الجمعة، أيلول/سبتمبر 25، 2020

وفي البدء كانت.. “جمّول”!

  وفاء أبو شقرا
لبنان
8 حزيران/يونيو 1982 تاريخٌ محفور في ذاكرتي. يومها، كنتُ عائدة برفقة عمّتي من النبع الواقع في طرف قريتي عماطور (الشوف). ذهبنا لملء الغالونات. فلا مياه للشرب في بيوتنا، ولا كهرباء، ولا شيء من كلّ ما تتطلَّبه الحياة الكريمة (مثل حالنا اليوم تماماً). كنا ما زلنا نسير في طريق العودة، وإذا بصوت أزيز جنازير الدبّابات على الإسفلت يتناهى إلى مسامعنا من البعيد.

بدأنا بالركض باتجاه البيت في وسط القرية. لقد وصلوا إلينا. وها هم في عقر دارنا في الجبل. يا إلهي! إسرائيل في أرضنا؟ إنّه الكابوس. إنّه الجحيم. إنّها نهاية العالم. وصلنا إلى البيت ونحن نلهث. كنتُ ما زلتُ أسترجع صوت تلك الجنازير الذي كان يقترب أكثر.. ويعلو أكثر فأكثر. لحظات، لم نعد نسمع صوتاً غيره. فالقرية سقطت في صمتٍ مطبق، بتنا نسمع عبره، ونحن داخل البيت، أصواتاً تتكلّم العبريَّة عبر أجهزة اللاسلكي. يا ويلي، العبرانيّون في ساحة قريتنا المنكوبة؟ كلّ لبنان كان منكوباً، حتى في مناطقه المسمّاة يومها “شرقيَّة”. فلم تمحُ النكبةَ أجواءُ الفرح والرقص والتمتّع في الملاهي وعلى الشواطئ، والتي كان يصرّ التلفزيون الإسرائيلي أن ينقلها إلينا، إمعاناً في قهرنا. فأيّ شعور يمكن أن نشعر به، نحن أهل المناطق “الغربيَّة” المدمّرة والمقصوفة والقاحلة، عندما نرى البهجة والابتهاج في المناطق “الشرقيَّة”؟ الإعلام دائماً سيّد اللعبة.

كان الجنود الإسرائيليّون يؤمّنون طريقهم، كما فهمنا. وهذا بديهي بالمنطق العسكري. هل يمكن لأحد من أهالي قرى الشوف أن يتصدّى لهم؟ أن يفاجئهم بقنبلة؟ بإطلاق القذائف ونيران الرشاشات عليهم؟ هل ينبت إنتحاريٌّ ما، في طريقهم فيبتلعهم بناره؟ ما كان يمرّ في ذهن العسكر الإسرائيلي، كان يمرّ، أيضاً، في بالي. كنتُ أنتظر وأُمنّي النفس وأقول في سرّي: لا يمكن أن يمرّوا على أرواحنا وكراماتنا هكذا.. من دون أن نفعل شيئاً! لا يمكن. لكن، مرّت قافلة الدبّابات، الواحدة تلو الأخرى، ولم يحصل شيء. لم تُطلَق طلقة. شكرتُ الربّ، أنّ أحداً لم يرمهم بالأرزّ كما حصل في بعض قرى الجنوب. ولو إنّني لم أكن لأتعجّب كثيراً لو حصل ذلك. فعداء أهل الجبل لإسرائيل “فيه إنّ”، كما يُقال!

لماذا لم يقاوم الجبل؟ هدر “الزعيم الأقوى” في هذا الجبل وقتاً طويلاً وكلاماً كثيراً، ليبرّر عدم مقاومة الجيش الغازي لأرض الشوف. كان يدافع، كما غيره في كلّ المناطق التي تخاذلت، بأنّ ميزان القوى لم يكن متوازياً. وبأنّ العين لا تستطيع أن تقاوم المخرز. فها هي القوات السوريَّة في منطقة جزين، وبعد معارك طاحنة، تتقهقر صوب بلدة مشغرة عند مدخل وادي البقاع. والقوات الفلسطينيَّة دافعت، حتى الرمق الأخير، قبل أن تنسحب من مشارف صيدا. وما كان يُسمّى “القوات المشتركة” اندحرت من مواقعها، بعد مواجهاتٍ عنيفة حسمها قصفٌ إسرائيليٌّ جويٌّ كثيف. كان الجوّ، إذن، جوَّ هزيمةٍ موصوفة. فلا مَن يقاتل أو يقاوم الغزاة. في هذه الأجواء، بالذات، وُلدت “جمّول” التي نحتفي بذكراها اليوم. مَن هي “جمّول”؟

عندما تمّ إشهار البيان التأسيسي للجبهة في 16 أيلول/سبتمبر 1982، رأى فيه البعض ضرباً من الخيال. لقد كان، ببساطة، بمثابة عمليَّة فدائيَّة

هي “جبهة المقاومة الوطنيَّة اللبنانيَّة” التي لم يسمع بها أو عنها، على الأرجح، ثلاثة أرباع الشعب اللبناني. وسيذهب كلّ أثرٍ لها مع الريح، عندما يأخذ الربّ أمانته بموت الربع الرابع من هذا الشعب. “جمّول”، هي أوّل إطار ينظِّم عمليات المقاومة اللبنانيَّة ضدّ العدوّ الإسرائيلي، ضمن جبهةٍ واحدة. وكان هناك إصرار على تسميتها بـ”جبهة”، لأنّ مهمّتها كانت تحرير الأرض وليس تغيير النظام في لبنان أو طرح نظامٍ بديل للنظام القائم (طُرح لها مثلاً اسم “منظمة التحرير اللبنانيَّة”).

وُلِدت “جمّول” في يومٍ غير عادي، لبيروت وأهلها. كانت السماء تمطر في ذاك اليوم (كما أشرنا) خيباتٍ وانتكاساتٍ وهزائم ويأساً وذهولاً أمام تراجع ما كان يُسمّى بـ”المقاومة الفلسطينيَّة”، ونجاح القوات الإسرئيليَّة المعادية بالتقدّم والوصول إلى العاصمة اللبنانيَّة بتواطؤ مع قوى اليمين اللبناني، في ذلك الوقت. لذا، عندما تمّ إشهار البيان التأسيسي للجبهة في 16 أيلول/سبتمبر 1982، رأى فيه البعض ضرباً من الخيال. لقد كان، ببساطة، بمثابة عمليَّة فدائيَّة. إذْ كيف سنتمكّن، نحن المهزومين أمام جحافل العدوّ، من المقاومة؟ نحن، بضع شاباتٍ وشبّان، كيف سنقاوم “الجيش الذي لا يُقهر”؟

نعم، لقد كان خيار المقاومة انتحاريّاً، لكن حتميّاً. فسُمِع ذاك النداء الشهير يملأ سماء لبنان أملاً في تلك الأيّام السوداء المُذِلَّة. نادى المنادي: “إلى السلاح يا رجال ونساء لبنان من كلّ الطوائف والمناطق والاتّجاهات.. إلى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنيَّة اللبنانيَّة ضدّ الاحتلال وتحريراً لأرض لبنان من رجسه على امتداد هذه الارض من أقصى الوطن إلى أقصاه”. لقد شكّل هذا النداء جواز سفر الكثيرين إلى الحياة، من جديد. وكرّت سبحة العمليات والمواجهات و..البطولات. فلقد تحوّل جنوب لبنان، بسرعة، إلى مستنقعٍ يتخبّط فيه “أقوى جيش في الشرق الأوسط”.

تواترت الهجومات بمعدّل هجوميْن في اليوم الواحد. وقارب عدد العمليّات، التي نفّذتها “جبهة المقاومة الوطنيَّة اللبنانيَّة”، الألف وخمسمئة عمليَّة (تختلف الأرقام من مصدرٍ لآخر). فأحياناً، لم يكن يُعلَن عن العمليات بسبب مشكلات التواصل بين قيادة الجبهة (التي كانت متمركزة في بيروت) ووحداتها القتاليَّة. وكانت “جمّول” تضمّ مجموعات صغيرة عديدة تعمل باستقلال، الواحدة عن الأخرى، أكثر ممّا هي عاملة في حركة واحدة متراصّة. وهذه البنية السريَّة اللامركزيَّة، تجيب، إلى حدٍّ بعيد، عن سبب عجز الاسرائيليّين عن تفكيك الجبهة، رغم الحملات التي كانت تعقب كلّ عمليَّة، ورغم توقيف عددٍ من المناصرين. وقف المقاومون “في جفن الردى وهو نائم”، كما يقول شعر المتنبي.

أفتى اتفاقٌ سوري – إيراني بتلزيم مقاومة العدوّ الإسرائيلي لـ”حزب الله”. نقطة على السطر. فأُسدل الستار على حكاية “جمّول” من دون تصفيق الجمهور

“لماذا لا تكشف لي عن وجهك؟ أحبّ أن أراك”، قلتُ للمقاوم العائد من العمليَّة البطوليَّة في سفوح جبل الشيخ. “الأوادم كتار يا رفيقة.. هيك أَأْمَن”، أجابني محاولاً إفهامي بأنّه يخاف من العملاء المزروعين في طريق المقاومين، أينما كان. لكن، لم تتراجع التعبئة الشعبيَّة رغم استخدام المحتلّ ترسانته الهامّة في مجالات القمع والتوقيف الاعتباطي الطويل والعقوبات الجماعيَّة والإزعاج والإغلاق المتكرّر للطريق الوحيد المؤدّي إلى المنطقة المحتلّة. أين هي جمّول اليوم؟ سنعود إلى هذا السؤال، بعد أن نمرّ قليلاً على حقبة تسعينيّات القرن الماضي.

كنتُ في كلّ مرّة أزور فيها لبنان خلال هذه الفترة، تستقبلني لافتة عملاقة مُعلَّقة على جانب الطريق الذي كان يقلّني من المطار إلى بيتي في بيروت. كان شعاراً يُكحِّل عيوني، دوماً، بقهرٍ وغضبٍ مكبوتيْن. إذْ لم يكن باستطاعتنا، نحن اللبنانيّين، التلفّظ بكلمة أو حرف يشي بانزعاجنا من واقع حالنا بظلّ قبضة النظام السوري المطبقة على أنفاسنا. “لبنان المقاومة.. وسوريا الصمود”، يا إلهي إلطفْ بنا، ناديته ولم يسمعني. وكنتُ أتساءل في سرّي: من أين جاؤوا بكلّ هذه الجرأة لإذلالنا “عينك بعينك”، كما نقول في لبنان؟ هل تستطيع أن تناقش مثلاً بعبقريَّة هذه المعادلة؟ كلا بالتأكيد. إذْ نسمّي هذا النوع من السلوكيّات في لبنان، المغلوب على أمره أبَدَ الدهر، “سلبطة”.

أربع كلماتٍ قرأتُها طوال سنوات على تلك اللافتة المعلَّقة على أحد طرقنا كالمشنقة. أربع كلماتٍ كانت تختصر كلّ المجلّدات السياسيَّة التي جهدت في تحليل وتقييم العلاقة القائمة بين البلديْن، والستاتيكو الذي رسمته حقبة ما بعد الطائف. إنّها المعادلة التي وُزِّعت بموجبها الأدوار في الصراع مع إسرائيل. معادلة تنادي بما مفاده: قاتلوا يا لبنانيّين (عنّا وعنكم) وارقصوا فرحاً بمواجهة العدوّ والموت. أمّا نحن في سوريا، فصامدون قرب الجدار الأخير. ونعدكم بألاّ نتزحزح قيد أنملة عن مواقفنا كُرمى لخاطركم. وعندما يعرف المرء ما يعنيه الصمود في القاموس السوري، يرتجف قلبه جزعاً. أمّا المقاومة “المقصودة بالنداء”، في اللافتة المذكورة كما في الخطابيْن السياسي والإعلامي، فهي “المقاومة الإسلاميَّة” وتحديداً “مقاومة حزب الله” واختصاراً “المقاومة” (مع “ال” التعريف التي هي كلّ الحكاية). أي، تلك المقاومة التي لا تعرف الأجيال الشابّة من اللبنانيّين مقاومةً غيرها. فهذا “الاختصار” هو ضابط الإيقاع في لبنان والمنطقة. كان العمل قد بدأ باكراً لتركيز بوصلة المقاومة باتجاهٍ ثابت. كيف؟

خلال عام 1984، بدأ تظهير احتلال جنوب لبنان، وبشكلٍ مضطرد، على أنّه قضيَّة تخصّ اللبنانيّين الشيعة، أو كقضيَّة شيعيَّة، بالمختصر. فعلى الأرض، يحمي علماء الدين “المقاومة الشعبيَّة” بإصدار فتاوى شرعيَّة تدين التعاون مع العدوّ، أو تبيح تصفية العملاء. وفي بيروت، يتولّى رئيس حركة “أمل” منصب وزير دولة لشؤون الجنوب. أكثر من مبادرة وقرار، دفع الأمور لتسير كما لو إنّ الجنوب قد جرى تلزيمه لحركة “أمل”، ضمن واقع الاعتراف الضمني بالاستقلاليَّة الذاتيَّة للطوائف المختلفة التي ترسّخت خلال مؤتمر لوزان في آذار/مارس 1984. وترافق ذلك، مع مشاركة أكبر لحركة “أمل” في المقاومة المسلّحة. لا بل إنّ هذا التنظيم، اعتبر أنّ المقاومة يجب أن تمرّ عبره أو لا تمرّ أبداً. وهكذا حصل. بحيث باتت تكلفة وصول مقاومي “جمّول” إلى الأرض الجنوبيَّة المحتلّة، أصعب من مواجهة العدوّ نفسه. ويمكن تصوّر ما حصل ضدّ “الجمّوليّين”، من تضييقٍ وقمعٍ وصلا إلى حدود الاعتقال والتعذيب و..القتل. سنواتٌ على هذا المنوال، حتى رسا ميزان القوى في “المعسكر” الشيعي على ما هو راسٍ اليوم. وعليه، أفتى اتفاقٌ سوري – إيراني بتلزيم مقاومة العدوّ الإسرائيلي لـ”حزب الله”. نقطة على السطر. فأُسدل الستار على حكاية “جمّول” من دون تصفيق الجمهور.

تشتّت “الجمّوليّون” في هذا الوطن وخارجه. منهم مَن تذكّر اسم طائفته، فعاد واحتمى بدفئها. منهم مَن بدّل البندقيَّة ونقلها من كتفٍ إلى كتف، نادماً على “ضياع العمر”. منهم مَن انكبّ على الدراسة أو العمل ملتحقاً بالحياة العاديَّة، ككلّ الناس. منهم مَن انهار كليّاً، وأصبح ناقماً على كلّ شيء. منهم مَن لا يزال ينتظر عودة قطار “جمّول”

السؤال البديهي، الذي قد يستخفّ به البعض، لكنّ المنطق يجيزه هو الآتي: لماذا لم تتوحّد البنادق اللبنانيَّة لقتال إسرائيل (البنادق التي تقاتل إسرائيل أساساً)؟ ولماذا لم تتوحّد الجهود؟

لأنّ طبيعة النظام الطائفي في لبنان، تعيق بل تمنع أيّ محاولة لبلورة وتقوية قوى غير طائفيَّة. هو الرعب من تعبيد الطريق، أمام أيّ مشروعٍ وطني مدني لاطائفي. ممنوعٌ أن يرى النور، مطلق مشروع جامع وعابر للمناطق والمجتمعات والعقول والقلوب اللبنانيَّة! والنظام الطائفي استولد “الديموقراطيَّة الطائفيَّة” في لبنان. ديموقراطيَّة تعزّز صعود وهبوط طوائف، كلّ واحدةٍ بدورها. من هنا، يصبح بروز سلاحٍ مقاوم ضمن الطوائف، متاحاً ومباحاً ومبرّراً بانتظار لحظة الانقضاض عليه. سلاح الطائفة (أمس ماروني. اليوم شيعي، وغداً سنّي ربّما..) فعّال وقابل للتوظيف، في كلّ زمان ومكان. هو سيفٌ ذو حدّين، يبتر كيفما تقلّب. فإذا نجح، سينجح لفترة، لأنّ الخاسرين من الطوائف الأخرى سينتفضون ضدّه، بلا ريب. وإذا خسر، فننقله إلى الكتف الأخرى. إلى طائفةٍ أخرى. وهكذا دواليك. هكذا يؤبِّد هذا النظام وأسياده النار تحت الرماد. لماذا انهارت “جمول”؟

ممّا تقدّم، تُفهم بعض الأسباب التي أدّت إلى هذا الانهيار. لكنّ هناك أسباباً أخرى، تخصّ الجبهة نفسها، أو بالأحرى تتعلّق بالقوى السياسيَّة التي أطلقتها. فلقد طاول هذه القوى وَهَنٌ ما بعده وَهَن، على جميع الصعد. إذْ وصل الأمر لدى بعض القوى، إلى حدّ عدم القدرة على تطبيب الجرحى العائدين من عمليات المواجهة!

تشتّت “الجمّوليّون” في هذا الوطن وخارجه. منهم مَن تذكّر اسم طائفته، فعاد واحتمى بدفئها. منهم مَن بدّل البندقيَّة ونقلها من كتفٍ إلى كتف، نادماً على “ضياع العمر”. منهم مَن انكبّ على الدراسة أو العمل ملتحقاً بالحياة العاديَّة، ككلّ الناس. منهم مَن انهار كليّاً، وأصبح ناقماً على كلّ شيء. منهم مَن لا يزال ينتظر عودة قطار “جمّول” إلى المحطة. ومنهم أخيراً، مَن والى حزب الله لأنّه “المقاومة”. وماذا عن هذه “المقاومة”؟ كيف هي؟ طمئنونا عنها! المقاومة ليست بخير. ولو كانت بخير، لكان لبنان بخير. الأسباب يطول شرحها، ولا تتّسع له لا السطور ولا الصدور. إنّما، يمكن التدليل إلى الأسباب بمنطق المعادلات، أيضاً. فبعد نحو أربعين عاماً من المقاومة على الأرض اللبنانيَّة المحتلّة، باتت المعادلة في لبنان كالآتي: مقاومة = سلاح غير شرعي. عجباً! كيف تقضي المقاومة على المقاومة؟ هذا ما يُدمي القلوب. إذن، إقتضى الكثير من مراجعة النفس و..الحسابات لدى مَن يعنيهم الأمر.

*أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

المصدر: 180 درجة