الخميس، كانون(۲)/يناير 28، 2021

راهنيّة البديل الاشتراكي في مدوّنة حزب العمّال

  مرتضى العبيدي - صوت الشعب
عربي دولي
خلال السنوات القليلة الماضية، تكرّرت المناسبات التي كثر الحديث فيها حول مآل الفكر الاشتراكي وراهنيّته، إذ شهدت سنة 1998 جدلا واسعا حول راهنيّة “البيان الشيوعي” بمناسبة مرور 150 سنة على صدوره. وقد أعيدت طباعته بالمناسبة بجميع لغات العالم وبمقدّمات جديدة كتبها كبار الفلاسفة والمفكرين لتبيان راهنيّة ما احتواه من أفكار ومن بدائل، لعلّ من أبرزها مقدمة يانيس فاروفاكيس، عالم الاقتصاد ووزير المالية في حكومة سيريزا باليونان. وتتالت المناسبات: فهذه الذكرى 150 لصدور كتاب “الرأسمال” لكارل ماركس (2017)، وهذه مائوية ثورة أكتوبر العظمى (2017) تلتها الذكرى المائوية الثانية لميلاد ماركس (1818) وانجلس (1820)، شكلت جميعها مناسبات فرضت على أنصار الفكر الاشتراكي كما على مناهضيه التداول بعمق في هذا الفكر، لا كمنظومة فكرية مجردة بل وكذلك في مختلف تطبيقاتها في بلدان عديدة شمل تعداد سكانها نصف البشرية.

كما أنه في كل مرّة تحتدّ فيها أزمة النظام الرأسمالي، وهو ما يحصل بصفة دورية وبنسق أكثر تسارع، وكلما تعلق الأمر خاصة بالبحث عن البديل للنظام الرأسمالي الامبريالي المهيمن على مصائر البشرية، إلّا وطرح بحدّة البديل الاشتراكي الذي لم يفقد بريقه رغم عديد الهزائم والانتكاسات التي عرفتها الحركة العمّالية الثورية وتعبيرتها السياسية الأرقى، الحركة الشيوعية. ولعل آخر هذه النقاشات ما شهدته هذا العام مختلف بلدان العالم التي وحّدت بينها جائحة كورونا. وقد حظيت باهتمام فكري كبير انخرط فيه طيف واسع من كبار المفكرين والفلاسفة الذين، وإن خلصوا إلى أنّ عالم ما بعد كورونا لن يكون كالذي سبقه، إلاّ أنهم لم يتوحّدوا على توصيف هذا العالم المنتظر. لكن وجبت الملاحظة أنّ البديل الاشتراكي المنشود وجد له أنصارا ومدافعين كُثر لا يرون في سواه خلاصا للبشرية. وهو ما عبّرت عنه كذلك الأحزاب والتنظيمات الثورية عبر العالم وخاصة منها الماركسية اللينينية.



وبخصوص حزب العمال، فإنّ راهنيّة البديل الاشتراكي والنضال من أجل تحقيقه شكّل عنصرا مهمّا لا فقط في هويته الفكرية والإيديولوجية بل في نضاله العملي، إذ هو محور قارّ في برامج التربية والتكوين لمناضليه وكوادره، وخاصة في أدبه الخاص بالدعاية والتحريض والموجّه لجمهور أوسع. فلا يكاد يخلو عدد من نشرياته المتعدّدة الأهداف والمشارب، مهما كان الجمهور المستهدف، إلاّ وكانت الدعاية للاشتراكية حاضرة بقوة، وهو ما يجعل من الصعب انتقاء نصوص بعينها لبسط وجهة نظر الحزب في الموضوع. لذلك فإنّ الاختيار ليس له سوى قيمة إجرائية لتسهيل بسط الموضوع لا أكثر. وقد انصبّ اختيارنا على بعض النصوص التي كُتبت في ظروف مختلفة ولأهداف مختلفة. أوّلها الكراس الذي نشره الرفيق حمّة الهمامي سنة 1991 تحت عنوان”الاشتراكية أو البربرية: نظام عالمي جديد أم بربرية جديدة”، في ظرف كانت الحركة العمالية في أسوأ أحوالها بعد انهيار جدار برلين وتفكّك المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي وبداية استفراد الولايات المتحدة الأمريكية بمقدّرات العالم. فرأى حزب العمال المؤسّس حديثا أنّ من واجبه المساهمة في الدفاع عن الاشتراكية ورفع رايتها، وترك باب الأمل مفتوحا أمام عمّال العالم وشعوبه المضطهدة وحثهم على التمسك ببديلهم الطبقي ألا وهو الاشتراكية، مذكّرا بأنّ “حركة الشغيلة والشعوب التحررية لم تركع، رغم كل المصاعب التي تعترضها ورغم الانتصارات الظرفية للقوى الامبريالية والرجعية، بل إنها تواصل المقاومة، وهنالك العديد من المؤشرات التي تدلّ على أنها مقدمة على مرحلة نهوض جديدة قادرة على أن تجعلها تتحول مع الوقت من موقع دفاعي إلى موقع هجومي مثلما كان الحال في بدايات هذا القرن أو بعد الحرب العالمية الثانية خاصة إذا عرف الثوريون كيف يحوّلون هذه الحركة إلى حركة عامة ضد الرأسمالية، في منطلقاتها الفكرية والسياسية وفي برامج عملها وأهدافها”



وفي خضمّ الحملة الشرسة على الفكر الاشتراكي التي سخّرت لها بورجوازيات العالم الأموال الطائلة والمؤسسات المختصة (مراكز أبحاث، وسائل دعاية جهنمية) في تمجيد الرأسمالية وتقديمها كآخر وأرقى ما وصلت إليه البشرية من نظم، ساهم حزب العمال من موقعه في دحض عديد المقولات مثل “نهاية التاريخ” و”نهاية الإيديولوجيا” و”نهاية البروليتاريا” التي نجدها في عديد نصوصه الصادرة، منها هذا النص الصادر سنة 2004 تحت عنوان “ضد الرأسمالية، دفاعا عن الاشتراكية، نقرأ فيه: “إن الاشتراكية هي البديل التاريخي النوعي لقضية التملك الخاص لوسائل الإنتاج نحو التملك الجماعي من طرف عموم المضطهدين لوسائل الإنتاج. وقد قدمت التجربة الاشتراكية في عهدي لينين وستالين وتجربة الديمقراطيات الشعبية الدليل القاطع على تفوّق الاشتراكية في حلها لكل قضايا المجتمع. ولم تتحول هذه الدول إلى بيروقراطيات إلاّ بانحرافها وتخلّيها عن الاشتراكية الحقيقية، فالاشتراكية لا تنتج البيروقراطية بل تنتج التملك الجماعي لوسائل الإنتاج والثروة”. بل وأشار كذلك وبوضوح إلى محورية الدول التابعة والفقيرة في السيرورة الثورية المقبلة حتى يتحمّل الشيوعيون في هذه البلدان مسؤوليتهم التاريخية إزاء الطبقة العاملة والطبقات الحليفة وإزاء أوطانهم وأممهم المضطهدة للوقوف في وجه الامبريالية وعملائها:



“إن مستقبل الثورة العالمية مرهون إلى حدّ كبير بمستقبل الثورة في الدول الفقيرة. فهذه الدول بحكم موقعها في خارطة الاستثمار العالمي وبحكم حجم الاضطهاد الذي تتعرض له شعوبها وبحكم نصيبها من الأزمات الهيكلية والدورية لرأس المال العالمي، مؤهلة أكثر للانتفاض والثورة ضد عدوّها الوطني والطبقي. فكما تحدّث لينين في بداية القرن 20 عن إمكانية الثورة في الحلقة الأضعف من سلسلة الامبريالية، فنحن نرى صلاحية هذه النظرية حتى الآن، وهو أمر أكّدته مجمل الثورات الاشتراكية والتحررية التي اندلعت طيلة القرن 20 والتي لم تشمل قط الدول الرأسمالية الكلاسيكية، بل شملت الأقطار الأضعف والدول التابعة. إنّ نظرية الثورة في عصر الامبريالية كما صاغها لينين في حاجة إلى تحيين حتى تتحول إلى دليل للطبقة العاملة وعموم المضطهدين في العالم”.

وما ذكرناه هنا ليس إلاّ غيضا من فيض إذ تتالت المواقف المماثلة في عديد الوثائق التي نشرها الحزب في هذه المناسبة أو تلك والتي فرضت ظروف القمع عدم تداولها على شكل واسع، بحكم النشاط السرّي للحزب والتي حان الوقت لإعادة نشرها لرفع الضبابية عن مواقف الحزب ليس في هذه القضية فحسب بل في مجمل القضايا التي تهمّ خطه الفكري والسياسي وحتى التنظيمي.