الجمعة، تشرين(۱)/أكتوير 22، 2021

ابن الأسيرة إسراء جعابيص: أحن الى ضحكة أمي

  هند شريدة
فلسطين

"ليست الحياة حِصاناً يُساق بالسّوط" قالها الأديب الروسي مكسيم غوركي ذات مرة في روايته (الأم). نستطيع إضافة شطر يقول: "لكنها كذلك لمعتصم"، ابن الأسيرة المقدسية إسراء جعابيص، 36 عاما، محكومة -رغم البتر والحرق- بالأمل وبإحدى عشر عاماً. بالتأكيد، ليست الحياة فرساً مدللة أيضا، تُساق بالتمسيد على ظهرها، لكنها قاسية بما يكفي في فلسطين المحتلة لأن تــفصل الأم عن كينونة من صُلبها، وامتداد نبض ينتمي لها، طِفلها.

معتصم، ابن 12 ربيعاً، لا يتذكر أمّه، بل يحملها في قلبه أينما وُجـِد، فهي ملازمة له ضِعْفَ ما كانت عليه قبل تشرين الأول 2015، عندما كان عمره ستّ سنوات ونصف، وبالتحديد، قبل ذلك اليوم الأسود، الذي صُلِيَت فيه إسراء بالنار، واكتوى جسدها، حتى فاحت رائحة جلدها وهو يشتعل. فمنذ تلك الحادثة، التي حتّم الاحتلال على إسراء وابنها بالابتعاد عن بعضهما قسراً، وأجبرهما على اعتياد الفقدان، وحياتهما قاسية لأن تشبّه بدابّة تُساق بالسّوط فعلاً.

في عيد الأم، يُعيد معتصم شريط ذكرياته مع أمه، ويكتب لها قائلاً: "بتتذكري لما جيتي على مدرستي وكنتي لابسة مهرج.. كيّفنا.. يا ريت لسه موجودة".
سكنت إسراء في مدينة أريحا، وكانت تهيئ نفسها للانتقال مع ابنها للعيش في مدينة القدس . فهي حاصلة على شهادة في رعاية المسنين، وتدرس تربية خاصة في جامعة القدس المفتوحة. تتطوع بشكل منتظم كمهرّجة، وتقيم نشاطات ترفيهية للطلبة المقدسيين، والمرضى وكبار السن في المدينة المقدسة. تعطّلت مركبتها صباح يوم قبل حوالي 1500 متر من حاجز الزعيّم، شرقيّ القدس، وهي تحمل جزءا من مِتاعها لبيتها الجديد في القدس. تفاجأت إسراء برذاذ يخرج من سيارتها، وسرعان ما شبّ حريق بداخلها، فهبّت النار كاوية وجهها. تركها الاحتلال تتلوّى وجعاً أكثر من ساعتين بعد أن التهمت النار معظم أنحاء جسدها، الا أن جاءت سيارة إسعاف لتنقلها الى المستشفى. لم يرحمها الاحتلال، بل وجّه لها تهمة، بدعوى تنفيذ عملية على الحاجز!

مكثت إسراء قرابة 100 يوم في مستشفى "هداسا عين كارم"، وهي تعاني من حروق تفوق 65% من جسدها، مُنِعَ أهلها من زيارتها، بل أوهمها الاحتلال أن عائلتها قد تبرأت منها، ولا تريد رؤيتها. برغم وجعها، وأنينها المتواصل ليل نهار، كانت إسراء مكبلة بالأغلال بسرير المشفى. وسط وجعها، الذي وصفته في فيديو متداول لها في المحكمة أنه "مرئي" من شدة وضوح آثاره عليها، دخلت مجندة عليها ذات يوم، وأخذت تستعرض أمامها يديها وخواتمها وطلاء أظافرها، لتخبرها أنهم قد بتروا أصابعها، ولن تنعم قط بيدين مثلها، وأن الحصول على أصابع في نهايتها أظافر يعتليها طلاء أنثوي هو ضرب من الخيال وأشبه بأمنية سترافقها مدى الحياة.

لم يستكمل الاحتلال علاج إسراء، بل نقلها عنوة لسجن الدامون، الذي كان إسطبلاً في يوم من الأيام، في ظروف تفتقر للحياة الآدمية. تغيّرت ملامح إسراء بالكامل لدرجة لم يقوَ ابنها على التعرف عليها في أول زيارة لها، بعد سنة ونصف من الاعتقال. فعينها اليمنى وأنفها غائران، أذناها وشفتاها ذائبتان، ليست هما فقط، بل يداها أيضا، فهي غير قادرة على رفعهما إلى الأعلى بشكل كامل نتيجة التصاقهما بإبطيها.


"دولة إنسانية بحقّ" تقول أختها تهكماً. وتكمل: "حدثتنا إسراء في إحدى الزيارات فيما بعد أن المسعفين يوم الحادث كانوا يبصقون في وجهها، ويتنمرون عليها، ونعتوها بأبشع الشتائم وأقذرها."

في فلسطين المحتلة، عليك أن تفحص سيارتك جيداً قبل التنقّل، فأي حادث عرضي يطالك، يصيغه الاحتلال تهمة جاهزة لك! تقول أختها: "كل ما حصل مع إسراء حادث سببه تماس كهربائي في سيارتها، وكان يتوجب على شرطة الاحتلال حينها مساعدة إسراء وإنقاذها من الاحتراق. بالمقابل، انقضّوا عليها، واختلقوا قصة، وحاكموها وفقها في محكمة عنصرية يديرونها لجلْد الفلسطينيين ومعاقبتهم، وبالأخص المقدسيين والمقدسيات، مستهدفين طردهم من العاصمة، ليزيدوا من تهويدها على هواهم."



تحتاج إسراء الى سلسلة من العمليات الحيوية، وليس فقط التجميلية، لتستطيع بعدها التكيّف مع وضعها الجديد، ولكن مصلحة السجون ترفض ذلك، وتكتفي بمرهم لا يقدّم ولا يؤخر حسب حالتها، مع أنها تحتاج بالأساس الى عمليات فصل لأعضائها الذائبة، وأخرى لزراعة جلد يغطي عظامها المكشوفة!
ناضلت عائلة إسراء لإدخال (كاسة) بلاستيكية لها، شبيهة بالتي يستخدمها الأطفال، لكي تستطيع إمساكها بما تبقى لها من عناقيد أصابع، لكنها كانت تواجَه بالرفض مرة واثنين وثلاثة.. الى أن ظفرت بها بعد أشهر طائلة. ذات الشيء حصل عندما كانت إسراء تطلب ضمادات ليديها، أو بدلة خصوصية لحالتها. أما الكتب، فكانت تعود أدراجها في كل مرة تحاول عائلتها إدخالها، بحجة أنها تعليمية، وبالتالي فهي ممنوعة!

بالرغم من البتر والحرق، تظل إسراء محكومة بالأمل، تتحدى جسدها يوميا، وتكتب خواطرها بما تبقى من يديها، بل ترسم، وتطرز، فتراها تشكّ الإبرة من جهة، لتسحبها بفمها من الجهة الأخرى. تستمر إسراء في نضالاتها اليومية الصغيرة، فقد أنهت الثانوية العامة في السجن، وتدرس حاليا الخدمة الاجتماعية. تواظب على كتابة الرسائل لمعتصمها وعائلتها، وتختمها بتوقيع مُبهر، يستوقفك حقاً. تدمغ إسراء ذيل رسالتها دوماً برسم مُهرّج ملوّن، يشبه روحها، تقهر فيه السجّان، وتستمر بالتحدي، مُصرّة على نقل ضحكاتها لنا من خلاله.
المصدر: وكالة وطن