الخميس، نيسان/أبريل 22، 2021

الاشتباك الخفيّ... تلك خطوطه فأين المواجهة؟

  د. حسن خليل
متفرقات
تسارع الأحداث يستوجب سرعة المبادرة... فلنبادر

"فرّق تسد"، هو مصطلح دأب على استخدامه كل من استعمر أو من يريد الهيمنة. فهو يحمل في مضمونه الكثير من الإجرام كما العدوان. وعلى ذلك المنطق المقلوب بُنيت سياسات وقُسّمت مناطق وقامت أنظمة وقُهرت شعوب، لم تسلم منها منطقة الشرق الأوسط، المنبسطة على امتداد قارات ثلاث، والقابعة في قلب العالم، تتحكم بالممرات كما بمصادر الطاقة، والتي كانت دوماً هدفاً لكل عقل توسعي أو صاحب سلطة. لقد توارثتها إمبراطوريات متعددة، ولكل واحدة منها أهدافها التي سيرت جيوشها بهدف تحقيقها. وفي الحصيلة، استمرت هذه المنطقة في مكابدة الاحتلالات ومواجهتها.

نعم لقد ابتليت منطقة – تغسل رأسها في الأطلسي وتمرّن أرجلها في الهمالايا – بموجات من الغزو المتعدد الأصول والأعراق، من البرابرة إلى "المتحضّرين"، والنتيجة كانت واحدة؛ لا دول مستقلة، لا استفادة من خيرات، ولا تنمية، كما لا وجود فاعلاً على مسرح الأحداث الدولية، بل بالعكس، لقد أصبحت مسرحاً لتكوين السياسات ومختبراً لمفاعيلها. فالاستفادة من تنوعها تحولت إلى منطلق لمآسيها. والاستفادة من خيراتها تحولت إلى مفتاحٍ لبوابات جهنم القادمة على متن الأساطيل والجحافل براً وبحراً وجواً. لقد قُسمت على ما قدّر حكّام العالم منذ قرن من الزمن، فجعلوا من مقولة "فرق تسد" المحدد للحدود وترسيماتها، وهي المرتبطة بمصالحهم وليس بمصالح شعوب المنطقة. أوجدوا من الكيانات عدداً كبيراً غير قادر على الحياة ولا قابلية لديه عليها وموجباتها.

يُقال في التاريخ، بأن ثمة شعوباً سكنت هذه المنطقة، ركب ناسها البحر لتجاراتهم فرست سفنهم حيث وصلت، لم تمنعهم حدود أو شروط. ويُقال أيضاً بأن شعوباً، من المنطقة ذاتها، طافت في الأرجاء والفيافي يتقفون أثر الثقافة والعلم والحكمة، فكان لهم أن وصلوا إلى بلدان لا تتقن لغتهم فتفاعلوا معها. هي بلاد الحدود المفتوحة على طريق الحرير وعلى تجارة الخشب وعلى تلقف الحكمة والفلسفة؛ فانشغل سكانها برسم الخرائط وتصنيف المعلومات وتسطير الأقوال. هي بلاد الأسطرة والعلم والخوارزميات، ومنها انطلقت لتنير عصور الظلام التي أحرقت فيها محاكم التفتيش كل إبداع وكل مبدع. وعليه، كان "ساطور" الأمم الناتجة من تبدل طبيعة الصراع، الذي ارتكز على منطق إمبرياليات متنافرة حسب مصالحها، يفتك بالبشرية من خلال حروبها العالمية بهدف منع أي فكر متحرر أو استقلال، فجاءت تلك "التقسيمة"، المانعة لكل اجتماع، وغير القادرة على الحياة والاستمرار.

*****

هما خطّا عرض متوازيان لا يلتقيان. ميدانهما منطقة توسطت العالم؛ مشروع غربي مستوطن منذ مئة عام، تتبدل مظاهره وبعض قواه لكن جوهره ثابت. لقد ورث العالم بعد حرب باردة، فمارس سلطته كما لو أنها أبدية. أرسى نمطاً من زبائنية قائمة على الابتزاز والكيدية، مع قلة أخلاق موصوفة. شنّ الحروب ورعاها، حاصر فقتل ونكّل فبطش. اعتقد بنهائية انتصاره وتصرّف على أساسها. لم يُطقْ مزاحمة أو حتى قول كلمة "لا"، فكانت السيادة بالعدوان والرضوخ بالاستتباع. لقد بنى نظماً وحماها شوّهت الحياة السياسية ومنعت أية إمكانية للتغيير. هدفه السيطرة على خط ينطلق من حدود محصورة بين جبال الأطلس غرباً والهندكوش شرقاً، أُريد له أن يمسك بقلب العالم كي يقطع أوردة التعاون أو التشبيك بين دول، بدأت تحجز لها أدواراً مركزية في قيادة العالم. الصين روسيا، بدأتا بخوض غمار الأسبقية الدولية؛ الأولى ترتكز على اقتصاد مرن وإمكانات هائلة والثانية تركز على إرث كاد يضيع. إعادة ترتيب العالم وكسر أحادية متحكمة تسير على ذلك كخط جديد – بديل والذي بدت معالمه واضحة؛ هو موازٍ لخط الاستواء، وإن لن يقطع إلّا نصف العالم. "طريق الحرير" كما درجت العادة المتوارثة على تسميته. تنطلق من حدود الصين الشرقية، حيث إرهاصات الاشتباك الجدي مع الولايات المتحدة الأميركية بدأت بالظهور، وتطوف في وسط آسيا وإيران إلى المتوسط وإلى أوروبا. هذا الطريق ليس معبداً وليس آمناً، أقله حتى اليوم، دونه عقبات ومطبات؛ فدول المسير، والتي بأكثرية نظمها تابعة لتسلط رأسمال إمبريالي موروث، وكما عادتها، ستلعب الدور التخريبي عكس مصالح شعوبها ولمصلحة أسيادها.

هو "كباش" جدّي وعليه ستتحدد اتجاهات العالم؛ هل سيبقى بقطبية واحدة أم ستتعدد؟ ليست الإجابة هنا، في معرض السؤال، ستكون بالتمنيات. بل هي فعل اشتباك حقيقي ستحشد له كل الأطراف عدتها وعديدها من أجل خوض غماره بهدف كسبه، وعلى النتائج المرجوة سيُعاد رسم خرائط العالم السياسية، على مسارات مختلفة، ومن المؤكد على خيارات متناقضة. المؤسف، في هذا المخاض، بأن الدول العربية غائبة تماماً عن الفعل في هذا المجال. تلك الطريق المرسوم بحدود السياسة سيفرز الخيارات بوضوح بالنسبة إلى دول المنطقة؛ هي فرصة للتخلص من مفاعيل سايكس بيكو وحدودها وطبيعة دولها ووظيفتها. هي الفرصة لكسر نمط الإنتاج الريعي، القائم على توفير الخدمات شبه المجانية لدول المركز الرأسمالي المتحكمة بالمنطقة منذ مئة عام. هي مناسبة لأخذ خيارات تصب في مصلحة الشعوب وتقدمها بدل تركها لتجاذبات الولاءات الملتبسة للجماعات المرتبطة أو للأنظمة أو التطرف. كما ستشكل تلك النقلة قفزة نوعية في ربط مصالح الدول المعنية بها وشعوبها بعضها ببعض على طريق التكامل، ولو على قاعدة المصالح. فالتخلص من الهيمنة وولوج طريق التنمية الحقيقية لشعوب المنطقة أصبحا اليوم ضرورة يفرضها تدني مستويات الحياة والصحة والتنمية والتعليم والكرامة الإنسانية والتحرر... الناتجة من اقتصاد متعطلة آلياته المحلية لمصلحة الوصفات القادمة من وراء البحار، والتي لامست حدوداً باتت تهدد أمن الدول ذاتها.

بالتوازي، هناك بوادر لخط متوازٍ، سيتجه عكساً، من سواحل المتوسط صوب الشرق. مسارات التطبيع المتسارعة ترسم خطواته، ربما، يسابق الآتي من الشرق، أو ينافسه. في القراءة السياسية للإحداث المتسارعة في المنطقة، نجد بأن الاشتباك المخفي اليوم يلفه ضباب كثيف لحجب الرؤية عمّا يحدث. ربط جزء من المنظومة العربية بالعدو الصهيوني، سياسياً واقتصادياً ربما سيشكل الرد الاستباقي لمفاعيل مشروع "الطريق والحزام" الصيني المدعوم من روسيا. والتعطيل القسري لموانئ الساحل الشرقي باستثناء واحدٍ يدلل على ذلك، كما إطلاق الدراسات عن مد خطوط حديد تربط المتوسط بالخليج العربي أكثر المؤشرات التي يمكن البناء عليها. إن تعطيل مرافئ سوريا كما بيروت يترك المنفذ الوحيد هو ميناء حيفا في فلسطين المحتلة، وإذا ما رُبط بشبكة سكك حديد صوب الخليج يصبح الأمر أكثر وضوحاً. إن التعطيل الممنهج لكل الإمكانيات الاقتصادية أو لتنسيق الجهود المشتركة، ضمن فضاء عربي واحد، لم يكن نتيجة رغبة فردية عند هذا النظام أو ذاك، بل كان فعل حالة موضوعية ناتجة بشكل طبيعي من وظيفة النظم السياسية التي أنتجتها سايكس بيكو ورعاها المشروع الغربي. وعلى ذلك تبدو الصورة جلية.

هذا التوازي شكلياً في الخطوط قد يُعطي الصورة الأوضح للصراع القادم، بدوله واستراتيجياته وأهدافه. وهنا لسنا في معرض التوصيف فقط، بل في محاولة لإعادة صوغ الموقف ممّا يجري. طريق الحرير لها مسارب متنوعة وخيارات متعددة، ومنها، يمكن أن لا يمر في أي دولة عربية. هذا واقع موجود فعلاً وعليه، هل من مصلحة لدولنا العربية في ذلك؟ السؤال يُطرح هنا لسببين: الأول، لماذا هذا الانكفاء العربي المريب عن الانخراط في الفعل؟ والثاني، لماذا تتبرع الدول العربية للعب أدوار مشتبه فيها في لعبة الأمم؟ الجواب ليس من باب التكهن بل من باب اليقين المفضوح في المواقف المعلنة والأدوار المفترضة. إن قبول الكيان الصهيوني ضمن منظومة الدول العربية سيشكل فرزاً حقيقياً في المواقف التي يجب اتخاذها. فالمسألة هنا تتعدى التاريخ وتتعدى القضية الفلسطينية وعدالتها. الكيان الصهيوني هو جزء من استراتيجية غربية كموقع متقدم لها في المنطقة، بوظيفته التوسعية والعدوانية. من هنا تصبح مشاركته في منطقتنا وقبوله تماشياً مع موجبات ذلك المشروع.

إن غياب أي استراتيجية مواجهة عربية، في هذه المنازلة المتوقعة، سيجعل من دولنا العربية ساحة، كما عادتها، وستتحمل أعباء إضافية من أمنها ووجودها. إن طرح إعادة تكوين المنطقة وفق خرائط حدّدتها حدود الدم، المسفوك في أكثر من ساحة عربية، سيجعل من عملية لمّ ذلك الدم أمراً شديد التعقيد، لا بل مستحيلاً. هناك أدوار إقليمية، تلعب على تناقضات الطوائف والمذاهب، تغرف من صحن العرب تاريخاً وتستخدمه، وتأخذ جغرافية لتضمها إلى نفوذها، كما تستثمر في قضايا العرب وتعمل عليها، فيما الانكفاء "العروبي"، والذي وصل حدّ الريبة والاشتباه، لن يُصرف بعد اليوم في كيس العرب بل منه. وفي المقابل، فإن مسار تعطيل الدول العربية وإخراجها من الخدمة الفعلية، والتي بدأت من أيام كامب ديفيد، لا تزال مستمرة، وبطرق مختلفة للإجهاز على ما تبقى من مقدّرات أصبحت هزيلة؛ فها هي قناة السويس تخضع اليوم لتمرين الخروج من الخدمة، وتتقدم في المقابل مشاريع موازية بالفعل، وما يُحكى عن "قناة بن غوريون" الموازية والبديل هو مثال واضح لا يلزمه عناء تفكير للإجابة عنه. فهل تتهيأ ساحاتنا العربية ودولها للخروج من مسرح الأحداث؟

ربما لن تكون الإجابة في متناولنا ربطاً بواقع أصبح مكشوفاً، أو لعدم الضرورة أو فقدان الأمل، لكن يصبح السؤال ذا أهمية، فيما لو وجّهه صوب قوى التحرر الوطني العربية، بشقيّها القومي واليساري. هل هي اليوم قادرة على تصدّر مشروع المواجهة للتفاعل مع ما يجري؟ الجواب أيضاً ربما لن يكون سهلاً. فلنحاول تبسيط الموقف: الأولوية لشعوبنا هي التحرر الوطني كما التحرير كما فك التبعية كما كسر الهيمنة. الأولوية لشعوبنا هي بناء الدول القادرة على مسألتي المواجهة وبناء الاقتصادات المنتجة. الأولوية لشعوبنا هي إزالة مفاعيل سايكس بيكو لمصلحة فضاء عربي وشرق أوسطي مشترك، يتصدى لموجبات التنمية والتكامل ويعمل عليها، وأيضاً الانفتاح على خيارات باتت اليوم أكثر وضوحاً وحضوراً. ولكي تكتمل الصورة، ستبقى فلسطين هي المؤشر الذي يجب أن يبنى عليه مشروعنا المقاوم، والبوصلة التي لا تخطئ. فلنعدْ طرح السؤال من جديد! ارتكازاً على ما تقدم، هل سنتقدم لتصدّر تلك المواجهة؟

ربما سنحظى بجواب! لكن ربما تسارع الأحداث يستوجب سرعة المبادرة... فلنبادر

د. حسن خليل