الأميركي القذر ماذا يهيئ للمنطقة؟*

  خليل الدبس
رأي
الغارة الإسرائيلية على بيروت فجرت العديد من القضايا وأثارت مضاعفات ليس من السهل حصرها، داخلياً وعربياً وعالمياً. وقد يكون من أخطر ما أثارته هذه الغارة الإجرامية هو الأضواء التي سلطتها على سياسة أميركا في المنطقة ومخططاتها القريبة والبعيدة إزاء قضايا الشرق الأوسط. والتواطؤ الأميركي مع إسرائيل، بل اشتراكها المباشر في هذه الغارة كان فاضحاً لدرجة أنه أضحى واضحاً جداً ان هذه الغارة الإسرائيلية – الأميركية على لبنان إنما هي جزء من مخطط أميركي واسع النطاق ستعقبه أعمال أخرى لا بدّ من محاولة تحديدها منذ الآن على ضوء عدد من المعطيات المتوفرة حالياً، قسم منها برز إلى السطح قبل الغارة، وقسم آخر توفر بعد الغارة.


ماذا وراء الحملة الأميركية المركزة حول مصادر الطاقة؟
فمنذ عدة أشهر تشهد أميركا حملة إعلامية واسعة النطاق الهدف منها إظهار الأخطار الكبرى التي تهدد الولايات المتحدة لجهة مصادر الطاقة. وفي الفترة الأخيرة اخذت هذه الحملة تركز على ان أميركا ستكون في السنوات العشر القادمة تحت رحمة "البلدان المنتجة للطاقة". وشاركت في هذه الحملة صحف عالمية عديدة في فرنسا وانكلترا وألمانيا الغربية. وقدمت في هذا المجال أرقام مذهلة منها على سبيل المثال:
• إن العجز التجاري "للطاقة" في الولايات المتحدة سيتجاوز 17 مليار دولار سنة 1980، حين بلغت مواد الطاقة المستوردة 2.5 مليار دولار. وقد يصل العجز إلى 23 مليار دولار عام 1985.
• دراسة لمصرف "مانهاتن" الأميركي تؤكد على أن صناعة النفط في العالم غير الشيوعي تجمع حوالي ألف مليار دولار إذا أرادت أن تواجه الطلب المنتظر على النفط حتى عام 1985.
• جيمس فوغلي، مساعد وزير الطاقة الأميركي يقول أن الولايات المتحدة قد تستورد 12 مليون برميل نفط يومياً في أواسط السبعينيات. وتتوقع الدوائر الأميركية أن تبلغ مستوردات الولايات المتحدة من النفط عام 1980 حوالي 20 مليون برميل يومياً.
وبموازاة هذه المعطيات عن حاجات أميركا وحدها من النفط، وتقدم الدوائر الأميركية والغربية، معطيات أخرى، حول احتياطي النفط العربي، منها:
• إن السعودية والعراق لديهما من احتياطي النفط المكتشف ما يكفي حاجات العالم الصناعي حتى أواخر هذا القرن.
• إن مخزون النفط في الشرق الأوسط سيبقى الأرخص كلفة للإنتاج والأوفر كمية حتى أواخر هذا القرن.

o إن جيمس ابكنز رئيس مكتب الوقود والطاقة في وزارة الخارجية الأميركية قال إن أربعاً من أقل الدول العربية كثافة سكانية ستحصل على مبلغ قد يزيد على 200 مليار دولار من العائدات النفطية في الثماني سنوات القادمة (حتى عام 1980). وتضيف معطيات أخرى ان العالم العربي سيحصل على حوالي 500 مليار دولار من عائدات النفط حتى عام 1985.
المعطيات.. وسلسلة الاحداث التي تبعتها..
وإذا أخذنا هذه المعطيات، وهي نقطة من بحر ما كتب حول هذا الموضوع في الشهر الماضي، بشكل معزول عن العوامل السياسية الأخرى، فإن الأمر يبدو طبيعياً ان تهتم أميركا بمستقبل موارد الطاقة وحاجتها اليها. غير ان هذه الحملة "الإعلامية" حول حاجة أميركا للنفط تبعتها سلسلة من الاحداث نشير إلى أبرزها:
o اجتماع استثنائي لمجلس الأمن القومي في أميركا برئاسة نيكسون لبحث قضية الطاقة ومواردها وأخطار نقصها بالنسبة لأميركا والتدابير التي يجب اتخاذها في هذا المجال "لدرء الأخطار التي تتهدد سيادة أميركا" ومن المنتظر ان يعقد نيكسون مؤتمراً صحافياً حول هذا الموضوع لم نحصل على وقائعه حتى كتابة هذه الأسطر. ويقال إن الهاجس الأساسي سيكون تأمين سلامة النفط الأميركي في الشرق الأوسط منابع وممرات ومصبات..
o حديث العديد من المسؤولين الأميركيين عن الأخطار التي تتهدد مصالح أميركا في المنطقة، وتتهدد رعاياها، والتلميح، وأحياناً التصريح، إلى أن أميركا قد تجد نفسها مضطرة للتدخل، بهذا الشكل أو ذاك، لحماية مصالحها، ورعاياها، بما في ذلك إرسال قوى عسكرية في هذا السبيل. وتحدث مسؤول أميركي عن "نزهة" فيتنامية في الشرق الأوسط.
o لفت نظر المراقبين تحذير المعلق الأميركي الشهير ولتر ليبمان من تورط أميركي في الشرق الاوسط.
تعميم اميركي.. لتبرير التدخل المباشر
o تفيد أنباء موثوقة ان تعميماً وزع على المؤسسات الأميركية العاملة في لبنان وفي البلدان العربية، يتضمن العديد من الأسئلة (على الطريقة الأميركية) تنصب كلها لمعرفة ما هي العوامل التي يمكن أن تثير استنكار الرأي العام في العالم العربي وفي لبنان خاصة، والتي يمكن أن تبرر بنظر الرأي العام العربي (واللبناني خاصة) تدخلاً أميركياً مباشراً. وتحدد الأسئلة تفصيلاً الأعمال التي من شأنها إثارة ردود فعل استنكارية وتسأل أيها أكثر تأثيراً: قتل سفراء أميركيين، أم قطع النفط، أم نسف الأنابيب؟
علاقة كل ذلك.. بالأحداث الاخيرة على مسرح الشرق الاوسط
وعلى ضوء هذه المعطيات يمكن النظر بوضوح أكثر إلى أحداث مختلفة جرت على مسرح الشرق الأوسط:
• نسف مصفاة الزهراني. ومحاولة نسف أنابيب التابلاين. وقد فضحت المقاومة الفلسطينية والقوى التقدمية هذه العملية بصفتها استفزازاً استعمارياً صهيونياً رجعياً. ولم يبقَ ثمة شك أن الأيادي التي ارتكبت هذه الجريمة ليست غريبة عن دوائر الاستخبارات وصنائعها في المنطقة. كما اتضحت الأهداف الكامنة وراءها، خاصة بالنسبة لمخططات التحريض على ضرب المقاومة والقوى التقدمية في لبنان، وبالنسبة لمخططات أميركا في تشديد الضغط على لبنان. ولا يستبعد أن تكون هذه العملية، وفي لبنان بالذات، نوعاً من التجربة بالنسبة لما سبق وقلناه عن الاسئلة الموجهة إلى المؤسسات الأميركية العاملة في المنطقة.
• الموقف الوقح المكشوف الذي اتخذته أميركا بعد غارة إسرائيل على بيروت، بحيث أنها لم تجد من الضروري، ولو إنقاذاً لمظاهر حرصت في السنوات الماضية على انقاذها بشكل أو بآخر، أن تشجب الجريمة الإسرائيلية. بل إن المسؤولين الأميركيين لم يخفوا إعجابهم بهذه "العملية الناجحة" (بلسان الصحافة المقربة من البيت الأبيض). وكل ما وجدوا ضرورياً قوله كان استدعاء السفراء العرب من قبل روجرز لتوجيه التأنيب إليهم، وللضغط عليهم بشكل غير مقبول من أجل ضرب المقاومة وخنق صوتها ولوضع حد لحملة فضح أميركا ودورها في دعم إسرائيل وفي المشاركة المباشرة في غاراتها الإجرامية. كما إن مسؤولين أميركيين آخرين لم يتورعوا عن المضي أبعد من ذلك في التهديد. وضموا بذلك صوتهم إلى صوت صنائعهم في إسرائيل. وفي مجلس الأمن كشفت أميركا أكثر فأكثر عن حقيقة موقفها. وغابت تماماً اللغة التي استخدمت أحياناً مع لبنان في مجال "الضمانات الأميركية" إلى آخر المعزوفة...
• الخبر الذي نشرته وكالات الأنباء عن أن أميركا تمارس ضغطاً مباشراً على الدول العربية لتصفية المقاومة الفلسطينية والتخلي عنها من قبل بعض الحكومات. ويمكن فهم طبيعة هذا الضغط الفظ بصورة أفضل إذا ربطناه بالأنباء الواردة من الأراضي المحتلة حول النهوض الكبير في صفوف الفلسطينيين والدعم الواضح الذي عبروا عنه، حتى في ظل حراب المحتل الصهيوني، للمقاومة وقادتها، بعد الجريمة التي استشهد فيها قادة المقاومة الثلاثة.
• وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المظاهرة الهائلة التي شهدتها بيروت والمظاهرات الأخرى التي شهدتها عواصم العالم العربي جاءت لتؤكد على حقيقة أساسية وهي إن سياسة ضرب المقاومة الفلسطينية بالجملة (أحداث ايلول الاردني مثلاً) وبالمفرق (من غسان كنفاني إلى كمال ناصر إلى البداوي والبارد) لم يؤد كما ظن الأميركيون وصنائعهم والصهاينة إلى عزل المقاومة وإلى ضرب روح الصمود عند العرب، بل ادت إلى تأجيج روح العداء لأميركا، وإلى تعزيز روح الصمود، وتوطيد إرادة النضال ضد المستعمرين والصهاينة وصنائعهم. وجاءت اجتماعات الأمانة العامة للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية لتؤكد للملأ هذه الإرادة لدى الشعوب العربية ولدى قواها التقدمية.
ماذا تهيئ أميركا للمنطقة؟
على ضوء ذلك كله، ومن المنتظر أن تأتي معطيات أخرى تؤكد ذلك، نتوقف قليلاً عند السؤال: ماذا تهيئ أميركا للمنطقة؟ ولا بدّ من القول أولاً ان أميركا تهيئ شيئاً ما ولا تخفي ذلك. ولا بدّ لنا من القول ثانياً أن أميركا تمهد الجو، داخل أميركا بالذات، وفي الرأي العام العالمي، لتقبل هذا "الشيء ما" الذي تهيؤه. ولا بدّ من القول ثالثاً أنها تسعى، عربياً وإسرائيلياً، عن طريق عملائها، لإعطاء المبررات. ولا يستبعد أن تعمل دوائر استخباراتها المعروفة "السي. آي. آي" مباشرة في هذا السبيل، بعد أن فشلت العديد من مخططاتها أمام وعي الشعوب العربية، وصمود المقاومة ويقظة القوى التقدمية العربية.
جانبان للحملة الأميركية
ليس من شك، وهذا ما لا بدّ من قوله أيضاً، ان في هذه الحملة الأميركية جانبين: جانب التهويل على الحكومات العربية وعلى الشعوب العربية، وجانب الاستعداد للتدخل، بهذا الشكل أو ذاك، لحماية مصالح أميركا والغرب الاستعماري – وليس من المتم أن تنجح هذه الحملة، بجانبيها، إذا قوبلت بالوعي الضروري، وبإرادة الصمود، وبالموقف الحازم ضد أميركا ومن حلفائها وصنائعها، وضد سياستها ومخططاتها وحلولها وإغراءاتها وتهديداتها على حد سواء. والوضع العالمي، في هذا المجال، أفضل الآن من السابق، بعد الهزيمة التي منيت بها أميركا في فيتنام، وبعد تصاعد التناقضات بين أميركا وحلفائها في أوروبا واليابان. ويعود للقوى التقدمية العربية دور أساسي في تعبئة شعوبها، وفي تعزيز تلاحم حركة التحرر العربية والمقاومة الفلسطينية، وتعزيز تعاونها مع الحركة التحررية والثورية العالمية ومع المعسكر الاشتراكي وفي مقدمته الاتحاد السوفياتي.
*نشر هذا المقال في جريدة "الأخبار" 20 / 4/ 1973 - وأعيد نشره في جريدة "النداء" في 22 نيسان 1973.