الإثنين، أيار 16، 2022

ماذا يجري في الهندوراس بعد فوز اليسار فيها؟

  محمد المحجوب
عربي دولي
بعد قرابة الأسبوع من الانتخابات العامة لم يُحسم المشهد السياسي في الهندوراس، الوطن المثقل بالفقر والعنف والفساد، والمتأزم جراء استفحال مجموعة مشاكل قديمة-جديدة زاد في حدّتها جائحة وباء كورونا، وسط جو مشحون وملتهب بين طبقة سياسية تقليدية تداولت على السلطة الى جانب الثروة والشهرة بالوراثة في أغلب الحالات في بلدٍ هو الأعلى أرقامًا في احصائيات عنف الشوارع والفساد الحكومي ولا مساواة المداخيل والأجور في اميركا الوسطى..

جرى الاقتراع في البلد ذي الخسمة ملايين ناخب، بين آلاف المرشحين المتنافسين على منصب الرئاسة، و 128 مقعدًا نيابيًا، و 300 بلدية و2000 مجلس محلي.

بدا كل شي جاهزًا؛ اللجان القانونية والقضائية والدستورية، والحزبية والأمنية والدبلوماسية، والاقليمية والدولية والاممية، كلهم كانوا شهودًا في يوم "العرس الديمقراطي" الذي بدأ صباح الاحد بفتور وترقب حذر؛ فتاريخ الانتخابات في هندوراس ليس بالصفحة المشرقة، اضافة الى الاستقطاب الداخلي القوي المتزايد مع صعود جيل جديد من الناخبين والمرشحين على حدٍ سواء، في هذه الظروف، وبوعود من الجهات المسؤولة والمراقبة وحتى الاحزاب بإجراء انتخابات مشرّفة تكون نموذجًا للمنطقة، وبآلات وآليات حديثة للعدّ والفرز والتدقيق والفحص، ورقابة كثيفة وتغطية اعلامية لصيقة بدأ السباق نحو الحكم، في اليوم الاول فقط تم احتساب نصف الاصوات، وكانت النتائج الأولية متقاربة، إلا أنه لم يمض وجه النهار حتى أعلن أوفر المتنافسين حظًا (الحزب الوطني والحزب الحر) فوزهما تواليًا بالانتخابات، ترافق ذلك مع التدخل خلف الحدود إذ أن رئيس السلفادور الجارة اللدودة، الليبرالي الاربعيني نجيب بوكيله، وردًا على دعوة غريمه التقليدي (حزب التحالف الجمهوري الوطني أرينا) يميني التوجه، ناخبي هندوراس للحفاظ على الديموقراطية وانقاذ البلد من "الشيوعية الزاحفة"والتصويت للحزب الوطني، غرد بأنه لا يؤيد الحزب الحر كثيرًا، ولا يريد التدخل في شؤون الغير، لكنه سيسير عكس توجه غريمه أرينا بدعم خصم الحزب الوطني في هندوراس، لاحقًا ستشكره المعارضة الهندوراسية على هذا الموقف، كذلك رحبت نيكاراغوا الساندينية بهندوراس جديدة يحكمها اليسار بعيدًا عن فلك الولايات المتحدة الاميركية، فيما التزمت غواتيمالا الصمت رسميًا بسبب ازماتها الداخلية.

في نفس يوم الانتخابات، بدأت النتائج تصل تباعًا فيما يتعلق بمقاعد عمداء البلديات ومجالس الحي والرئاسة، ومالت الكفه بوضوح ناحية تحالف المعارضة الذي يعد الأبرز في التاريخ السياسي المعاصر للبلاد، فوز عززه سقوط الحزب الوطني في معاقله المهمة، العاصمة، وسان بيدرو سولا المدينة الثانية، وبويرتوليمبيرا، اضافة للاقبال على التصويت الذي ارتفع بعد ورود أولى الأنباء عن سقوط مرشح اليمين للرئاسة نصري عصفورة، الذي لم يحصل بنهاية اليوم سوى على ربع الاصوات، بينما حصدت زيمارا كاسترو اكثر من 55 بالمائة، في خلال تلك الساعات وردت أنباء عن هروب رموز الدولة خارج البلاد، بمن فيهم الرئيس المنتهية ولايته بحجة العلاج، وما ان انتهى اليوم حتى بات الأمر محسومًا، لتسارع حكومات اقليمية محسوبة على اليسار بالترحيب بالنتائج، باستثناء منظمة الدول الاميركية (أوويا) التي آثرت التزام الصمت والاكتفاء بالدعوة لتعزيز المسار الديموقراطي.

بدا المشهد في اول كانون الجاري وكأنه هزيمه صامته سلميه ديموقراطية وضعت حدًا لعقد ونيّف من حكم الحزب الوطني (يميني) المتشابك اقتصاديًا مع المافيات الحاكمة للمدن الفقيرة والمرتبط عضويًا بالمؤسستين الكنسية والأمنية، والمتموضع فكريًا مع رأس المال الوطني الفاسد في الدولة التي منحت لقب جمهورية الموز قبل قرن وأزيد، في صورة ثابتة لم تتغير في جمهوريات الحديقة الخلفية لواشنطن، المحكومة بمبادئ السياسة الخارجية الاميركية من مونرو ورووزفيلت وايزنهاور واخيرًا بوش، زعامة مترسخة في جذورها بانشاء الحزبين المهيمنين على السياسة في هندوراس: الوطني والليبرالي، في ثنائية استقطابية عمرها قرن من الزمن، تميل فيها الارقام والتواريخ لسيطرة متتالية للحزب الأزرق اللون، المنادي بحرية السوق لخدمة المؤسسسة العسكرية والاستثمارات الاميركية، والمحافظ اجتماعيًا وفق مقررات الفاتيكان ضد عقائد لاهوت التحرير والليبرالية، والمتبني لسياسة الانخراط بشكل كامل مع الولايات المتحدة الاميركية، بما في ذلك دعم الدول التابعة لها، كاسرائيل، وتايوان، ومالاوي وكوسوفو. بهذا البرنامج الضعيف سياسيًا – نظريًا على الأقل- في البلد المضطرب سياسيًا، لكن الواقع له كلمة أخرى، فالحزب يملك مفاتيح السلطة بما يجعل من كيان ما دولة أو شبه دولة، فهو عمليًا دولة داخل الدولة، بشبكة علاقات وتحالفات مع مراكز القوى، وبالتأكيد مع السفارة الاميركية في تيغوشغالبا –العاصمة الحبيسة الواقعة تحت سيطرة المافيات المسلحة - التي تعطي التغطية الدبلوماسية لحكام هندوراس المرضى عنهم من شرطي الكوكب.

تسارعت الأمور بشكل درامي، بعد اعتراف الحزب الوطني بالهزيمة السياسية وقبوله بالواقع، بل وهروب دراماتيكي لكبار محازبيه الى دول الجوار أو ميامي المنفى الدافئ للمعارضات اليمينية اللاتينية، واستقالات بالجملة، وخسارته لمعاقل سيطرته في العاصمة وريفها، تلى ذلك الاحتفال المحلي والاقليمي بالنتيجة من طيف المعارضة الداخلية، فتوّج، ذلك اليوم، باعتراف سفارة الولايات المتحدة بالنتائج، بعدما كانت دعت قبل الاقتراع بيوم لاحترام النتائج مهما كانت، في سيناريو فسره مراقبون بأنه رسالة لشركائها في الداخل ببشائر هزيمة نكراء انتخابية تلوح في الأفق. كل هذه التطورات تتعرض لانتكاسة جراء عدة مؤشرات مريبة؛ ففيما ثبتت نسبة الاصوات التي حصلت عليها الرئيسة المنتخبة زيمارا كاسترو على 50 بالمائة مقابل قرابة 35 بالمائة حصل عليها نصري عصفورة مرشح السلطة، لا زالت تتسرب اخبار عن خروقات تجري في نتائج الانتخابات التشريعية المقامة في الاساس بموجب قانون مثير للريبة فصله الحزب الحاكم على مقاس سيطرته بعد أن ملأ مفوضية الانتخابات بالمحسوبين عليه أو زبائنه السياسيين، فيما حافظ مرشحو المعارضة على اكتساح النتائج وتثبيت انتصارهم في مقاعد العاصمة تيغوشغالبا والمعقل التقليدي للممعارضة لليمين مدينة سان بيدرو سولا في الشمال الغربي، بينما بدأت النتائج تتضارب من مدن ليمبيرا وبارريوس ومناطق الريف الشرقي المطل على ساحل الاطلسي، وهي مناطق ذات طبيعة ريفية بكثافة سكانية قليلة، كانت قد شهدت في آخر انتخابات عام 2017 ما يشبه الانتقام الجماعي لتصويتها لمرشحي المعارضة وذلك باطلاق ميليشيات مسلحة من عصابات المافيا في القرى، أمر يخشى مراقبون من تكراره هذه المره، برغم الوعود والتطمينات من مراقبي الانتخابات المحليين والدوليين والسلك القضائي بضمان نزاهة وسلامة العملية الانتخابية، لكنه قابل للحدوث نظرًا لسيطرة الحزب الوطني على تلك العصابات، وإن شعورهم بفقدان السطوة يدق ناقوس الخطر ويدفعهم للتحرك قبل ان تتم التضحية بهم سياسيًا، بعد أن أصبحت بعضها(العصابات) عبئًا على اليمين في هندوراس.

يضاف لكل هذا صمت المؤسسة العسكرية، صاحبة السمعة الأسوأ من بين مؤسسات الدولة؛ فهي المتورطة في انقلابات دموية ممولة من واشنطن وزجت البلاد في حروب بالوكالة مع الجارتين سالفادور ونيكاراغوا، ومتحالفة تقليديًا مع المؤسسة العسكرية اليمينيّة في غواتيمالا، ولا يخفي كبار قادتها امتعاضهم من صعود اليسار في البلد المحكوم لقرون بحكم اليمين العائلي الاقطاعي، وما أبعد من ذلك تشاؤمهم من مرشح هذه الانتخابات نصري عصفورة قليل الجاذبية السياسية والمدني العجوز القادم من عالم المال والاعمال والاعلام، وبرغم اختياره شخصيًا لخوض سباق الرئاسة من الرئيس المنتهية ولايته خوان اورلاندو هيرنانديز المحسوب على العسكرييين في الحزب الوطني، إلا ان هذا الاختيار لم يلق استحسانًا في القيادة العسكرية، ذات النفوذ الواسع في القضاء والاعلام، فهي التي نفذت انقلاب في صيف عام 2009 انهى ولاية الرئيس الاسبق مانويل زيلايا الذي سيصبح في كانون القادم السيد الاول في البلد، بعد فوز قرينته المثير في انتخابات الرئاسة، انتخابات تسير حتى الآن لناحية رئاسة أول سيدة يسارية مدنية للبلد، وبرلمان منقسم تحت الاستقطاب سيهدد مشاريع المحامية الستينية الطموحة لبناء نموذج مختلف عن جمهورية الموز التي لا زالت تشيخ، ومؤسسة عسكرية تكن العداء لزوجها وحزبها، وآلة اعلامية متحيزة مدفوعة الأجر، وارستقراطية تحتضر في المدينة والريف جراء تغير مجتمعي يقوده الشباب، ومؤسسة كنسية منقسمة على ذاتها، ومافيا البترودولار وتجار البشر، وسفارة حاكمة بأمرها، وحسابات اقليمية بين جارات أربع تتداخل في التاريخ والحاضر والمستقبل.

في هذا الوقت بدأت الأمور تتعقد بعد ورود أنباء عن سحب بعض الصناديق وكسر أقفال أخرى وترك صناديق في بعض اللجان واشكالات واشتباكات بين محازبين ومافيات، وقطع عمدي للتيار الكهربائي نتج عنه بعض الحوادث في فرز الأصوات، وحالات تزوير في بطاقات الانتخاب، وانسحاب لبعض المراقبيين من لجان ومخالفات في مقرات انتخابية لجهة النظام والخصوصية وسرية الاقتراع والعد واغلاق الصناديق وتوقيت الفتح والاقفال.

الحسابات الاقليمية تربك المعادلة:

بلا شك، تلعب المعطيات الإقليمية، دورًا في العملية الانتخابية، فالتصريحات على اختلاف لهجاتها من دول الجوار تؤكد حقيقة تاريخية ثابتة: لا استقرار في اميركا الوسطى من دون توافق مكسيكي-كولومبي، البلدان العملاقان اقتصاديًا وعسكريًا واللاعبان الأبرز في برزخ اميركا، والمتناقضان في كل الزوايا؛ فبينما ستدعم المكسيك مسار الانتخابات الحالي، لترى حكامًا يساريين للهندوراس، فإن كولومبيا ستكون في مقدمة أي مظهر من مظاهر النكوث بالمسار الانتخابي أو حتى تنفيذ انقلاب عسكري، كجزء من تمحور مجموعتي "ليما" و "بويبلا" اللتين تضمان دولاً متقاربة من حيث طبيعتها ولكنها ذات توجهات متباينة، سيناريو تكرر في العقد المنصرم مع موجة صعود اليمين المتطرف غير العائلي الذي بدأ نجمه بوباء ايبولا، وبدأ يأفل الآن مع وباء كورونا، في متلازمة وبائيات سياسية.

المستقبل القريب مليء بسيناريوهات متعددة، لا شيء يبدو كما هو عليه، وفي خضم الاحتباس السياسي المتصاعد في العالم، فإن أي تهور سياسي غير محسوب العواقب في نهاية العام المليء بالأزمات والاحتجاجات، قد يشعل حريقًا ضخمًا، لن يلتهم اميركا الوسطى فحسب، بل سيمتد شمالاً وجنوبًا، وربما، في أسوأ الظروف، الى ما هو أبعد!

محمد المحجوب /كاتب سوداني

# موسومة تحت : :