الجمعة، تشرين(۱)/أكتوير 30، 2020

الاقتصاد السياسي لانتفاضة 17 أكتوبر

  غسان ديبة
لبنان
«لكي تحارب من أجل تحررها الاقتصادي، على البروليتاريا نفسها أن تربح حقوقاً سياسية معينة»- فلاديمير لينين

كان لانفجار انتفاضة 17 أكتوبر أسباب اقتصادية بحتة. من السبب المباشر المتمثل في الضرائب التي أعلنتها الحكومة عشية الانتفاضة، إلى تلك الكامنة التي كانت تعتمل في الجسم الاقتصادي اللبناني لسنوات عديدة، والتي تمظهرت بشكلها المباشر في بدايات نهاية النموذج الاقتصادي القديم مع الإعلان الواقعي لنهاية التثبيت النقدي في أيلول 2019. بشكل أساسي، كانت ظواهر الاقتصاد - في توقفه عن خلق الوظائف الجيدة وإيقاف الترقي الاجتماعي لدى الفئات المتعلمة، وإمعانه في التهميش لفئات كبيرة في المجتمع، واصطدام هذه الفئات الواسعة بجدار الاقتصاد المصاب بالشلل، والذي خلق مجتمعاً فيه استقطاب هائل؛ في جانب، تقف فئة الـ1 في المائة التي راكمت الثروة والدخل، وفي الجانب الآخر الأكثرية التي وإن لفترة استفادت من الفورة الاستهلاكية التي أمنها النموذج الاقتصادي، إلا أنها رأت نفسها أكثر وأكثر تتجه إلى الجمود والشلل في مواقعها الاجتماعية - هي التي دفعت إلى أن تكون الانتفاضة جامعة في الشارع للفقراء وللطبقة المتوسطة وللطلاب وللشباب، والتي كانت من سمات هذه الانتفاضة.


في الوقت التي كانت فيه الانتفاضة «اقتصادية»، الا انها لم تكن «مطلبية» من اجل تحسين المواقع أو الغاء الضرائب الموضوعة، بل أرادت أن تغير النموذج القديم وعلاقات الإنتاج التي افرزها، فرفعت شعارات إسقاط سلطة رأس المال والارستقراطية المالية وإسقاط الاوليغارشية الحاكمة، فتحولت في اشكال منها إلى «صراع طبقي» في الشارع، حيث المواجهة مع السلطة السياسية والرأسمال المتمثل في نظام الطائف. وهكذا رأينا ايضاً كيف رفعت شعارات ضد النظام الطائفي. فالعلاقة بين نظام الطائف والرأسمال التي حيكت بعد عام 1992 عبر «الصفقة الكبرى» بينهما وتدرجت لتقيم نظاماً تحاصصياً أمن للرأسمال عوائد عالية على الدَّين العام، تحولت مع الانتفاضة من علاقة هيمنة في المجتمع إلى علاقة تناقضية بين المنتفضين في الشارع وأجهزة السلطة السياسية والأمنية وحتى روافدها الطائفية.
ثورة ديمقراطية؟
وبهذا التناقض والشعارات السياسية، أصبحت الانتفاضة «ثورة ديمقراطية» لنزع الهيمنة المزدوجة للرأسمال والأحزاب الطائفية، التي أصبحت في تحالفها المتقادم تشكل عائقاً أمام التقدم والحداثة في لبنان. فكما كتبت سابقاً في «العودة الى الثامن عشر من بروميير»، فإن العلاقة بين التطور الاقتصادي والشكل السياسي للحكم اخذت شكلاً محدداً بعد الطائف. فالاقتصاد الريعي، أي العمود الأساسي للنموذج الاقتصادي القديم الذي دمر التصنيع في لبنان، أدى الى تراجع «الليبرالية السياسية» وزادت مقدرة القلة في المجتمع من المحظيين على السيطرة على مصادر الريع الاقتصادي والسياسي، كما أدى الى تراجع الاقتصاد الإنتاجي. كما أن تبعثر القوى العاملة وعدم تنظيمها الذي نتج عن تهميش الحركة النقابية منذ منتصف التسعينيات، أديا إلى تراجع الديمقراطية في لبنان. فكما لاحظ داني رودريك من جامعة هارفارد، «من دون الانضباط والتنسيق الذي يوفره وجود قوى عاملة منظمة، فإن المساومة المطلوبة بين النخب وبين غير النخب من أجل حصول انتقال ديمقراطي يصبح احتمالها اقل. وبالتالي فإن العكس المبكر للتصنيع يجعل من عملية الدمقرطة اقل احتمالاً وأكثر هشاشة». وقد أدى هذا التراجع ايضاً إلى ارتفاع منسوب «سياسة الهوية «في لبنان بدلاً من «سياسة الطبقة»، فكانت الانتفاضة هي التأكيد على الاخيرة، أي أهمية السياسة المبنية على الصراع الاجتماعي في مواجهة السياسة المبنية على الصراع (أو التوافق) الطائفي. في هذا الاطار، فإن الانتفاضة جاءت لفتح الآفاق السياسية للبنانيين افراداً ومجتمعاً في مواجهة النظام الطائفي الذي اصبح نظاماً مغلقاً يأسر اللبنانيين في مجتمع شبه اقطاعي، حيث انتماء الفرد إلى الطائفة هو الذي يضعه في سلم التراتبية السياسية والإدارية للدولة. وبالتالي جاءت الانتفاضة لتعلن أن التغيير سيكمن في توسيع الصراع حول المجتمع المدني من أفراد وطبقات وقوى: صراع مع هذه الشبه إقطاعية، وفي الوقت نفسه، صراع داخله.
لكن ماذا الآن؟ وكيف ستستمر الانتفاضة؟ ففي اعقاب الانتفاضة وما تخللها من اعلان موت النموذج الاقتصادي القديم وما نتج عنها من تطورات سياسية، اهمها ترنح القوى الطائفية الحاكمة واضطرارها الى الاختباء وراء حكومات تكنوقراطية إضافة الى محاولة تأجيج المشاعر الطائفية واستدراج التدخل الخارجي، يحتم على قوى التغيير اتخاذ الموقف المسؤول في التعاطي مع هذه المرحلة السياسية الخطرة المفتوحة على عدة احتمالات، ومنها التفكك الوطني والحرب الأهلية. من هنا فإن الانتقال السلمي للسلطة عبر الوسائل الديمقراطية في انتخابات نيابية مبكرة هو الطريقة الأنجع والأسلم للتغيير في هذه الظروف المعقدة. من هنا يرتدي النضال من اجل تحقيق الديمقراطية السياسية في لبنان الأولوية في هذه المرحلة الشبيهة بتلك المراحل التي مر بها بعض البلدان في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهذا يجب ان يكون الهدف الأساسي للقوى اليسارية المشاركة في الانتفاضة. في هذا الإطار كان البيان الشيوعي واضحاً في اهمية تحقيق الديمقراطية وحق الانتخاب للجميع من حيث كونه هدفاً يتشارك فيه الشيوعيون آنذاك مع الأحزاب الديمقراطية الأخرى.

يمكننا تشبيه النضال الديمقراطي اليوم ضد «الطائفية اللبنانية» بالنضال الديمقراطي بالأمس ضد «القيصرية» في روسيا
وقد كان الشيوعيون والاشتراكيون دوماً في طليعة القوى التي قاتلت من اجل ديمقراطية اوسع حتى ضمن الرأسمالية نفسها، لأنه كما ذكر النائب العمالي البريطاني اليساري طوني بن، «ان الديمقراطية هي اكثر الأشياء ثورية في العالم». كما ان النضال من اجل الديمقراطية ومن ضمنها الصراع الطبقي كانا الأساس في الإنجازات الكبرى التي حققتها الطبقة العاملة في اوروبا، وخصوصاً في الدول الاسكندنافية، حيث لم تهبط الدولة الديمقراطية الاجتماعية من السماء، بل أتت نتيجة لصراع ديمقراطي وطبقي طويل الأمد. وهنا تأتي أهمية أن تكون القوى المتقدمة في المجتمع هي الاساس في هذا الصراع، ولقيام جبهة عريضة من اجل قيادة التغيير السياسي في لبنان، والتي يعوقها الآن ضعف التنظيمات المدنية وتبعثرها، وبسبب عدم وجود فعلي لأحزاب، خارج احزاب اليسار، تمثل الشرائح المتقدمة في المجتمع، والتي من مصلحتها إنهاء النظام الطائفي والرأسمالي الريعي.
من هنا فإن اعتبار انتفاضة 17 اكتوبر هي انتفاضة ديمقراطية لإنهاء النظام الطائفي المعوق لها، ولإنهاء الأرستقراطية المالية المسيطرة، يجعلها ترتدي في هذه المرحلة حلة ثورية خالصة. بالتالي فإن تحقيق الحرية السياسية في لبنان هو هدف اساسي اليوم، لأنه، كما ذكر لينين، فإن الطبقة العاملة لكي تناضل من اجل تحررها الاقتصادي عليها ان تحقق حقوقاً سياسية معينة. ويمكننا تشبيه النضال الديمقراطي اليوم ضد «الطائفية اللبنانية» بالنضال الديمقراطي بالأمس ضد «القيصرية» في روسيا. فأوجه التشابه عديدة، وأيضاً من حيث التنوع في القوى التي تنضوي تحت «لواء» الانتفاضة، والتي يعير البعض من اليسار المغامر وغيره الانتفاضة بها. في هذا الإطار، يقول لينين في معرض تحليله لثورة 1905 في روسيا: «كانت الثورة الروسية عام 1905 ثورة برجوازية ديمقراطية. كانت عبارة عن سلسلة من المعارك التي شاركت فيها جميع الطبقات والجماعات وعناصر السكان الساخطين. ومن بين هؤلاء، كانت هناك جماهير مشبعة بأقسى الأحكام المسبقة، مع أهداف النضال الأكثر غموضاً والأكثر روعة. كانت هناك مجموعات صغيرة تقبل المال الياباني، وكان هناك مضاربون ومغامرون، إلخ. ولكن بشكل موضوعي، كانت الحركة الجماهيرية تكسر القيصرية وتمهد الطريق للديمقراطية؛ لهذا السبب قادها العمال الواعون». في لبنان ايضاً، على الحركة الديمقراطية ان تكسر الطائفية وأن تقودها القوى الأكثر تقدماً في المجتمع، والانتفاضة قد تكون عندها هي الـ«بروفة» أو النذير لما سيأتي لاحقاً.

*المصدر: جريدة الأخبار