الأربعاء، أيلول/سبتمبر 23، 2020

رأس المال والطبيعة [1]: وهم الحلول الفردية

رأي
لم يعد الاحتباس الحراري مسألة نظرية أو مسألة مستقبلية متوقّعة. بات في السنوات الخمس الأخيرة مسألة ملموسة تواجه البشرية، وإن كانت تبعاتها لا تزال محدودة.

فحرارة الأرض اليوم أصبحت أعلى من معدّلها في القرن الماضي بأكثر من 1.5 درجة مئوية، ومظاهر ذلك تنعكس في ظواهر التطرّف المناخي، مثل التصحّر والجفاف في مناطق معيّنة، والظواهر المتطرّفة العكسية مثل الفيضانات والأعاصير وتبدّل الأنماط المناخية في أماكن أخرى. كان ممكناً قبل عقد من الزمان ربط تلك التغيّرات بالظواهر الشمسية التي عادةً ما تفرض إيقاعها على كوكب الأرض، من خلال الدورات المناخية، سواء تلك التي تحدث بوتيرة مديدة مثل دورة العصور الجليدية والأخرى الدفيئة، أم الدورات المناخية القصيرة حيث تتغيّر خصائص المناخ قليلاً كل بضعة عقود. غير أن المعطيات السائدة اليوم تشير إلى أن التغيّرات المناخية المُتسارعة التي تسبّب فيها النشاط الاقتصادي الإنساني، عبر ضخّ الغازات الدفيئة، وأكثرها من ثاني أوكسيد الكربون، على مدى العقود الماضية، هي التي تفرض إيقاعها على كوكب الأرض. ويمكن القول إن التغيرات المناخية اليوم لم تعد متغيرات شمسيّة، بل صارت فعلياً متغيّرات إنسانية، سببها الرئيس هو الأعمال الإنسانية من خلال نمط الإنتاج الاقتصادي السائد في العالم اليوم.

إلّا أن الاعتراف بهذا الواقع والسعي لتعديله ليس في مصلحة رأس المال، لذلك تتراوح المواقف السياسية بين الإنكار من جهة، والسعي إلى حلول سطحية فردية لا تغيّر في الواقع شيئاً من جهة أخرى. وفي حين يستمرّ البعض في سياسة الإنكار، على الرغم من وضوح المعطيات، تقف البشرية أمام مفترق طرق حقيقي بين الاستمرار في نمط الاستغلال القائم على معيار الربح ومراكمة رأس المال على حساب الإنسان والطبيعة وصولاً إلى تدمير الكوكب بنتائج غير قابلة للانعكاس والمعالجة، وبين أن تنتفض الأجيال الجديدة الصاعدة، التي ستدفع فاتورة استغلال رأس المال للطبيعة من قبل الأجيال السابقة لها، لتوقف مسار الدمار المُحتّم أمامها. سياسة الإنكار هي سلاح الطبقة المستفيدة حكماً، إذ لا مجال أمامها الآن سوى تزوير الحقائق لإنكار الواقع وتمديد فترة استغلالها المُربح والمُدمّر للطبيعة، أو الاعتراف بالمسار الانحداري والترويج للحلول الفردية وخلق الأوهام حول إمكانية تغيير الواقع ووقف التدهور عبر التصرّف الحسن لأفراد المجتمع.
وإذا كان تيار الإنكار يعيش نشوةً مؤقّتة، اليوم، مع وصول زعيمه دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتّحدة، البلد الملوّث الأكبر على مستوى العالم، سواء وفق كمّية الانبعاثات الكلّية التي تنتجها الدول أو وفق معيار كمّية الانبعاثات بالنسبة إلى الفرد، فإن تيار الحلول الفردية هو المُهيمن، اليوم، في السياسة والإعلام والتربية والمجتمع. وإذا كانت أفكار التيّار الأوّل تقوم على نظريات سطحية وقابلة للدحض السهل من نوع أن «هذه السنة ضربت أميركا عواصف ثلجية قوية، وهذا يعني أنه لا يوجد ارتفاع في درجة حرارة الأرض»، وفق ما صرّح ترامب نفسه، فإن أفكار التيّار الثاني لا تقلّ بساطة وسطحية في مضمونها على الرغم من ظاهرها البرّاق، فهي تقوم على مقولات من نوع «أطفئ ضوء الغرفة خلفك»، أو «خفّف من استهلاك لحوم المزارع»، أو «فكّر قبل أن تقوم بطباعة هذا الإيمايل على الورق»، فبذلك تسهم في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة وتنتصر في المعركة من أجل مستقبل البشرية الذي يهدّده الاحتباس الحراري. مشكلة الطرح الثاني أنه، على الرغم من سطحيّته المشابهة للطرح الأوّل، يسود بين فئات واسعة من المواطنين والناشطين ومحبّي البيئة وأصحاب النيّات الحسنة، لسبب قد يكون مرتبطاً بحاجة كلّ منّا إلى الإحساس بأنه جزء من قضية محقّة ما يعمل ويضحي ويسهم لأجلها، كما يقول سلافوي جيجيك. ولهذا السبب تحديداً، تشكّل فلسفة الحلول الفردية خطراً أكبر على إمكانية نجاح البشرية في مواجهة الاحتباس الحراري، لأنها تحيّد فئات اجتماعية واسعة عن المعركة الحقيقية لوقف التغيّر المناخي وإنقاذ البشرية، والتي لن تحصل سوى من خلال مواجهة منظومة الاستغلال الرأسمالي المُدمّر للإنسان والمجتمع والطبيعة.
خلال السنة الماضية، في الغرب، اشتهرت المراهقة السويدية غريتا ثونبرغ، التي أضربت عن المدرسة لأن دولتها، على الرغم من بعض الخطوات التي تقوم بها للحدّ من الانبعاثات، إلّا أنها لا تقوم بما يكفي لتغيير مسار تدمير كوكب الأرض. وعلى الرغم من سياسات مدرستها القائمة على إعادة تدوير الورق وإطفاء الأضواء وتوفير الطاقة، رأت الصبية أن المشكلة عند دولتها وسياساتها، وليس في ما يقوم به بعض الأفراد غير المؤثّرين. وعلى الرغم من أنّها لم تنظر إلى المسألة من زاوية أوسع، من زاوية تناقض النظام الرأسمالي نفسه مع مستقبل البيئة والكوكب، إلّا أن حركتها جاءت ضمن رؤية الأجيال الصاعدة لمستقبل الأرض التي يتركها لهم أسلافهم وعلى قاعدة «أنتم تدمّرون بسياساتكم الحالية حياتي أنا بعد بضعة عقود». هلّل الإعلام ومؤسّسات مدنية واجتماعية عدّة لغريتا ورشّحوها لنيل جوائز، لكن هل سأل أحدهم كيف يمكن أن يحصل هذا التغيير، وبأي سياسات وعلى حساب أي فئات اجتماعية؟ هذا هو السؤال الذي لا يريد الجميع الإقرار به، لأن التبعات لا تصبّ في مصلحة النظام القائم الذي لا تهمّه تطلعات غريتا وشبيهاتها، ولا يكترث للمستقبل ولا لمصلحة الناس.
لا يمكن تخيّل سياسات توقف مسار الاحتباس الحراري من دون أن تترك أثراً على مصالح الطبقات المُسيطرة. فالطبيعة في تناقض حكمي مع مصالح رأس المال، ومن المستحيل أن تتواءم منظومة الربح السريع ومراكمة رأس المال مع المتطلبات التي يفرضها علينا كوكب الأرض للاستمرار كمساحة قابلة للعيش. قطع الغابات بشكل واسع لتصنيع الخشب هو عملية اقتصادية سهلة ومربحة، لكنّه عملية بيئية مدمرة. فكيف لها أن تكون مستدامة؟ لا بدّ أن يدفع أحد طرفي التناقض ثمناً للاستدامة. إمّا أن يدفع رأس المال جزءاً وفيراً من أرباحه لزراعة مساحات موازية لما قطعه، أو تدفع البيئة ثمن القطع الجائر. ذلك هو الحال في كل مسبّبات الاحتباس الحراري، بدءاً من حرق الوقود لتأمين الطاقة مروراً بقطع الغابات وصولاً إلى المزارع الحيوانية الكبيرة. اليوم توجد إمكانية حقيقية لتأمين النسبة الأعظم من الطاقة من الموارد المتجدّدة من شمس وهواء وماء، لكن مصالح شركات النفط أقوى من مصالح الكوكب. بالنسبة إلى رأس المال، السياسات الفضلى هي تلك التي توسّع هامش ربحه والتي ترفع من أسعار الأسهم في البورصة، أمّا بالنسبة إلى الطبيعة، فالسياسات الفضلى هي النقيضة تماماً لمبدأ الربح ومراكمة الثروات.
ووسط هذا التناقض بين رأس المال والبيئة، تأتي السياسات المُروّجة للحلول الفردية لمصلحة الأوّل، إذ تعفيه من مسؤوليته الأساسية والتاريخية عن هذا المسار الانحداري للبيئة. وإذا نظرنا إلى حقيقة أن 100 شركة في العالم فقط مسؤولة عن 71% من الانبعاثات الدفيئة، وعلى رأسها شركات النفط العملاقة، كما أشارت دراسة نشرتها صحيفة The Guardian، تصبح الحلول الفردية المطروحة أقرب إلى الهرطقة منها إلى الحلول.
قد يكون الفعل الفردي المفيد الوحيد في هذا الإطار هو أن تبادر وتعمل وتقترع لمصلحة القوى التي تحمل برنامجاً تغييرياً شاملاً لإعادة تشكيل النظام الاجتماعي على أسس مصالح الإنسان والطبيعة في مواجهة مصالح رأس المال، لأن المسألة الحقيقية تبقى دوماً متمحورة، كما في كل القضايا الاجتماعية، حول من هو المستفيد الحالي، ومن سيدفع ثمن التغيير وفاتورة إنقاذ المعمورة.

نُشر في ملحق رأس المال : 13/05/2019