الخميس، كانون(۲)/يناير 28، 2021

إشكاليات نظرية حول "17 تشرين"| الإشكالية الثالثة: التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية (الجزء الأول)

  ألكسندر عمّار - مجلة النداء
رأي
واحدة من أبرز الإشكاليات النظرية المطروحة حول ثورة "17 تشرين"، وأكثرها جوهرية، تتعلق بمسألة تعريف مفهوم "التناقض الرئيسي"، وتباعا "التناقضات الثانوية"، التي تعتمل في مجتمعنا. ولا تقتصر أهمية هذه الإشكالية النظرية في طرح وتحديد موضوعها بشكل مباشر فحسب، بل يتعدى ذلك، لكونها الوسيلة الأمضى والضرورية تجاه حسم الموقف من موضوعات أخرى لا تقل أهمية، من بينها: العدو الرئيسي والثانوي، والحليف الرئيسي والثانوي، وبناء عليه، تحديد مراحل تطور العملية الثورية والتكتيك السياسي الأنسب في النضال من أجل تحقيق أهدافها. وهي، أيضا، واحدة من أهم القضايا التي يثيرها استخدام المنهج الديالكتيكي في تطوير الفهم المادي للتاريخ، لأنها التعبير عن العلاقة التي تمزج بين عملية إنتاج المعرفة النظرية بالواقع من ناحية، وبين الممارسة النضالية الهادفة إلى تغيير الواقع ثوريا من الناحية المكمّلة.


ولا بد من معالجة الإشكالية النظرية المتعلقة بـ "التناقض الرئيسي"، بعدما لحق هذا المفهوم النظري من تشويهات وتحريفات، والتي بلغت حدّ استخدامه السياسي في ما يعاكس معناه ومضمونه بشكل تام. إن تحديد هذا المفهوم النظري سيشكل ركيزة هامة عند معالجة كل القضايا الحسّيّة المتعلقة بالثورة في المقالات اللاحقة. وبالفعل، كان ماو تسي تونغ محقا عندما أشار إلى مدى أهمية الموضوع، حيث قال: «انّ دراسة أوضاع التفاوت في التناقضات، دراسة التناقض الرئيسي والتناقضات غير الرئيسية، والطرف الرئيسي وغير الرئيسي للتناقض، هي إحدى الطرق المهمة التي يقرر بها حزب سياسي ثوري، بصورة مضبوطة، خططه الاستراتيجية والتكتيكية في الشؤون السياسية والعسكرية، وهي دراسة من واجب جميع الشيوعيين أن يولوها الاهتمام» .
1. ديالكتيك التناقض:
يشكّل التناقض، أو ما يُسمى بـ "قانون وحدة وصراع الأضداد"، أحد أهم الأدوات المعرفية (أو القوانين الرئيسية) للمنهج المادي الديالكتيكي في النظرية الماركسية. وكان لينين قد اعتبر أن مفهوم التناقض هو جوهر ولبّ الديالكتيك. صحيح أن الديالكتيك، «كأعلى شكل من أشكال التفكير»، على حد تعبير انجلز، كان موجودا منذ الفلسفة القديمة؛ إلا أن مأثرة ماركس تكمن في اعتماده هذا المنهج الديالكتيكي في تحليل الواقع المادي وفي مجال المعرفة العلمية العامة بـ «الحركة والتطور في الطبيعة والمجتمع البشري والفكر» . وكذا لینین، من ناحيته، الذي اعتبر: «ان الديالكتيك، بمعناه الأصلي، هو دراسة التناقض في صميم جوهر الأشياء»، ليخلص إلى القول: «انّ التطور هو "صراع" الأضداد» .

2. التناقض "في عموميته":
هذا التمهيد حول التناقض يشكل التعبير الأعم والأكثر تجريديةً عن البنية الداخلية لكافة الأشياء، ولذلك اسماه ماو تسي تونغ بـ "عمومية التناقض". ما يعني، أولا، أن التناقض موجود في عملية تطوّر كل شيء منذ البداية حتى النهاية، وثانياً، أن التناقضات الكامنة في باطن الأشياء هي التي تسبب تطورها وتكون محركا لها. لذلك، يصل ماو إلى الخلاصة التالية: «العلّة الأساسية في تطور الشيء إنما تكمن في باطنه لا خارجه، في تناقضه الباطني. وهذا التناقض الباطني موجود في كل الأشياء وهو الذي يبعث فيها الحركة والتطور. إن هذا التناقض الكامن في باطن الأشياء هو العلّة الأساسية في تطورها، أما الصلة القائمة والتأثير المتبادل بين شيء وآخر فهي علّة ثانوية». وأردف بالقول: «والواقع أنه حتى الحركة الميكانيكية المسببة عن القوى الخارجية تتحقق هي الأخرى بواسطة التناقض القائم في باطن الأشياء».
لذلك، نجد مهدي عامل قد ابتدأ ثلاثيته الشهيرة ("مقدمات نظرية ...") بالجزء المعنون "في التناقض" بالذات، موضحاً أهمية المنهج الذي اعتمده كما يلي: «ولقد رأيت في العودة إلى مشكلة التناقض ضرورة لدرس العلاقة الكولونيالية، ففهم هذه العلاقة يجد أساسه النظري في نظرية التناقض» .
3. "خاصيّة" التناقض (أو نسبيته):
واستناداً إلى الفهم الديالكتيكي، فإن «عمومية التناقض تكمن بالضبط في خاصيّة التناقض» (بحسب ماو)، بمعنى أن التناقض في شكله العام لا يمكن فهمه إلا في شكل تجليه التاريخي في المجتمع، بحسب تمرحل تطور البنية الاجتماعية، وفي الخصائص الداخلية لكل تناقض بفعل وجود التفاوت الطبقي والصراع في ما بين الطبقات. وهذا يعني أيضا وجود عدة تناقضات في البنية الاجتماعية الواحدة، متفاوتة في ما بينها، وأن لكل تناقض اجتماعي خاصيّة محددة يختلف بها عن التناقضات الأخرى (في علاقته بها). وللنفاذ إلى اختلاف أنواع التناقضات يتوجب علينا أن ننظر إلى الاختلاف في صفة التناقضات، كما قال ماو، وينبغي أولاً، تحديد طرفي كل تناقض؛ وثانياً، كشف خاصيّة طرفي كل تناقض من التناقضات في هذه العملية؛ وثالثاً، تمييز التناقضات، أي تغيّر مستوياتها وأشكالها، في كل مرحلة من مراحل التطور. وطبقا لذلك، تختلف - بحسب خاصيّة كل تناقض اجتماعي - طرق حل هذه التناقضات. وقد أعطى ماو مثالاً على ذلك عندما وضّح أن: «ثمة فرق أساسي بين التناقض الذي حلته ثورة شباط وبين الذي حلته ثورة أكتوبر في روسيا، وكذلك بين الطرق التي استعملت لحل تلك التناقضات».

 

4. التفاوت البنيوي والتفاوت التطوري:
الواقع، أن البنية الاجتماعية تتألف من عدة مستويات بنيوية مختلفة، الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية إلخ. ويعتبر مهدي عامل أن كل من هذه المستويات هي بنية متميزة، وبالتالي فإن لكل مستوى في هذه البنية «تطوره الخاص في إطار وحدة التطور الاجتماعي العام». بهذا المعنى، فإن مستويات البنية هي مستويات متناقضة في ما بينها لأنها متفاوتة التطور، وكذلك، كل مستوى منها متناقض في داخله.
لكن، بحسب مهدي عامل، فإن تناقضات التفاوت البنيوي ليس لها وجود فعلي إلا في تفاوت تطور البنية، أي في حركة تطورها، وبالتالي، في حركة الصراع الطبقي الذي اعتبره ماركس محرك التاريخ (منذ نشوء الحضارة البشرية). وما التناقضات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية التي تعتمل في داخل البنية الاجتماعية، في جوهرها، سوى تناقضات طبقية محددة. وبكلام مهدي عامل، فإنّ «التفاوت في تطور البنية الاجتماعية ليس تفاوتاً في تطور التناقضات البنيوية في هذه البنية وحسب، بل هو بالضرورة تفاوت في تطور كل طرف من طرفي التناقض الرئيسي فيها، أي التناقض الطبقي في تطوره كصراع طبقي». فبالنسبة له، إن التناقض بين ممارسات الطبقات المختلفة للصراع الطبقي نفسه هو الذي يحدد التناقض في بنية المستوى، عبر تحديده الطابع الطبقي لهذا التناقض.
وبذلك، يخلص مهدي عامل إلى القول أن «التفاوت البنيوي يعود إلى الوضع الذي يتميز به التناقض الاقتصادي كتناقض محدِّد، أمّا التفاوت التطوري فيعود إلى الوضع الذي يتميز به التناقض السياسي كتناقض مسيطر في تطور البنية الاجتماعية».
(التتمة في العدد القادم)