الخميس، شباط/فبراير 25، 2021

شرق أوسط قيد التكوين

  د. حسن خليل
رأي
...اليوم، ونحن نقف عند الطرف الآخر من المئوية، فلا نرى إلّا رمالاً متحركة في منطقة سريعة التحول؛ قطار التطبيع يجوب العواصم العربية، من دون خجل أو وجل. لقد ادُخرت تلك الأنظمة لموقفٍ كهذا بحيث جاءت نشأتها لتقوم بالوظيفة المفصّلة على مقاس المهام المطلوبة منها. لقد استهلكت إمكانات وأجهضت انتفاضات، وأفقرت شعوباً وأذلتها...

عصية على التغيير، بئر العمالة لا تنضب فيها. وبالتوازي، مشروع إمبريالي فالت، يطيح كلَّ شيء من أمامه، تتزعمه إمبراطورية القتل المتنقلة والتي تزداد شراسة وفاشية، مدعومة بالاقتصاد والعسكرة، تفرض إيقاعها على كل نواحي الحياة وميادينها. وستبقى، جبال الأطلس غرباً والهندوكوش شرقاً، حدّين لمنطقة لم تهدأ ولم تستقر منذ بداية المئوية الراحلة وحتى اليوم؛ تبدلت نظم وحدود ومفاهيم وانحلّت قيم وتلاشت، أمّا الثابت، فكان التغول المباح في كل اتجاه، إذ لم تستطع دول المنطقة استكمال معارك التحرر فوقعت في فخ التبعية، وخسرت تلك المعركة قبل أن تبدأها لمصلحة نظم سياسية، ترتكب يومياً أبشع الجرائم، وعلى مرأى ومسمع من العالم كله.
هذا هو الناتج الطبيعي لعولمة مستبدة وقاتلة؛ جبلت طابع العالم بمنطقها المقلوب والسائر على رأسه، ولم يردعها منطق ولا أخلاق. هو حال العالم اليوم المتلاشية قيمه حدّ الحضيض لمصلحة "إمبراطورية شر" متمادية، بدورها، في غيّها حدّ الإجرام الموصوف. فتلك المنظومة لم تتوانَ عن المجاهرة بنيّاتها لا بل، وبالعكس، تجاهر من دون أي خجل بما تفعل؛ تسيطر وتهيمن وتحاصر وعلى رؤوس الأشهاد، لا يردها رادع. هو ذلك النهج المرتكب بحق البشرية، بمناخها وناسها ومياهها وسلامها وعيشها وأمنها ومستقبلها، هو ذلك الإفراط في ارتكاب الجرائم بأوجهها كافة... هو ذلك العقل المتعالي، المقفل والأناني والأنوي المسيطر. هو ذلك الخطاب الذي يجمع في طياته كل الحقد والصلف والغطرسة والكره والتشفي، إلى جانب الكذب والدجل واختلاق الذرائع والأسباب، والتي تكون في أكثريتها مفبركة: تغزو بقاع الأرض حاكمة ومتحكمة، لا يقف في وجهها حدود أو سدود، بل تراها جامحة في البراري.
أما فلسطين، بناسها وأرضها، تتلاشى، فتضيق عليها الجغرافيا حدّ الاختناق. قضية القرن من الزمن، والتي افتُتحت مآسيها مع ذلك الوعد الملعون، موضوعة اليوم على مشرحة التصفية، فيما شعبها موزّع بين سلطة لا تحكم، ومقاومة، بعض منها، عينه على السلطة. التطبيع يتطاير في كل الاتجاهات، وبكبسة زر تتزاحم العواصم العربية لركوب قطاره، فيما الشعوب غافلة. بيانات الاستنكار كثيرة إلى جانب الشجب والتهديد والوعيد، إلّا أن ذلك لن يغير قيد أنملة في المشهد السائد. لقد انقسمت "بلاد العرب أوطاني" إلى مضارب بخيام كثيرة، لا تقوى على حماية نفسها من حرّ الصيف ولا من قرّ الشتاء، مكشوفة عارية، لا تستحي؛ حتى أنّ ورقة التوت لم تعد تقبل بستر عورات قادتها وسياسييها البائنة على كل شاشات الدنيا، فهم يدرون ما يفعلون، ويغدقون الأموال من غير طائل إلى صاحب الأمر، وكفى المؤمنين شر القتال.
لقد أضحت منطقة الشرق الأوسط المترامية الأطراف خاضعة لمفاعيل إعادة التكوين، منطلقة من سايكس بيكو. لقد تبدلت موازين القوى، وعليه، تجري إعادة تشكيل المنطقة من جديد بالعودة بها إلى الفدرلة المقنعة كشكل للحكم المطروح، وبالنتيجة ستزول دول لمصلحة دويلات بصفاء عرقي أو مذهبي أو طائفي، وبوظيفة في خدمة الاحتلال القائم وإدامته. هذا ما أنتجه قرن من الزمن، تزاحمت فيه القضايا حدّ التعارض واستكمالاً المراوحة. لقد وقع الشرق الأوسط على تقاطع مشروع إمبريالي موصوف ومشاريع إقليمية متوازية، تعبّ من مشارب عديدة، وترسم أو تتوسل أدواراً محلية، ربما بذلك تصيب نصيباً من كعكة دولنا العربية ومقدراتها. لقد غاب المشروع العروبي الجامع والواضح، القائم على تلازم خطيّ المواجهة، بين التحرر وبناء الدولة الوطنية بكل مندرجاتها من جهة، وبين العمل لتصفية موجبات سايكس بيكو ووعدها المشؤوم من جهة أخرى. لم تتمكن النخب العربية من إتمام المواجهة، من مصر إلى سوريا إلى العراق إلى الجزائر واليمن... بأبعادها القومية والماركسية وبخطابها المتوجّه نحو بناء الاشتراكية المنشودة في تلك البلاد... لتسقط في شرك الشعارات الخالية من التنفيذ، فأضحت نظماً هجينة، تجانب المادية العلمية بالكلام وتمالق الدين بالممارسة، وتغازل دول النفط وأصحاب رأس المال... فخسرت.
المشروع مستمر، والمواجهة تأخذ أبعاداً متنوعة. إرهاصات مخاض إعادة تشكّله اليوم على تعددها، تُختبر في منطقتنا؛ التواجد الروسي – الصيني – الأوروبي إلى جانب الأميركي، يؤشر إلى إعادة النظر في مفاعيل معاهدة سايكس بيكو، التي كانت قد فُصّلت على مقاسات مختلفة. والاشتباك الحاصل وحِدّته، يعكس حجم القوى الموجودة وإمكاناتها إلى جانب أهدافها المعلنة منها أو المخفية. الأدوار الإقليمية والتي لا تقل تأثيراً عن الدولية، نرى أن جلّها مرتبط بشكل أو بآخر بمصالح الدول الكبرى، وهو يفتش لنفسه عن فعالية معينة بين دول الجوار والتي تشكل مجالاً حيوياً له. هذه "الخلطة"، الواقعة على حدود المصالح ووضع اليد على خطوط التجارة والصناعة والنفوذ، تجعل المشهد شديد التعقيد وصعب التفكيك، بحيث لا تسهل معه سلاسة الاختيار. إن غياب المشروع الوطني الجامع للشعوب العربية، بمعزل عن أنظمتها، ضّيع بوصلة توجيه المواجهة وعمّق مأزقها. فلم تستطع حركات التحرر الوطني العربية بلورة مشروعٍ مزدوج الأهداف؛ نحو فلسطين ونحو أنظمة الاستتباع. لقد وقعت في قبضة أنظمة، نادت بالوحدة والاشتراكية والتحرر، ولكن بقابلية مفرطة للمساومة، في أي محطة من محطات التسويات التي تعاقبت أو تشابكت.
أما اليسار العربي فقد أوقع نفسه في فخ ازدواجية النظرة: بين المبدئية في أخذ الموقف وبين مغازلة الأنظمة القائمة والتي عملت، في أكثريتها، على سحله أو استيعابه تمهيداً لتدجينه في خدمة النظام، لقد اشتدّت عليه كثرة الاتجاهات التي ينظر نحوها. لقد ضاع بين الموقف والهوية، والتي أصبحت بهويات كثيرة. لقد انقسمت قواه إلى مضارب متعددة، بين عروبة ووطنية وخصوصية و"استقلالية" مفرطة حدّ الاشتباه... ما جعله يكابد عناء الفهم الموحّد لقضايا ولّدت حروباً كثيرة وبشعارات مختلفة وببنادق متعددة. لم يبن خطة موحّدة، فكانت التناقضات الملتبسة لاتجاهات مختلفة، بالسياسية والاقتصاد وأحياناً بالولاء؛ لقد ركّب هياكل غير قادرة بطبيعتها على الإنتاج، ومسارات بوظيفتها غير قابلة للحياة. وعليه، سار جزءاً من الألفية الأولى، وها هو يدخل الثانية مدمّى وغير قادر على المواجهة. فلأي مواجهة عليه أن يستعد؟
لعلها معركة واحدة هنا وهناك؛ لا أفق للمواجهة في بلد من دون المنطقة ككل، في وجه ذلك المشروع "الرذيل"، الذي تتبدل قواه بينما أهدافه في حين تبقى ثابتة: أطل برأسه منذ قرن من الزمن ولمّا ينتهِ بعد، بل بالعكس لا يزال يجد في هذه المنطقة من يسبّح بحمده صبحاً وعشيا. شعوب المنطقة وقواها هي الكفيلة بذلك والأقدر عليه، فبهؤلاء الفقراء أُسقطت المشاريع الاستعمارية وكانت المواجهة، ولن تُستكمل إلّا معهم وبهم ومن أجلهم. الضرب على الخاصرة ومن تحت الحزام ليس ممنوعاً، وبوابة الخروج من الأزمات المتلاحقة واضحة لا لبس فيها. فلتغلق بوابات التدخل الخارجي، من خلال إغلاق مسارب دخولها: النظم السياسية المتحكمة، بطبيعتها ومكوناتها ووظيفتها، المتكئة على الوصايات والتماهي معها والمرتهنة لشروطها، السياسية منها والمالية... هي الباب المخلوع الذي لا يمكن إصلاحه بل يجب تغييره، وبذلك فقط نسدد للفقير، المنتفض اليوم، ما له من دين في رقبة حكّامه. فلسطين ستبقى القضية – المعيار وإليها سنعود لنحدد بوصلة الصراع واتجاهاته؛ فلطالما شكّل شعار الوحدة العربية طريقاً لتحرير فلسطين، إلّا أن ذلك الشعار لم يحقق، لا الوحدة ولا التحرير، فلنغير المعادلة بأن تُشكل فلسطين طريقاً للوحدة العربية، وعلى قاعدة المقاومة لاستعادتها، ولمواجهة تلك الهجمة الإمبريالية الغربية في منطقتنا.
لذلك، فإن تعزيز المقاومة وتمتينها يبقى الخيار الأساس أمام شعوبنا العربية، مهما طالت المواجهة وصعبت. ولنا في تاريخ شعوبنا العربية أساساً للبناء عليه في تصعيد المقاومة واستنهاضها وتوحيد طاقاتها الشعبية في إطار حركة تحرر وطنية من نوع جديد، تضطلع بأشكال النضال كافة لإسقاط المشاريع الإمبريالية والأنظمة التابعة لها. لذلك، على اليسار العربي أن يعاود صوغ موقفه السياسي وتموضعه. أما التحجج بالتناقض الايديولوجي فلا يجب أن يكون الشمّاعة التي تُعلّق عليها أسباب الانكفاء الموصول بعدم توافر الإمكانات. خطوة إلى الوراء، أصبحت ضرورية لتبيان الصورة بشكل أوضح. فالتاريخ بماضيه وحاضره حمّال مهام مطلوبة والشعوب بدورها لن ترحم. والانكفاء عن الدور التاريخي لنشأة اليسار العربي، بشقّيه الماركسي والقومي، أصبح اليوم لعنة إن لم نقل نقمة. فالتقدّم ولو خطوة واحدة أفضل من هذا الجمود القاتل؛ ماذا لو قرر اليسار العربي تبني مقاومة عربية شاملة؟ الجواب سيكون بخطوتين إلى الأمام: واحدة في وجه المشروع الأساس لمواجهته، والأخرى باتجاه قوى تتصدر اليوم صفوف الاعتراض عليه وذلك لمحاورتها... ربما الأمر يستحق ذلك.
*عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني

*المصدر: مجلة بوابة الهدف