الأربعاء، كانون(۱)/ديسمبر 07، 2022

خطاب جيفارا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة 1964

  راجي مهدي - مصر
متفرقات
بحلول عام 1964 كان العالم قد وصل إلى الوضع التالي : توازن رعب نووي بين الاشتراكية والامبريالية نتج عنه شلل تام للاتحاد السوفيتي الذي كان قد قرر بقيادة خروتشوف وزمرة الردة أنه يمكن هزيمة الامبريالية فقط من خلال التعايش السلمي وأن هذا التعايش تجب صيانته عبر الإحجام عن دعم اليسار والحركات الشعبية عالمياً بما لا يدع للامبرياليين ذريعة لشن الحرب النووية. على مذبح هذا الوهم التصفوي الذي كان جزءاً من ترسانة الردة التي استولت على الاتحاد السوفيتي، تمت تصفية الحركة الثورية في العراق، تم التراجع في أزمة الكاريبي، وتم التسليم بقيادة ما تمسى بـ"البرجوازية الوطنية" في البلدان المستعمرة لحركة التحرر لتنتهي بالخضوع للامبريالية من جديد.

في هذا العالم، كان جيفارا، ناقماً على المسلك السوفيتي في أزمة الصواريخ، المسلك الذي عوملت فيه كوبا كدولة تدور في فلك قوة عظمى، وتُركت دون أي ضمانات حقيقية في مواجهة تهديدات الغزو الإجرامي الأمريكي وسط عزلة مريرة في محيطها الإقليمي، ولم تستشر في سحب الصواريخ وكأن المعركة لم تكن لتدور مبدئياً على الأرض الكوبية، هذا ما ترك لدى جيفارا يقيناً بأنه رغم أن وجود المعسكر الاشتراكي يخلق ظرفاً دولياً مؤاتياً لحركة الشعوب، إلا أنه لن يخلق التحرير ميكانيكياً، إن الشعوب هي التي عليها أن تخوض معركتها وتفرض شروطها على الامبريالية بما يتوفر لديها من أدوات. لقد آمن جيفارا بالحركة الشعبية، بنضالها المسلح.

وعليه فإن الخطاب الذي نضعه بين يدي القارئ العربي كان علامة مفصلية في مسيرة جيفارا، ومسيرة العالم بلا أدنى مبالغة. لماذا نقول هذا؟ لأن فيه رسم جيفارا صورة المذبحة التي تديرها الامبريالية في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، لقد رأى – كماركسي لينيني – ارتباط المعارك الدائرة في فلسطين بمعارك الخليج العربي بمعركة أمريكا اللاتينية بالمعركة التي تدور في قلب آسيا. لقد كانت كلها معركة واحدة كبيرة تخوضها الامبريالية لتأبيد سيطرتها على المواد الخام والأسواق والأيدي العاملة، معركة فتح الكوكب دون رحمة لرأس المال الاحتكاري.

وبناءً على تحليله، قرر، أن الحكومات التي وضعت نفسها في خدمة الامبريالية، الطُغم التي يرتبط وجودها بخدمة الامبريالية، يجب أن تدفع ثمن خيانتها، أن الذي قتلوا لومومبا يجب أن يتحضروا للثأر، وقد حاول أن يحقق هذا الثأر بنفسه، ففي 1965 انتقل جيفارا كثائر أممي ووضع نفسه مع 100 مقاتل كوبي في خدمة الثورة الكونغولية التي كانت تلفظ النفس الأخير. لم تنجح المحاولة ولام جيفارا نفسه كثيراً، ومارس نقداً ذاتياً مريراً، لكنه واصل ما كان قد بدأه منذ الانتصار على باتيستا، تقديم الدعم لكل الحركات الثورية، وصولاً إلى مهمة بوليفيا التي دفع فيها جيفارا حياته ثمناً لمحاولاته خلق أكثر من فيتنام واحدة كي تركع الامبريالية، كسبيل وحيد للحرية، إيماناً بقدرة الشعوب على تمزيق قيد التبعية العتيق، بنفسها، استناداً إلى قدرتها أولاً، وإلى التناقض بين المعسكرين ثانياً.

إن هذا الخطاب لم يُترجم إلى العربية في حدود علمنا، رغم شهرته التي اكتسبها من صيحة جيفارا في ختامه "الوطن أو الموت" التي أطلقها بصوته الكاريزماتي المحبوب، لذا فإننا نقدمه كاملاً إلى القارئ العربي وفاءً لقضية جيفارا، ولأننا نظن أنه بعد مرور ما يقرب من ثمانية وخمسين عاماً على وقفة جيفارا على منصة هيئة الأمم، لازالت صورة العالم كما قدمها جيفارا بل أسوأ، ولازالت الامبريالية تهديداً للبشرية ولازالت الهيئات الدولية ذراعاً خادماً للاحتكارات ولتقسيم العمل الدولي الذي يفرضه الشمال على الجنوب، ولازال الأمل هو الحركة الشعبية الثورية.

إلى نص الخطاب:

11 ديسمبر 1964 – الدورة التاسعة عشر للجمعية العامة للأمم المتحدة – نيويورك.

السيد الرئيس،

المندوبين المميزين

يود الوفد الكوبي أن يعرب - قبل كل شئ – عن سعادته لإتمام الخطوة الإيجابية بالترحيب بانضمام ثلاث أمم جديدة للعدد الكبير من الأمم التي يناقش ممثلوها مشاكل العالم. لذلك فإننا نحيي شعوب زامبيا ومالاوي ومالطا –ممثلين في الرؤساء ورؤساء الوزارات، ونأمل في أن تنضم تلك البلاد من البداية إلى مجموعة الدول غير المنحازة التي تناضل ضد الإمبريالية والاستعمار والاستعمار الجديد.

كما نود أن ننقل تهانينا لرئيس هذه الدورة (الغاني أليكس كوايسون ساكي) الذي يمثل صعوده إلى مثل هذا المنصب الرفيع دلالة خاصة لأنه يعد انعكاساً للمرحلة التاريخية الجديدة التي تتميز بالانتصارات الحاسمة لشعوب أفريقيا التي كانت حتى وقت قريب خاضعة لنظام الإمبريالية الاستعماري. اليوم أصبحت الغالبية الساحقة من هذه الشعوب دولاً ذات سيادة من خلال الممارسة الشرعية لحق تقرير المصير. لقد دقت الساعة الأخيرة للاستعمار، والملايين من سكان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يهبون لأجل حياة جديدة ويطالبون بحقهم غير المشروط في تقرير مصيرهم والتطور المستقل لأوطانهم.

سيادة الرئيس، إننا نتمنى لكم أعظم النجاح في المهمات الموكلة إليكم من الدول الأعضاء.

إن كوبا تأتي إلى هنا لتقرير موقفها في أهم القضايا الخلافية وستفعل ذلك بشعور كامل بالمسؤولية يوجبه استخدام هذه المنصة، وفي نفس الوقت استجابة للواجب الذي لا مفر منه بالتحدث علناً بوضوح وصراحة.

إننا نود أن نرى هذه الجمعية تنفض عن نفسها الرضا بالنفس وتمضي قدماً. كما نود أن تبدأ اللجان عملها و ألا تتوقف عند المواجهة الأولى. إن الإمبريالية تريد أن تحول هذا الاجتماع إلى جولة خطابية بلا هدف، بدلاً من استغلاله لحل المشاكل العالمية الخطيرة.

 

إن علينا أن نمنعهم من فعل ذلك. هذه الدورة لا يجب أن يتم تذكرها في المستقبل بالرقم 19 الذي يميزها فقط. إننا نشعر أنه حقنا ولزاماً علينا أن نحاول جعل هذا الاجتماع فعالاً، لأن دولتنا تمثل مصدر خلاف دائم، واحد من الأماكن التي تُختبر فيها كل يوم، كل دقيقة، المبادئ التي تدعم حقوق السيادة للأمم الصغيرة، وفي نفس الوقت يعتبر بلدنا واحداً من ثكنات الحرية في العالم، يقع على بعد خطوات قليلة من الإمبريالية الأمريكية، التي تُظهر بأعمالها، بمثالها اليومي، أن الشعوب قادرة على تحرير نفسها، والحفاظ على حريتها في الظروف العالمية الحالية.

بالطبع هناك اليوم معسكراً اشتراكياً يزداد قوة يوماً بعد يوم، ولديه وسائل نضالية أكثر قوة، لكن شروطاً إضافية مطلوبة للبقاء، صيانة التماسك الداخلي، الإيمان بوحدة المصير، والقرار النهائي بالقتال حتى الموت من أجل الدفاع عن الوطن والثورة. هذه الشروط تتوافر في كوبا.

من بين كل المسائل المُلحة التي يجب على هذه الدورة مناقشتها، تكتسب إحداها أهمية خاصة لنا ونشعر أنه يجب السعي لحلها أولاً، بما لا يترك أي شك في الأذهان، وهي التعايش السلمي بين الدول ذات الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.

لقد تم احراز الكثير من التقدم في هذا المجال في العالم. لكن الإمبريالية، خصوصاً الإمبريالية الأمريكية، حاولت أن تجعل العالم يعتقد أن التعايش السلمي هو الحق الحصري للقوى العظمى على الأرض. إننا نكرر ما قاله رئيسنا في القاهرة، والذي اتخذ فيما بعد شكل بيان صادر عن المؤتمر الثاني لرؤساء دول وحكومات عدم الانحياز، أنه لا يمكن أن يكون هناك تعايشاً سلمياً فقط بين الأقوياء إن أردنا تأمين السلام العالمي. يجب على كل الدول ممارسة التعايش السلمي، بصرف النظر عن حجمها، وبصرف النظرعن العلاقات التاريخية التي ربطتها ببعضها فيما سبق، وبصرف النظر عن المشاكل التي قد تنشأ بين البعض منها في اللحظة الراهنة.

في الحاضر لا وجود لشكل التعايش السلمي الذي نتطلع إليه في كثير من الحالات. إن مملكة كمبوديا، لمجرد احتفاظها بموقف محايد وعدم خضوعها لمكائد الإمبريالية الأمريكية، تم استهدافها بجميع أنواع الهجمات الغادرة والوحشية من قبل قواعد اليانكي في فيتنام الجنوبية.

لاوس، دولة مقسَّمة، تحولت أيضا إلى هدف للعدوان الإمبريالي من كل صنف. تم انتهاك المواثيق الموقعة في جنيف، ذُبحت شعوبها من الجو وتتعرض أجزاء من أراضيها بشكل دائم لخطر الهجمات الجبانة من القوى الإمبريالية.

جمهورية فيتنام الديمقراطية، التي شهدت تاريخاً من الاعتداءات لم يشهد مثله سوى قليل من شعوب الأرض، ترى حدودها تُنتهك مجدداً، وتهاجم قاذفات العدو ومقاتلاته منشآتها، وتنتهك السفن الحربية الأمريكية مياهها الإقليمية وتهاجم مراكزها البحرية.

وفي هذه الأثناء تحوم فوق جمهورية فيتنام الديمقراطية  تهديدات دعاة الحرب الأمريكيين بتمديد الحرب التي يشنونها منذ سنوات ضد شعب جنوب فيتنام إلى أراضيها علناً.

لقد وجه الاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية تحذيراً جدياً للولايات المتحدة. إن هذا الموقف لا يهدد سلام العالم فحسب ، بل  يهدد بشكل دائم حياة ملايين من البشر في هذا الجزء من آسيا ويعرضهم لنزوات الغازي الأمريكي.

كما تعرض التعايش السلمي للاختبار بطريقة وحشية في قبرص، نتيجة ضغوط الحكومة التركية وحلف الناتو، ما دفع الشعب والحكومة القبرصية إلى الوقوف بثبات وبطولة دفاعاً عن سيادتهم.

في كل هذه الأجزاء من العالم، تحاول الإمبريالية فرض نسختها من التعايش. وعلى الشعوب المقهورة بالتحالف مع المعسكر الاشتراكي أن تريهم معنى التعايش الحقيقي، ولزاماً على الأمم المتحدة أن تدعمهم.

إن علينا أيضاً أن نقول أنه يجب تحديد معنى التعايش السلمي بدقة ليس فقط في العلاقات بين الدول ذات السيادة. كماركسيين، نشدد على أن التعايش السلمي بين الأمم لا يتضمن التعايش بين النهابين والمنهوبين، الجلاد والضحية.

 

علاوة على ذلك، فإن المبدأ الذي أعلنته هذه المنظمة هو الحق في الاستقلال الكامل عن كل أشكال القهر الاستعماري. لذلك فإننا نعلن التضامن مع الشعوب المستعمَرة فيما يسمى غينيا البرتغالية وأنجولا وموزمبيق والتي تم ذبحها لاقترافها جريمة المطالبة بحريتها وإننا مستعدون لمساعدتهم لأقصى قدرتنا بما يتفق مع إعلان القاهرة.

كما نعلن تضامننا مع شعب بويرتوريكو وقائده العظيم بيدرو ألبيزو كامبوس الذي خرج إلى الحرية -كشكل من النفاق- بعد أن قضى عمراً كاملاً في السجن، مشلولاً وبلا قدرة على الكلام تقريباً. إن ألبيزو كامبوس يعد رمزاً لأمريكا التي لم تُستَعدْ بعد ولكنها لا تُقهر. سنوات وسنوات قضاها في السجن، مواجهاً ضغوطاً لا تحتمل، وتعذيباً نفسياً، ووحدة وعزلة تامة عن شعبه وأسرته، ووقاحة الغازي وكلابه في أرض بلاده، لا شئ على الإطلاق كسر إرادته. إن الوفد الكوبي بالنيابة عن شعب كوبا يعرب عن تقديره وإعجابه وامتنانه للوطني الذي منح أمريكا اللاتينية هذا الشرف.

لقد حاول الأمريكيون الشماليون لسنوات عديدة تحويل بويرتوريكو إلى انعكاس لثقافات هجينة – اللغة الإسبانية بتصريف إنجليزي، اللغة الإسبانية بمفصلات على عمودها الفقري، من الأفضل أن تنحني أمام جندي الولايات المتحدة. تم استخدام جنود بويرتوريكو ككبش فداء في الحروب الإمبريالية، كما حدث في كوريا، بل وتم دفعهم لإطلاق النار على أشقائهم كما حدث في المذبحة التي ارتكبها جيش الولايات المتحدة منذ شهور قليلة ضد شعب بنما الطيب، في واحدة من أحدث الأفعال الشيطانية التي نفذتها إمبريالية اليانكيز. ومع ذلك، ورغم الهجوم المروع الذي هو عكس إرادته ومضاد لمصيره التاريخي، فإن شعب بويرتوريكو قد حافظ على ثقافته وشخصيته اللاتينية وشعوره الوطني، إن كل هذا يؤكد على الإرادة العنيدة للتحرر التي تتواجد بين الجماهير على هذه الجزيرة اللاتينية.

كما علينا أن نشير إلى أن مبدأ التعايش السلمي لا يتضمن السخرية من إرادة الشعوب كما يحدث فيما يسمي بجويانا البريطانية حيث كانت حكومة رئيس الوزراء شيدي خاجان ضحية لكل أنواع الضغط والمناورة، بينما تم تأخير تحقيق الاستقلال بالبحث عن طرق تسمح بالاستهزاء بإرادة الشعب وتؤكد في نفس الوقت وجود حكومة مختلفة أكثر طاعة من الحكومة الحالية، يتم تنصيبها بتكتيكات مخادعة، بعدها تُمنح "حرية" ضرورية لهذه البقعة من الأرض الأمريكية. أياً كانت الطرق التي قد تُدفع جويانا إلى السير فيها للحصول على استقلالها، فإن كوبا توجه الدعم الأخلاقي والعسكري لشعبها.

إضافة إلى ذلك، علينا أن نشير إلى أن جزر جوادالوب ومارتينيك يقاتلون منذ وقت طويل لأجل الحكم الذاتي دون الحصول عليه، إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر.

مرة أخرى نرفع صوتنا ليكون العالم حاسماً ضد ما يجري في جنوب أفريقيا. يتم تنفيذ سياسة الأبارتهايد الوحشية أمام أعين العالم كله. إن شعوب أفريقيا لازالت مجبرة في هذه القارة على احتمال المفهوم -الذي لازال رسمياً- والذي يقول بتفوق عِرق على عِرق وباسم هذه السيادة العرقية يتم قتل الناس بلا عقاب. ألا تستطيع الأمم المتحدة فعل شئ لمنع هذا الذي يحدث؟

إني أود أن أشير خصوصاً إلى حالة الكونغو المؤلمة، الفريدة في العالم الحديث، التي توضح كيف يمكن الهزء بحقوق الشعوب بحصانة مطلقة وبسخرية وقحة. إن ثروة الكونغو الهائلة، التي تطمح الأمم الإمبريالية إلى إبقائها تحت سيطرتها، هي السبب المباشر لذلك. في كلمته التي ألقاها في زيارته الأولى للأمم المتحدة، قال رفيقنا فيدل كاسترو أن مشكلة التعايش السلمي بين الشعوب تم اختزالها في الاستيلاء غير الشرعي على ثروة الآخرين! لقد قال : "حين تختفي فلسفة النهب تلك، سوف تختفي فلسفة الحرب بدورها!".

إن فلسفة النهب ليست فقط لم تنته، بل العكس، لقد أصبحت أقوى من أي وقت آخر، لهذا فإن هؤلاء الذين استخدموا اسم الأمم المتحدة لقتل لومومبا، هم اليوم الذين باسم الدفاع عن العِرق الأبيض يغتالون الآلاف من الكونغوليين. كيف لأي منا أن ينسى كيف تمت خيانة الأمل الذي علقه باتريس لومومبا على الأمم المتحدة؟ كيف للمرء أن ينسى المكائد والمناورات التي تتابعت بعد احتلال هذا البلد بواسطة قوات الأمم المتحدة التي تحت رعايتها تمتع قتلة هذا الوطني الإفريقي العظيم بحصانة كاملة؟ كيف لنا أن ننسى أن من هزأ بسلطة الأمم المتحدة في الكونغو، ليس بدوافع وطنية، بل استناداً إلى الصراعات بين الإمبرياليين، هو مويس تشومبي الذي أطلق عملية الانفصال في إقليم كاتانجا بدعم بلجيكي؟ وكيف للمرء أن يبرر، كيف للمرء أن يشرح أنه في نهاية نشاطات الأمم المتحدة هناك، عاد تشومبي الذي تم طرده من كاتانجا كرب وسيد للكونغو؟ من يستطيع إنكار الدور الخسيس الذي أجبر الإمبرياليون الأمم المتحدة على القيام به؟

إجمالاً، عملية تعبئة درامية تمت لتجنب انفصال كاتانجا، لكن تشومبي نفسه في السلطة اليوم! ثروة الكونغو في أيادي إمبريالية والنفقات يجب أن تدفعها الأمم الشريفة. إن تجار الحرب يكسبون جيداً بلا شك. هذا ما يجعل حكومة كوبا تدعم المسلك السوفييتي العادل الذي يرفض دفع نفقات هذه الجريمة.

وكأن هذا لم يكن كافياً، فقد اندفعت في وجوهنا حوادث جديدة ملأت العالم رعباً ونقمة. من هم الجناة؟ إنهم المظليون البلجيكيون الذين نقلتهم طائرات الولايات المتحدة التي أقلعت من قواعد بريطانية. إننا نتذكر كما لو كان بالأمس أننا رأينا دولة صغيرة في أوروبا، دولة متحضرة وصناعية هي مملكة بلجيكا، غزتها جحافل هتلر. لقد علمنا بمرارة أن هؤلاء الناس كان يتم ذبحهم بواسطة الإمبرياليين الألمان وقد كان تعاطفنا ووجداننا معهم. لكن العديدين لم يدركوا الوجه الآخر للعملة الإمبريالية. ربما يكون أولاد الوطنيين البلجيك الذي ماتوا دفاعاً عن بلدهم يقتلون الآن الآلاف من الكونغوليين باسم العِرق الأبيض بالضبط كما عانوا تحت الحذاء الألماني لأن دمهم لم يكن آرياً نقياً.

لكن القشور قد سقطت عن أعيننا التي فُتحت على آفاقٍ جديدة، والآن نستطيع أن نرى ما كنا بالأمس في ظل عبوديتنا الاستعمارية، غير قادرين على ملاحظته، أن "الحضارة الغربية" تُخفي خلف واجهتها الاستعراضية مشهداً للضباع و أبناء آوي. إن هذا هو الوصف الذي يمكن إطلاقه على هؤلاء الذين ذهبوا لتنفيذ مهمات "إنسانية" في الكونغو. جزارين متعطشين للدماء يتغذون على الشعوب الضعيفة! إن هذا هو ما تفعله الإمبريالية بالرجال، هذا ما يميز الإمبرياليين "البيض".

إن الرجال الأحرار في العالم عليهم أن يكونوا مستعدين للثأر رداً على الجريمة التي تم ارتكابها في الكونغو. من المحتمل أن العديد من هؤلاء الجنود الذين حولتهم الماكينة الإمبريالية إلى "رجال خارقين" يعتقدون بنية طيبة أنهم يدافعون عن حقوق عِرقٍ أرقى، لكن في هذا الاجتماع، هؤلاء الذين اسودت جلودهم بشمس مختلفة، وتلونت بصبغات أخري، يشكلون الأغلبية، وهم يفهمون تماماً وبوضوح أن الفارق بين الرجال لا يوجد في لون جلودهم لكنه يقع في ملكية وسائل الإنتاج وفي علاقات الإنتاج.

إن الوفد الكوبي يوجه تحيته لشعوب روديسيا الجنوبية وجنوب غرب أفريقيا التي تقهرها الأقليات الكولونيالية البيضاء، لشعوب باسوتولاند (ليسوتو- المترجم)، بيشوانالاند (بتسوانا – المترجم)، سوازيلاند، الصومال الفرنسية (جيبوتي – المترجم)، عرب فلسطين، عدن والمحميات، عمان وكل الشعوب في الصراع مع الإمبريالية والاستعمار ونحن نعيد تأكيد دعمنا.

كما أعبر أيضاً عن الأمل في حل عادل للصراع الذي تواجهه شقيقتنا جمهورية اندونيسيا في علاقاتها مع ماليزيا. واحد من الموضوعات الضرورية على طاولة هذا المؤتمر هو نزع السلاح العام والكامل. إننا نعبر عن دعمنا للنزع العام والكامل للسلاح. علاوة على ذلك، نحن نتبني التدمير الكامل للأجهزة النووية الحرارية وعقد مؤتمر لكل أمم العالم باتجاه إنجاز هذا التطلع العام لكل الشعوب. في خطابه أمام هذه الجمعية، قال رئيس وزرائنا أن سباقات التسلح قادت دوماً إلى الحروب. هناك قوى نووية جديدة في العالم واحتمالات المواجهة شديدة الخطورة.

إننا نشعر أنه من الضروري انعقاد مؤتمر للوصول إلى تدمير كامل للأسلحة النووية الحرارية، وكخطوة أولى، المنع الكامل للتجارب. وفي نفس الوقت من الضروري تأسيس التزام واضح بين جميع الدول باحترام الحدود القائمة للدول الأخرى والامتناع عن التورط في أي اعتداء حتى بالأسلحة التقليدية.

بضم صوتنا لصوت جميع الشعوب التي تتطلع إلى نزع السلاح العام والكامل، تدمير جميع الترسانات النووية، الإيقاف التام لكل الأجهزة النووية الحرارية وكل أنواع التجارب النووية، نشعر أنه من الضروري التأكيد، مرة أخرى، على أنه لابد من احترام سلامة أراضي كل أمة، وأن الذراع المسلحة للإمبريالية، التي ليست أقل خطراً بأسلحتها التقليدية، لابد من كبحها. هؤلاء الذين قتلوا الآلاف من المواطنين العُزل في الكونغو، لم يستخدموا الأسلحة الذرية، وكانت هذه الأسلحة التقليدية التي استخدمها الإمبرياليون هي التي تسببت في موت الكثيرين.

وحتى لو تم وضع الإجراءات التي نتبناها موضع التنفيذ بحيث يجعل من غير الضروري قول التالي، فإنه لازال واجباً التأكيد على أننا لا يمكننا أن نلتزم بأى معاهدة إقليمية لنزع السلاح النووي طالما كانت الولايات المتحدة تحافظ على قواعد معتدية فوق أراضينا، وفي بويرتوريكو وبنما و غيرها من الدول الأمريكية حيث تشعر بأن لها الحق في نصبها هناك بلا أي قيود على التسليح التقليدي أو النووي.

لكننا نشعر أننا يجب أن نعزز دفاعنا في ضوء القرار الأخير الصادر من منظمة الدول الأمريكية ضد كوبا التي قد يتم الهجوم عليها بالتذرع باتفاقية ريو. إن قُيض لهذا المؤتمر الذي أشرنا إليه للتو أن يحقق كل تلك الأهداف – لسوء الحظ سوف يكون من الصعب فعل ذلك – فإنه قد يكون أحد أهم التطورات في تاريخ البشرية. وللتأكيد على ذلك، يجب تمثيل جمهورية الصين الشعبية، إنه لهذا السبب يجب عقد هذا المؤتمر. لكنه قد يكون أبسط لشعوب العالم أن يعترفوا بالحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي وجود جمهورية الصين الشعبية، أن حكامها هم الممثلين الوحيدين للشعب الصيني، وأنه يجب منحها المقعد الذي تستحق، والذي، في الوقت الراهن، تغتصبه الزمرة المسيطرة على إقليم تايوان بمساعدة الولايات المتحدة.

إن مشكلة تمثيل الصين في الأمم المتحدة لا يمكن بأي حال اعتبارها كمشكلة التحاق جديد بالمنظمة، بل بالأحرى كرد الحقوق الشرعية لشعب جمهورية الصين الشعبية. إننا نرفض الاعتراف بموضوعة وجود "صينين". ولا يمكن لزمرة تشانج كاي شيك في تايوان أن تبقى في الأمم المتحدة، بل يجب طردها وإحلال الممثل الشرعي للشعب الصيني محلها.

إننا نحذر أيضاً من إصرار حكومة الولايات المتحدة على تقديم مسألة التمثيل الشرعي للصين في الأمم المتحدة "كمسألة مهمة" لكي تتطلب أغلبية الثلثين في الحضور والتصويت. إن التحاق جمهورية الصين الشعبية بالأمم المتحدة هو، في الحقيقة، مسألة مهمة للعالم أجمع، لكن ليس لماكينة الأمم المتحدة حيث يجب أن تمثل مجرد مسألة إجرائية.

لذلك فإن العدل سوف يُنفذ، لكن بقدر ما يعد تحقيق العدل مهماً بقدر ما ستتم البرهنة – مرة وللأبد - على حقيقة أن دورة أغسطس هذه تستخدم عينيها لترى، وأذنيها لتسمع، ولسانها لتنطق، ولها معايير محددة لاتخاذ قراراتها.

إن انتشار الأسلحة الذرية بين الدول الأعضاء لحلف الناتو، وخاصة امتلاك جمهورية ألمانيا الفيدرالية لوسائل الدمار الشامل تلك، قد يجعل إمكانية الاتفاق على نزع التسليح أكثر بعداً، ومما يتصل بتلك الاتفاقية مشكلة التوحيد السلمي لألمانيا. وطالما ليس هناك تفاهم واضح، فإنه يجب الاعتراف بوجود شطري ألمانيا: جمهورية ألمانيا الديمقراطية والجمهورية الفيدرالية. إن المشكلة الألمانية يمكن حلها فقط من خلال اشتراك جمهورية ألمانيا الديمقراطية مباشرة وبكامل حقوقها في المفاوضات.

من الواجب علينا أن نمر سريعاً على مسائل التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية التي استحوذت على حيز جيد في الأجندة. في خلال هذا العام، 1964، انعقد مؤتمر جنيف حيث تمت مناقشة حزمة من القضايا متصلة بموضوعات العلاقات الدولية التي تناولناها. إن تحذيرات وتوقعات وفدنا تم تأكيدها بوضوح ولسوء حظ الدول التابعة اقتصادياً.

نود فقط أن نشير إلى أنه حتى الآن فيما يتعلق بكوبا، فإن الولايات المتحدة لم تنفذ التوصيات الواضحة الصادرة عن هذا المؤتمر، ومؤخراً منعت الولايات المتحدة بيع الأدوية لكوبا، لذلك فإنها تجرد نفسها مرة وإلى الأبد من قناع الإنسانية الذي حاولت به إخفاء الطبيعة العدوانية لحصارها المضاد لشعب كوبا.

علاوة على ذلك، فإننا نؤكد مرة أخرى أن تلك المكائد الاستعمارية التي تعرقل تطور الشعوب لا تقتصر فقط على العلاقات السياسية. إن ما يسمى بتدهور شروط التجارة ليس إلا نتيجة للتبادل اللامتكافئ بين الدول المنتجة للمواد الخام والدول الصناعية التي تهيمن على الأسواق وتفرض عدلاً مزوراً على أساس قيم تبادل جائرة.

طالما لم تحرر الدول التابعة اقتصادياً نفسها من السوق الرأسمالي، وتتحرك ككتلة مع الدول الاشتراكية لتفرض شروطاً تجارية جديدة بين المنهوبين والناهبين، فلن يكون هناك أي تقدم اقتصادي ملموس، بل وفي بعض الحالات سوف يحدث تراجعاً، حيث تسقط الدول الضعيفة تحت الهيمنة السياسية للإمبرياليين والاستعماريين.

أخيراً، لابد أن يكون واضحاً أنه في منطقة الكاريبي تجري الاستعدادات والمناورات للعدوان على كوبا، أهمها قبالة ساحل نيكاراجوا، في كوستاريكا وفي منطقة قناة بنما، في جزر فييكس في بويرتوريكو، في فلوريدا وقد يكون في مناطق أخرى من أراضي الولايات المتحدة، وكذلك ربما في هندوراس، يتدرب المرتزقة الكوبيون ومن جنسيات أخرى لغرض لا يمكن أن يكون سلمياً.

بعد فضيحة مكشوفة، يقال أن حكومة كوستاريكا أمرت بتصفية كل ميادين تدريب المنفيين الكوبيين في هذا البلد. لا أحد يعلم إن كان هذا التوجه مخلصاً، أو أنه مجرد مناورة، لأن المرتزقة هناك كانوا على وشك تنفيذ بعض الهجمات. إننا نتمنى أن تتم إحاطة كاملة بالوجود الفعلي لهذه القواعد العدوانية التي قمنا بإدانتها منذ وقت طويل، وأن العالم سوف ينظر في المسؤولية الدولية لحكومة بلد ترخص وتسهل تدريب مرتزقة للهجوم على كوبا.

كما يجب أن نشير إلى أن أخبار تدريب مرتزقة في أماكن مختلفة من الكاريبي ومشاركة حكومة الولايات المتحدة في مثل هذه الأفعال هي أخبار تظهر علناً في صحف الولايات المتحدة. ونحن لم نسمع بصوت أمريكي لاتيني رسمي واحد ارتفع احتجاجاً على هذا، ما يظهر بأي قدرٍ من السخرية تحرك الولايات المتحدة بيادقها.

إن وزراء خارجية منظمة الدول الأمريكية الدواهي لديهم عيون لترى الرايات الكوبية، ولتجد دليلاً لا يُدحض في أسلحة اليانكيز في فنزويلا، لكنها لا ترى استعدادات العدوان في الولايات المتحدة، بالضبط كما لم يسمعوا صوت الرئيس كينيدي الذي أعلن بنفسه صراحة أنه كان هو المعتدي في بلايا خيرون (خليج الخنازير – المترجم). في بعض الحالات يكون العمى المدفوع بالكراهية التي تكنها الطبقات الحاكمة لشعب أمريكا اللاتينية ضد ثورتنا، في حالات أخرى، وهي مؤسفة بشكل أكبر، تكون نتيجة للضوء الساطع لشيطان الجشع.

كما يعلم الجميع، بعد الهيجان الفظيع الذي أُطلق عليه "أزمة الكاريبي" تعهدت الولايات المتحدة بالتزامات محددة مع الاتحاد السوفييتي أدت إلى سحب بعض أنواع الأسلحة التي نتيجة للهجوم المتواصل الذي تشنه هذه الدولة – كهجوم المرتزقة في بلايا خيرون والتهديد بغزو دولتنا – اضطررنا لنشرها في كوبا كعمل شرعي للدفاع. علاوة على ذلك، طالب الأمريكيون بأن تقوم الأمم المتحدة بتفتيش أراضينا، وهو ما رفضناه ونرفضه بشكل قاطع لأن كوبا لا تعترف بحق الولايات المتحدة أو أي جهة في العالم في تحديد نوعية الأسلحة المسموح لها بحيازتها داخل حدودها.

في هذا الصدد، فإننا سوف نلتزم فقط بالاتفاقيات متعددة الأطراف، والتي تفرض التزامات متساوية على كافة الأطراف المعنية. وقد أعلن فيدل كاسترو أنه " طالما تواجد مفهوم السيادة كحق للأمم وللشعوب المستقلة، وكحق لجميع الشعوب، فإننا لا نقبل أن يُستثنى شعبنا من هذا الحق، طالما أن العالم تحكمه هذه المبادئ، طالما أن العالم تحكمه هذه المفاهيم ذات الصلاحية العالمية لأنها مقبولة عالمياً من كافة الشعوب، فإننا لا نقبل محاولة حرماننا من أي من هذه الحقوق ولن نتنازل عن أي من هذه الحقوق".

لقد تفهم السكرتير العام للأمم المتحدة يوثانت أسبابنا. ومع ذلك افترضت الولايات المتحدة أنه يمكنها تأسيس حق جديد، استبدادي وغير شرعي، حق انتهاك المجال الجوي لأي دولة. لذلك فإننا نرى تحليق طائرات يو-2 وغيرها من وسائل التجسس التي تحلق في مجالنا الجوي دون عقاب. لقد وجهنا جميع التحذيرات الضرورية للتوقف عن اختراق مجالنا الجوي وكذلك استفزازات البحرية الأمريكية ضد مراكز حراستنا في منطقة جوانتانامو، أزيز الطائرات فوق سفننا وسفن من جنسيات أخرى في المياه الدولية، الهجمات القرصانية ضد سفن تحمل أعلام مختلفة، تسريب الجواسيس والمخربين والأسلحة داخل جزيرتنا.

إننا نريد بناء الاشتراكية، لقد أعلنا أنفسنا كأنصار لهؤلاء الساعين من أجل السلام، أعلنا عن موقعنا ضمن مجموعة دول عدم الانحياز، مع أننا ماركسيين لينينيين، لأن دول عدم الانحياز، مثلنا، تحارب الإمبريالية. إننا نريد السلام، نريد بناء حياة أفضل لشعبنا، وهذا ما يجعلنا نتجنب الرد، طالما كان ذلك ممكناً، على الاستفزازات المتعمدة من قبل اليانكي. لكننا نعرف عقلية حكام الولايات المتحدة، إنهم يريدوننا أن ندفع ثمناً غالياً جداً لهذا السلام. ونحن نرد أن الثمن لا يمكن أن يتخطى حدود الكرامة.

وكوبا تعيد التأكيد مرة أخرى على حقها في الاحتفاظ بالأسلحة التي تريد فوق أراضيها ورفضها الاعتراف بحق أي قوة على الأرض – مهما كانت قوتها – لانتهاك أرضنا، مياهنا الإقليمية ومجالنا الجوي. إذا تعهدت كوبا –في أي اجتماع- بأي التزامات ذات طبيعة جماعية فإنها سوف تنفذها بالحرف. وطالما لم يحدث ذلك، فإن كوبا تتمسك بحقوقها مثلها مثل أي أمة أخرى.

رداً على مطالبات الإمبريالية فإن رئيس وزرائنا طرح النقاط الخمس الضرورية لإيجاد سلام حقيقي في الكاريبي، وهي كما يلي :

إيقاف الحصار الاقتصادي وكل الضغط الاقتصادي والتجاري الذي تمارسه الولايات المتحدة في كل مكان في العالم على بلدنا.

إيقاف كل الأنشطة التخريبية، إطلاق وإنزال الأسلحة والمتفجرات عبر الجو والبحر، تنظيم غزوات المرتزقة، تسريب العملاء والمخربين، كل الأفعال التي يتم تنفيذها إنطلاقاً من أراضي الولايات المتحدة وبعض الدول المتواطئة.

إيقاف الهجمات القرصانية التي تنطلق من قواعد متواجدة في الولايات المتحدة وبويرتوريكو.

إيقاف كل انتهاك لمجالنا الجوي ومياهنا الإقليمية بواسطة الطائرات والسفن الحربية الأمريكية.

الانسحاب من قاعدة جوانتانامو البحرية وإعادة الأراضي الكوبية التي تحتلها الولايات المتحدة.

 

لم تتم الإستجابة لأي من هذه المطالب الأساسية، ولازالت قواتنا تتعرض للاستفزاز من القاعدة البحرية في جوانتانامو. هذه القاعدة التي تحولت لوكر للصوص ونقطة يتم دفعهم منها إلى داخل أراضينا.

إننا قد نصيب هذا الاجتماع بالملل لو أننا أعطينا حساباً تفصيلياً للعدد الكبير للاستفزازات من كل الأنواع. يكفي أن نقول أنه بحساب اليوم الأول من ديسمبر، فإن العدد يرتفع إلى 1323 في عام 1964 فقط. تضم القائمة انتهاكات ثانوية كانتهاك خط التقسيم، إطلاق أجسام من الأراضي الخاضعة لسيطرة الأمريكيين الشماليين، ارتكاب الأمريكيين الشماليين لأفعال استثارة جنسية، سباب لفظي، وغيرها من الأفعال الأخطر كإطلاق النار من أسلحة ذات عيارات صغيرة، المناورة بأسلحة موجهة ضد أراضينا والتهجمات على شعارنا الوطني. الاستفزازات الأخطر تتجلى في عبور خط التقسيم وإشعال النيران في منشآت على الجانب الكوبي، 78 طلقة بندقية تم إطلاقها هذا العام، والموت المفجع للجندي رامون لوبيز بينا برصاصتين من موقع للولايات المتحدة على بُعد ثلاثة كيلومترات ونصف من الساحل على الحد الشمالي.

هذا الاستفزاز الخطير حدث الساعة 19:07 يوم التاسع عشر من يوليو 1964 وقد صرَّح رئيس وزرائنا علناً في السادس والعشرين من يوليو أنه إذا تكرر الحادث فإنه سوف يصدر أوامراً لقواتنا لصد العدوان. في نفس الوقت تم إصدار الأوامر بانسحاب الخط الأمامي من القوات الكوبية لمواقع أبعد عن خط التقسيم وإنشاء الثكنات الضرورية.

ألف وثلاثمائة وثلاثٌة وعشرون استفزازاً في 340 يوماً بمعدل أربعة استفزازات يومياً. جيشٌ ذو انضباط ممتاز يتمتع بروحٍ معنوية  عالية كجيشنا هو فقط الذي يستطيع مقاومة هذا القدر من الأفعال العدوانية دون أن يفقد السيطرة على نفسه.

لقد اجتمعت سبع وأربعون دولة في المؤتمر الثاني لرؤساء دول وحكومات دول عدم الانحياز وقد اتفقوا بالإجماع أن :

 

"الملاحظة المثيرة للقلق أن القواعد العسكرية الأجنبية هي، في التطبيق العملي، وسيلة للضغط على الأمم وتأخير انعتاقها وتطورها طبقاً لأفكارها الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والثقافية... المؤتمر يعلن دعمه الكامل للدول الساعية لإجلاء القواعد الأجنبية الموجودة على أراضيها ويدعو كل الدول التي تحتفظ بقوات وقواعد في دول أخرى أن تزيلها فوراً.

إن المؤتمر يعتبر أن احتفاظ الولايات المتحدة بقاعدة جوانتانامو(كوبا) العسكرية في تحدي لإرادة حكومة وشعب كوبا وفي تحدي للأحكام الواردة في بيان مؤتمر بلجراد يشكل انتهاكاً لسيادة كوبا وسلامة أراضيها.

إن الحكومة الكوبية تعلن عن استعدادها لتسوية الجدل حول قاعدة جوانتانامو مع الولايات المتحدة على قدم المساواة، لذا فالمؤتمر يطالب حكومة الولايات المتحدة بالتفاوض حول إخلاء قاعدتهم مع الحكومة الكوبية"

لم تستجب حكومة الولايات المتحدة لطلب مؤتمر القاهرة أعلاه، وتفترض إمكانية إحتلال جزء من أراضينا بالقوة إلى ما لا نهاية، حيث تشن منه أعمالها العدوانية كالتي ذكرناها آنفاً.

لقد أدانتنا بشدة منظمة الدول الأمريكية – يسميها بعض الناس أيضاً بوزارة الولايات المتحدة لشؤون المستعمرات – بالرغم من أنها استثنتنا من وسطها، وأمرت أعضاءها بقطع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع كوبا. لقد شرعنت أواس (منظمة الدول الأمريكية – المترجم) العدوان ضد بلدنا في أي وقت وتحت أي ظروف وانتهكت القوانين الدولية الأكثر أهمية، وتجاهلت الأمم المتحدة تماما. لقد عارضت الأوروجواي وبوليفيا وتشيلي والمكسيك هذا الإجراء، ورفضت حكومة الولايات المتحدة المكسيكية الإذعان للعقوبات التي تمت الموافقة عليها. ومنذ ذلك الحين ليست لنا علاقات مع أي دولة أمريكية لاتينية بخلاف المكسيك، لذا فإن الإمبرياليين نفذوا واحدة من المراحل التأسيسية لخطة العدوان المباشر.

إننا نود أن نشير مرة أخرى إلى أن قلقنا حيال أمريكا اللاتينية قائم على الروابط تجمعنا، اللغة التي نتحدث بها، ثقافتنا، والسيد الذي كان مشتركاً بيننا. لكننا ليس لدينا سبب آخر لرغبتنا في تحرير أمريكا اللاتينية من نير استعمار الولايات المتحدة. لو أن أياً من دول أمريكا اللاتينية قررت استئناف العلاقات فلابد أن تكون على أساس المساواة وليس بافتراض أنها منحة لحكومتنا أن يتم الاعتراف بنا كبلد حر في العالم، لقد كسبنا هذا الاعتراف بدمنا في أيام نضالنا من أجل التحرر. لقد حققناه بدمنا في دفاعنا عن شواطئنا ضد غزو اليانكي.

بالرغم من رفضنا لأي محاولة تنسب إلينا التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فإننا لا نستطيع إنكار تعاطفنا مع هذه الشعوب الساعية للحرية، وعلينا أن نفي بالتزام حكومتنا وشعبنا ونعلن بوضوح وبشكل قاطع للعالم أننا ندعم معنوياً ونشعر أننا كلٌ واحدٌ مع أي شعب أينما كان يناضل لتحويل حق السيادة الكاملة المعلن في ميثاق الأمم المتحدة إلى حقيقة.

إنها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتدخل في شئون الغير. لقد فعلت ذلك خلال تاريخ أمريكا كله. منذ نهاية القرن الماضي، أدركت كوبا جيداً حقيقة هذا الأمر، وهو معلوم جيداً أيضاً لفنزويلا ونيكاراجوا وأمريكا الوسطى عموماً، المكسيك وهاييتي وسانت دومينجو. في الأعوام الأخيرة، بالإضافة إلى شعبنا، عرفت بنما العدوان المباشر، حين فتح مشاة البحرية في القناة النار على الشعب الأعزل، سانت دومينجو التي انتهك أسطول اليانكي ساحلها لتجنب انفجار الغضب العادل للشعب بعد مقتل تروخيلو، وكولومبيا التي أُخِذت عاصمتها بالقوة كنتيجة للانتفاضة التي أطلقها اغتيال جايتان.

هناك تدخلات مقنَّعة من خلال البعثات العسكرية التي تشارك في القمع الداخلي، عبر تنظيم القوات المخصصة لهذا الغرض في دول عدة، وأيضاً في الانقلابات التي تتكرر مراراً في القارة الأمريكية خلال الأعوام القليلة الماضية. وبشكل محدد، شاركت الولايات المتحدة في قمع شعوب فنزويلا وكولومبيا وجواتيمالا التي تخوض نضالاً مسلحاً من أجل الحرية. في فنزويلا لا يقوم الأمريكيون فقط بدور مستشاري الجيش والشرطة، لكنهم أيضاً يوجهون أعمال التطهير العرقي من الجو ضد جماهير الفلاحين في الأماكن الواسعة التي يسيطر عليها الثوار، وقد مارست شركات الولايات المتحدة ضغوطها من كل نوع لزيادة تدخلها المباشر.

يعد الإمبرياليون لقمع شعوب أمريكا ويؤسسون شبكة للجريمة الدولية. لقد تدخلت الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية وهي تدعي الدفاع عن المؤسسات الحرة. سوف يأتي الوقت الذي يكتسب فيه هذا الشعار نضجاً أكبر ويفرض على حكومة الولايات المتحدة ضمانات لحياة السود والسكان من الأمريكيين اللاتينيين الذين يقيمون في هذه الدولة ومعظمهم ممن ولدوا فيها أو صاروا مواطنين أمريكيين مجنسين.

كيف يدعون أنهم "حراس الحرية" وهم يقتلون أطفالهم ويفرقون بين الناس يومياً بسبب لون بشرتهم، وهم لايكتفون بتحرير قتلة ذوي البشرة الملونة، بل ويقومون بحمايتهم بينما يعاقبون السكان الملونين لأنهم يطالبون بحقوقهم الشرعية كبشر أحرار؟ إننا نفهم أن الجمعية اليوم ليست في موقف يسمح لها بطلب تفسيرات لهذه الأفعال لكن يجب أن يكون مفهوماً بشكل واضح أن حكومة الولايات المتحدة ليست بطل الحرية بل إنها تقترف جريمة نهب وقمع شعوب العالم وجزء كبير من سكانها.

في مقابل اللغة المراوغة التي زينت بها بعض الوفود حالة كوبا ومنظمة الدول الأمريكية، فإننا نرد بكلمات واضحة، أن الحكومات تدفع ثمن خيانتها.

كوبا، الدولة ذات السيادة، التي لا قيود تربطها بأحد، ولا استثمارات أجنبية على أراضيها، ولا قناصل مخصوصين يوجهون سياستها، تستطيع أن تتكلم بفخر في هذه الجمعية لتثبت عدالة الشعار الذي سوف نُعمَّد به دائماً "أرض أمريكا الحرة".

إن مثالنا سوف يثمر في قارتنا، كما يحدث بالفعل إلى حد ما في جواتيمالا وكولومبيا وفنزويلا. لم يعد الإمبرياليون يتعاملون مع عدو صغير، قوة تافهة، لأن الشعوب لم تعد معزولة.

وكما نص إعلان هافانا الثاني :

 

"لا يوجد شعب ضعيف في أمريكا اللاتينية لأنه جزء من عائلة من مائتي مليون أخ يخضعون لنفس المآسي، يكتمون نفس المشاعر ولديهم نفس العدو، بينما يحلمون جميعاً بنفس المصير الأفضل ويحوزون دعم كل الرجال والنساء المخلصين في العالم.

إن تاريخ المستقبل سوف تكتبه الجماهير الجائعة من الهنود، الفلاحين المحرومون من الأرض، العمال المنهوبون، سوف تكتبه الجماهير التقدمية، المثقفون اللامعون المخلصون الذين تزخر بهم أرض أمريكا اللاتينية التعيسة، بنضال الجماهير وبالأفكار، ملحمة سوف تحملها قُدماً شعوبنا التي أساءت الإمبريالية معاملتها واحتقرتها، شعوبنا التي حتى الآن لم يُعترف بها لكنها الآن تنهض. لقد اعتُبِرنا قطيعاً خاضعاً عاجزاً، لكنهم الآن يرتعدون من هذا القطيع، قطيع عملاق من 200 مليون أمريكي لاتيني ترى فيه رأسمالية اليانكي الاحتكارية حفاري قبرها..

 

إنهم الآن – من أقصى القارة إلى أقصاها – يعلنون بوضوح أن الساعة قد حلت، ساعة برائتهم. هذه الكتلة المجهولة، أمريكا الملونة، الكئيبة، قليلة الكلام، التي تغني عبر القارة نفس الأغنية الحزينة، المتفجعة، الآن هذه الكتلة بدأت بالتأكيد تدخل في تاريخها الخاص، بدأت تكتبه بدمها، وتعاني وتموت من أجله. لأنه الآن في الحقول وفي جبال أمريكا، في سهولها وغاباتها، في البرية وفي صخب المدن، على شواطئ المحيطات العظيمة والأنهار، عالم بدأ يتشكل تملؤه القلوب المتسارعة المستعدة للموت من أجل ما هو لها، لانتزاع حقوقها التي تم الهزء بها على مدى ما يقرب من خمسمائة عام.

نعم سيكون على التاريخ الآن أن يأخذ فقراء أمريكا في الاعتبار، منهوبي أمريكا اللاتينية الذين قرروا أن يبدأوا بأنفسهم – وللأبد -كتابة أوديسا الخاصة بهم. إننا بالفعل نراهم يسيرون عبر هذه الطرق، على أقدامهم، يوماً بعد يوم، في مسيرات طويلة ولا نهائية، مئات الكيلومترات حتى يصلون إلى آلهة الأوليمب الحاكمة يعيدون انتزاع حقوقهم. نراهم مسلحين بالحجارة، بالعصي، بالمناجل، هنا وهناك وفي كل مكان، يومياً يحتلون أراضيهم ويمدون فيها الجذور ويدافعون عنها بحياتهم، نراهم يحملون اللافتات، لافتاتهم تندفع في رياح الجبال وفي السهول. وهذه الموجة من الغضب المتصاعد، من المطالب العادلة في الحقوق التي تم امتهانها، ترتفع عبر أمريكا اللاتينية ولا أحد يستطيع إيقاف هذا المد، إنه سوف ينمو يوماً بعد يوم لأنه مصنوع من هذا الحشد العظيم  في كل النواحي، هؤلاء الذين بعملهم يخلقون ثروات الأرض ويديرون عجلة التاريخ، هؤلاء الذين ينهضون الآن من السبات الوحشي الطويل الذي أُخضعوا له.

لهذا صرخت هذه الكتلة العظيمة من البشرية "كفى" وبدأت تمضي قدماً. في مسيرتها، مسيرة العمالقة، التي لا يمكن إيقافها، ولن تتوقف حتى تنتزع استقلالها الحقيقي، الذي من أجله بالفعل مات الكثيرون بدون فائدة. لكن اليوم، من يموتون سوف يموتون كما مات الكوبيون في بلايا خيرون، سوف يموتون من أجل ما لا يمكن التخلي عنه، فقط استقلالهم الحقيقي".

تلك الإرادة الجديدة لقارة أمريكا بأكملها، تظهر في الصرخة التي تطلقها جماهيرنا يومياً كتعبيرلا يقبل الجدل عن قرارها بأن تقاتل، وأن تشل الذراع المسلح للغازي. إنها الصرخة التي تتفهمها وتدعمها كل شعوب العالم وخاصة المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي.

هذه الصرخة هي "الوطن أو الموت".