الأحد، كانون(۱)/ديسمبر 05، 2021

اليسار العربي... والدور المطلوب

  د. حسن خليل
متفرقات
دولنا كما منطقتنا هي اليوم في طور إعادة التكوين من بوابات المصالح "المُحدّثة" لدول السيطرة وتكريساً لهيمنتها.

لقد أصبحت اليوم، منطقة الشرق الأوسط، منطقة الزلازل المستمرة والعائمة على آبار النقمة المتوارثة، على مشرحة التقييم لأدائها وسلوكها ووظيفتها وضرورتها. فانتهاء مفاعيل دول سايكس بيكو وأدوارها، سيؤدي، في كل الأحوال، إلى إعادة صوغ الوظائف المفترضة للكيانات الموجودة، بما يتوافق مع مصالح القوى المؤثرة، القديم منها والمستجد؛ طريق الحرير، كما طريق حيفا / الخليج، كما طريق سد النهضة، كما طريق التطبيع... كلها تمر على تقاطعات الدول العربية ومفارقها وداخل حدودها. دولنا كما منطقتنا هي اليوم في طور إعادة التكوين من بوابات المصالح "المُحدّثة" لدول السيطرة وتكريساً لهيمنتها.

لقد خضعت عملية استيلاد "شرق أوسط جديد" لمفاعيل احتلال بدأ منذ 2001 ولمّا ينته بعد. اليوم، نحن على أبواب اشتباك جديد، ربما بارد، بين قوى تعاود تظهير نفسها على الصعيد الدولي وكذلك على الصعيد الإقليمي. النظام الرسمي العربي، بدوله وممالكه وإماراته هو تحت مقصلة إعادة التشكّل بوظائفه المفترضة، وبأكثرية واضحة ينشد التطبيع مع العدو. قواه المتحكمة، والحاكمة بأمر الفوضى والدين والمذهب والعرق والتوارث لم تستطع أن تخط لنفسها أدوراً محورية في هذه المنازلة القائمة، كما قوى الاعتراض، والتي في أكثريتها من الطبيعة نفسها. ويبقى الغائب، والذي طالت تغريبته، هو اليسار، الذي حُمّل، بجزء منه، وزر أنماط من "نظم حاكمة"؛ بعضها أخطأ في بناء "حكم الشعب" وأصاب في فهمه لطبيعة الصراع. وبعضها الآخر أخطأ في الاثنين، وغالى بذلك حدّ التدمير الذاتي له ولبلده، وآخرون لم يتسن لهم الحكم، فتنقلوا بين المنافي والسجون والمقابر، تتجاذبهم رياح التغيير المتتالية فمالوا مع اتجاهاتها. وبقية باقية لم تحكم، بل نسجت لنفسها أدواراً مرحلية، أبلت بلاءً حسناً، لكن تأثرت بمجريات الأحداث فتعطّلت بأكثريتها.

جدلية التأسيس ومأزقه

هو ذلك اليسار الذي أبصر النور مبكراً في منطقتنا؛ لقد واكب انطلاقة المشاريع الغربية فانطلق مواجهاً، ومن بوابة فلسطين بالذات، كما من بوابات التحرر الوطني. لم تغشَ عليه الرؤية ولا التبس عليه الفهم الحقيقي لطبيعة الصراع القادم وأهدافه ودوله وأساليبه. عملية الربط الضرورية، بين التحرر القائم بجوهره على رفض الوصايات تمهيداً لكسرها، كانت أساس النشوء وسبباً له. وعلى ذلك النور المتأتي من ثورات، بدأت تتفتح نتائجها دولاً ونظماً ومبادئ، خاض معاركه وكان مسموعاً ثم أصبح مقموعاً. قضية فلسطين ببعدها السياسي كانت فاتحة الفهم العلمي والمادي لنوعية الصراع وطبيعته وأهدافه، القضية التي استجلبت الاستيطان الصهيوني إلى قلب بلاد تقع بين محيطين وتربط بينهما. الوعي الفطري للشعوب، والتي بادرت إلى الاستجابة الطوعية لعملية الدفاع عن فلسطين أو لرفض الاحتلال، لا يمكن فصلها عن الوعي النظري الذي أسسته أحزاب وتنظيمات، نادت بأفكار الاستقلال والرفض للاستعمار والاحتلال والنضال من أجل الإنسان... بكل فروعها، الماركسية منها والقومية والوطنية وحتى المحلية. لقد اعتصم ذلك اليسار بمنطق "التعفف"، فكان يجهد في صقل النظرية ويخفق في التطبيق. ساهم بوضوح في رسم معالم تلك المواجهة وخاض بعضاً منها. خضع لمأزق الحرب الباردة وموجباتها، فلطالما دفع أثمان لعبة الاستقطاب العالمية بين قطبين متناقضين فدفع من كيس مبادئه تنازلاً لنظم كانت تلعب أدواراً مزدوجة، فخسر في الكثير من المواضع، من مبادئه واستكمالاً من سلوكياته. لم يستطع هذا اليسار أن يخطّ لنفسه مسارات مستقلة ودائمة، بل كان يلعب في ملاعب عديدة ومع لاعبين كثر. لقد يمم وجهه صوب القضية الفلسطينية بقوة، وأسهم في نضالاتها، ودفع الأثمان، كما انخرط في موقعة الدفاع عن حقوق الفلاحين والفقراء والعمال، لكن النظم السياسية التي استفادت من الانكسارات المتتالية للنظم البائدة التي أعقبت مرحلة الاستقلال الوطني، لتأخذ من ذلك اليسار، "الثوري" طروحاته، لتجيرها في صندوقة سياساتها ومساوماتها، فدفع اليسار، كما الشعوب، ثمن ازدواجية المعايير واختلاف الوجهات التي نظرت باتجاهها تلك النظم. والنتيجة كانت انكفاءً، في كثير من الأحيان، واضحاً باتجاه تلك الأنظمة، وتحمل وزر أخطائها وقمعها وتقصيرها. لم يستطع بعض اليسار أن يتجاوز خطوط الرمال المرسومة مع سايكس بيكو، فحشر نفسه في "وطنية" مفرطة أحياناً وخصوصية استنزفت بعض مقدراته. لم تنجح مبادرات عدة لتوحيد النظرة وربطها بالسلوك العملي في تناول قضايا، كانت في أساس السياسات الغربية في منطقتنا، وليس أقلها الحدود المفروضة والتنمية والتبعية القائمة على تعميم نظم اقتصادية غير قادرة على الإنتاج. بالإضافة إلى مسألة مواجهة أساس المشكلة المتمثلة بالمشروع القادم من الغرب وموقعه المتقدم الكيان الصهيوني.

ما الدور المطلوب اليوم؟

لم ينجح اليسار العربي، رغم بعض المحاولات، في إطلاق مواجهة شاملة بالقضايا والجغرافيا. اليوم، تعود المسائل نفسها لتشكل تحديات مفصلية أمام شعوبنا العربية، وأيضاً معايير إضافية لإعادة استنهاض مشروع تحرري عربي يقوم على ازدواجية المعركة؛ التنمية بموجباتها والتحرر بمتطلباته. وإذا كان هناك ثمة ثقب أسود في مسار خوض هذه الاستحقاقات، فلم يكن إلّا محاولات فصل تلك القضايا بعضها عن بعض، والعمل على القطعة وبفئوية، افقدت اليسار العربي ثقله الطبيعي، الموجود ولكن المعطّل وغير القادر على الحركة أو المبادرة. نحن على مشارف تحولات، ربما ستكون جوهرية، في المنطقة؛ تترجح، ما بين انسحاب غربي، أو أقله إعادة انتشار أو تموضع، وبين صعود وظيفي لدول إقليمية، تتوسل أدواراً بمجالات حيوية، فيما شعوبنا العربية تقف متفرجة على أنظمتها التي غالت في التبعية حدّ الاستكانة، وتخطت بأفعالها حدود المعقول. العجز والفشل والعمالة والاستجابة الطوعية والمفرطة، كما الفقر والأمية والمرض... أصبحت بمعظمها معايير لنظم سياسية مستبدة، بتركيبتها ووظيفتها، تحكم وتهدر مقدرات وتفرط بنقاط القوة مجاناً، تسدد الفواتير المسبقة ولا تتوانى عن تنفيذ ما تمليه تلك السياسات القادمة والمحمّلة على قطار الغرب، المرتبك حالياً في ظل ظهور منافسة جدّية له، فتندفع، إلى الأمام، غير مبالية بمصالح شعوبها ودولها. هي حالة من العجز البنيوي والتشوه الخُلقي المستدام؛ فهل هناك ظروف موضوعية أفضل ليسار، أراد التغيير في كل شيء، كي ينفض عن كاهله عبء عقود من الاستكانة والجمود، ويبادر باتجاه طرح مشروعه البديل المرتكز على ثنائية التحرر والتحرير؟ إن مقاربة قضايا العصر الراهنة، بمختلف جوانبها لا يمكن أن تكون إلّا من خلال مسار أكثر إنسانية وانحيازاً إلى الإنسان وقيمه وحياته وآماله... فهو القيمة المضافة التي يجب التحوط عليها، والاندماج فيها كي تبقى رأسمالاً دائم الإنتاج.

المقاومة بجوانبها المتعددة، والمواجهة بأوجهها المتنوعة يجب أن تبقى الاستراتيجية التي ستحدد في أي اتجاه يجب أن تذهب الأمور. لا يسار من دون قضية وطنية جامعة، لا يسار من دون قضية اجتماعية منحازة للمسحوقين بفعل سياسات الهيمنة من جهة والتبعية من جهة أخرى. لا يسار من دون تحالفات واضحة لا لبس فيها ولا التباس؛ مكمن الخلل ليس في طبيعة التكوين بل في وظيفته المعمول لأجلها. ربما تبسيط الأمور يسهّل الخيارات ووضوح الرؤية يجعله أكثر سطوعاً: قرن من الزمان كانت كافية لفهم طبيعة المواجهة؛ مع التحرر الوطني، مع التحرير، مع فلسطين مع جمول... لم يكن السؤال مع من نجلس بل من نقاتل؟