السبت، تشرين(۱)/أكتوير 23، 2021

16 أيلول: المسار الذي لم ينته بعد...

  د. حسن خليل
رأي
فلننتظم في المواجهة اليوم، كل من موقعه، ولنجعل من الالتزام بقضايا الناس والدفاع عنها المعيار الذي يجمع الجميع ويستوعب الكل بعيداً عن الأنانية والاستئثار ورفضاً لأي تدخل أو مصادرة من أية جهة أتت، علّنا بذلك نكمل المسار الذي لم ينته بعد ولن ينتهي...

هي "جمول"، تلك الحكاية التي لم تنته ولن تنتهي... مسيرة خطّها رجال ونساء، آمنوا بصوابية الوجهة وصدقية المعركة، فاتجهوا صوب الأساس: عدو صهيوني دخيل على أرض اغتصبها عنوة من أهلها، مظللاً بمشروع بدأت بواكيره الإجرامية تتبلور مع وعدٍ مشؤوم واكتمل مع مشروع التقسيم، الذي أنجزته إمبرياليات غربية، بدأت تغيب عن بعضها الشمس، وأخرى بدت وافدة إلى المنطقة. لقد كانت الاتجاهات واضحة والمسارات أيضاً؛ فالاحتلال ومقاومته، هما خطان متناقضان حدّ الاشتباك. لقد وعت شعوب المنطقة خطر الاحتلال وعملت على مواجهته. أمّا النظم السياسية، التي رُكّبت على تقسيمات سايكس بيكو ومن بوابة الانتداب، فكانت مساراتها غير متطابقة مع ضرورات تلك المواجهة؛ لم تبنَ دولها القادرة على القيام بواجباتها المتعددة، بل بقيت أسيرة من أوجدها، خاضعة، تقوم بأدوارها المطلوبة منها. لقد وقعت الشعوب في فخ الشعارات الفارغة من المضمون التي كانت تُطلقها تلك الأنظمة، فالتبست عليها المواجهة واختلطت، ما أجبرها على خوض استحقاقي الداخل والخارج في الوقت نفسه. فالنظم السياسية القائمة، كانت ذلك الباب المشرّع، الذي دخلت من خلاله كل جحافل الغرب وصبيانه، وفي وضح النهار، فيما كان العدو، المتمركز في وسط المنطقة كموقع متقدم لمشاريع غربية متعددة، يعربد ويهجّر ويقتل ويحتل. وعليه أصبحت المقاومة فعلاً واجباً ومطلوباً لكف خطره ولتحرير الأرض والإنسان.

هي تلك الجلجلة التي مشتها بلداننا العربية ولبنان منها، والذي ابتلي بنظام سياسي مركّب على مصالح المذاهب ووظائفها وأدوارها، وفي خدمة مشروع أكبر يشمل المنطقة كلها. لقد كان نظامه السياسي التابع، يرتكز على منطق "القوة في ضعفه"، وفق ما كانت تكرره نخبه السياسية الحاكمة، وعلى اقتصاد ريعي مرتهن وعاجز وغير قادر على الإنتاج، ومحاصّة داخلية قائمة على توازنات مذهبية. ثلاثية، شكّلت الركيزة التي قامت عليها الحياة السياسية في ذلك الوليد منذ مئة عام. لم تنجح منظومته السياسية في أي استحقاق؛ فالاعوجاج التأسيسي في تركيبته هو من أجهض إمكانية البناء الصحيح، مكتفيةً برمال الطوائف المتحركة وبالعمل على تأمين مصالحها، كنمط من حكم، لا إمكانية معه لنمو طبيعي، بل كان دائم الحاجة إلى "المقويات" الخارجية والتي تعددت مصادرها وتنوعت، وليصبح بذلك اتحاد فدراليات متناقضة حدّ الاقتتال. هو لبنان، البلد الواقع على حدود القضية القومية والمتاخم لها، والتي كانت أرضه جزءاً من مشاريع التوسّع الصهيونية ومطمعاً لها، في حين كانت سلطة نظامه تقع، بنتيجة الانفصام في التركيبة والوظيفة والأدوار المطلوبة، بإشكالية أنتاج البنيان، والذي جاء مهتزّاً وغير قادر على المبادرة، ما أضعف المناعة الوطنية في مواجهة تحديات الخارج والداخل معاً؛ اعتداءات صهيونية على القرى الأمامية مترافقة مع حرمان مستدام من أبسط شروط الحياة، ما أدّى إلى نمو حالات "ثورية" وجّهت غضبها باتجاهين: الأول، نحو رفض الحرمان والنقمة على النظام، والثاني، باتجاه حمل السلاح والدفاع عن الأرض ومنع الاعتداءات الصهيونية عليها وانتصاراً لفلسطين وثورتها.

من هنا نضج ذلك الوعي الثوري المتحرر، من سجن الطوائف وولاءاتها وضعفها، ليكسر منطق "القوة في الضعف" إلى آخر هو "منطق القوة في المواجهة المباشرة"، وليُطلق مسار أسس لقيام مقاومة وطنية لبنانية ببعد تحرري، تنتصر لقضايا التحرر، وتنحاز لدعم فقراء لبنان وتعمل على تحسين أوضاعهم ورفع مستواهم الاجتماعي، من خلال المبادرات الأهلية والسياسية والاجتماعية، مجسدةً بذلك منطق التحرير والتغيير كمسار واحد ولكن بمهام متعددة. وعلى تلك الأرضية، كان ضرورياً أن تصبح مقاومة الاحتلال الصهيوني مدخلاً جدياً لتغيير بنية النظام السياسي ووظيفته، والذي استجلب القريب والبعيد، وارتكب ونكّل وقتل وجوّع وحرّض... غير آبه إلّا بمصالح أربابه، من زعماء الطوائف وحيتان المال المتحالفين معه حدّ الاندماج. هو الواقع نفسه الذي أجهض لاحقاً الانتصارات المحققة على العدو، من تحرير بيروت والجبل وصيدا وصور والنبطية وباقي الشريط المتاخم لفلسطين المحتلة، وهو الذي أجهض أيضاً صمود تموز الكبير، والذي عبّر عن وحدة معركة جدّية في وجه عدو لم يتعلم من دروس فراره من لبنان عام 2000 تحت جنح الظلام. وبالنتيجة، فإن هذا الواقع أجهض قيام حياة سياسية طبيعية في لبنان، وجعلها مدخلاً للارتزاق ولبناء الولاءات، وهو الذي قضى على أي مبادرات إصلاحية، على ندرتها، محولاً السلطة إلى مكان للتحاصص والفرز والتوتير والتدخل والتعطيل. وهو الذي يقف اليوم متكافلاً متضامناً، بالرغم من تناقضاته الكبيرة، ليمنع أي مسّ بتركيبة النظام السياسي وبنيته، ومدافعاً أيضاً عن النظام الاقتصادي الذي أودى بأكثرية الشعب اللبناني إلى هاوية الجوع والفقر المدقع وطوابير الذل والموت على الطرقات وعلى أبواب المستشفيات. وهو الذي، لن يتوانى عن استجلاب التوتير الأهلي، حتى ولو وصل إلى مرحلة سفك الدماء، وهذا ما جرى ويجري في غير منطقة لبنانية، بين فقراء وفقراء، بين جوعى وجوعى، بين متضررين ومتضررين.

هو، هذا النظام السياسي القائم، صاحب الأبواب المشّرعة والمفتوحة على استجداء أيّاً يكن في سبيل تغليب فئة على أخرى في لعبة مكشوفة وواضحة المعالم؛ نظام لا يتورع بعض أصحابه عن استدعاء التدخل الخارجي والحصار وحتى الاحتلال إذا لزم الأمر. ومع ذلك يختلفون على المحاصّة ويجتمعون على "الشراكة الداخلية" كمكونات مذهبية تؤازر بعضها بعضاً. هذا الانفصام المعيش هو التركيبة السحرية التي تمد هذا النظام بأكسير الحياة المستدامة، والذي يعطّل ويقسم ويفرّق... ولكن في النهاية تنتصر "الشراكة" بين مكوناته، فيستوون على صراط قويم. هذا البلاء، الذي ألمّ بهذا البلد، لم يكن وباءً جاء مصادفة، بل هي وصفة خبيثة وضعها من تنبأ بمستقبل هذه المنطقة، الواقعة بين وسط آسيا والمحيط الأطلسي بموقعها الاستراتيجي وبما تختزنه من إمكانات وخيرات، فوضع تلك النظم المشتبه فيها كي تقوم بالأدوار المطلوبة منها على أفضل وجه، وهذا الذي جرى ويجري اليوم وعلى امتداد كل ساحاتنا العربية.

إن لبنان، الواقع اليوم على حافة الارتطام الكبير بنتيجة السقوط المدوي، الذي سببته ممارسات سلطوية أقل ما يقال فيها إنها مافياوية، قد استبدت به منظومة حكم متوارث أوصلت شعبه إلى القعر فبات معها يستجدي لقمة العيش وحبة الدواء، فيما اصحاب "المعالي" يتقاتلون على ما تبقى من جلد الدب المقتول منذ حين. هو ذلك المسار الانحداري بقيّمه وأخلاقه وممارساته وبناه وهياكله، المستعصي على الإصلاح الذي، لن يُبقي للبلد قائمة تقوم. فإلى شعبنا اللبناني نقول: فكما لبيتم نداء 16 أيلول للدفاع عن لبنان في وجه الإرهاب الصهيوني تنظيماً للمقاومة الوطنية، أنتم مدعوون اليوم، إلى جانب كل القوى، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والشبابية، على امتداد ساحات الوطن، وفي كل القطاعات، إلى التصدي لهذا المسار الانتحاري، الذي تمارسه منظومة سياسية مرتكزة على نظامها وآليات حكمها، ومدعومة من سلطتي الطوائف ورأس المال، ومن خارج يمدّها بكل ما تطلب لضمان استمرار ديمومتها. هو استحقاق بمجالات عديدة؛ فلنستعد، الشارع من التوتير والمتاريس الطائفية، وقضايا الناس من سلطة المهزلة التي تملأ الشاشات، والنقابات والروابط والقطاعات المسيطر عليها والمصادرة من أزلام السلطة والمنتفعين، والكرامة الإنسانية المسفوكة على طوابير الذل أمام المحطات والأفران والمستشفيات... لنسترد نبض الشارع، الذي انتصر للمقاومة والتغيير، ولتكن كل ساحات لبنان وقراه ومدنه مكاناً لإطلاق حالة اعتراض تطرح بديلاً نقيضاً للسائد ومنحازاً إلى أكثرية شعبية مسحوقة اليوم. هو مسار صعب وشائك في ظل مافيات تسود وتحكم وتتحكم، لكن لا بدّ من خوضه: فلننتظم في المواجهة اليوم، كل من موقعه، ولنجعل من الالتزام بقضايا الناس والدفاع عنها المعيار الذي يجمع الجميع ويستوعب الكل بعيداً عن الأنانية والاستئثار ورفضاً لأي تدخل أو مصادرة من أية جهة أتت، علّنا بذلك نكمل المسار الذي لم ينته بعد ولن ينتهي...