطاقات ليس في الحزب وحده بل حوله وخارجه، في "قديمها" و"جديدها"، فمحطة المؤتمر ونتائجه النسبية والدعوات الملحة لا تشكل لوحدها حالة دفع مطلقة، بل يجب استكمالها. لا أفق للممارسة في بَترِها عن النظرية، حيث تبقى الممارسة اسيرة فكرها اليومي المحدود تأثيره في اليومي نفسه، فالمقولة اللينينية "لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية" اساسية في ممارسة الحزب الثوري.

 

أمام هيئات الحزب المركزية مهمة تحديد متطلبات هذه الورشة وعناوينها الرئيسية، وتشكيل الأطر المطلوبة لإنجاحها، بشرياً وتقنياً وإدارياً...، وإلا سنعيد إنتاج انعكاسات ما قبل المؤتمر، وإن بأشكال أكثر نشاطاً، حيث اننا لم نعالج أسباب الأزمة كما عاش الحزب نقاشاتها طوال العقود الماضية وفي مؤتمراته القاعدية ومؤتمره الوطني، وفي مختلف ممارسة الشيوعيين وأصدقائهم.

 

عندها سنكون أنجزنا المضمون التاريخي للمؤتمر الوطني، لنسير إلى المؤتمر المقبل بخطى ثابتة وواعية، وعندها فقط سيتسارع الزمن، متقدماً نظرياً على المرحلة التي تسير بخطى الأزمة السريعة، وما أجمل التاريخ عندما تتسارع خطاه، كأنه ينطق بالحقيقة.