الخميس، نيسان/أبريل 22، 2021

أحمد بدران... عن جهاد الحجيري

  أحمد بدران
متفرقات
قليلون هم الأشخاص الذين يتركون أثراً كبيراً في نفوس من عرفهم. فبعد مضي سنة على رحيل الرفيق جهاد، نشعر كل يوم كم نحن بأمس الحاجة لأمثاله. تتكشف لنا أهمية سلوكهم وقيمهم في الحياة. وكما كان في حياته هادئًا وصامتا ًرغم ضجيجه النضالي الحافل بالتضحيات ونكران الذات، رحل جهاد بصمت وهدوء.


كانت بداية معرفتي بالرفيق جهاد في الجنوب بعد تحرير صيدا وجوارها من احتلال العدو الإسرائيلي، حيث اتخذت مجموعات المقاومة من صيدا المحررة وجوارها أماكن للتحضير والانطلاق لتحرير بقية المناطق التي ما زالت يومها تحت الاحتلال. فاستجابةً لقرار قياده حزبنا، تم تشكيل هيئة قيادة للمقاومة وكان الرفيق جهاد عضوًا في تلك الهيئة.
لم أكن أعرف سابقاً أي من أفراد هذه الهيئة التي كنت أيضاً عضواً فيها. كنا نجتمع بشكل دوري وأحياناً بشكل طارئ، بهدف النقاش وتبادل الخبرات والتخطيط ووضع الاقتراحات والخطوط العريضة لعمل المقاومة أو لتبادل المعلومات حول العدو وعملاءه. كما كانت الهيئة تقيم سير العمل والصعوبات التي تواجه الرفاق المقاومين وسبل التغلب عليها، ووضع السكان المحليين داخل الأراضي المحتلة. وأحياناً كان يشاركنا الاجتماعات مسؤول قيادة محافظة الجنوب في الحزب للاطلاع على وضع الرفاق وأصدقاءهم في المناطق المحتلة للاستفادة من امكانياتهم في المقاومة ضد الاحتلال.
كنت ألاحظ دوماً حرص الرفيق جهاد على الاستماع باهتمام لكافة النقاشات التي كانت تدور بين الرفاق في هذه الاجتماعات، ومن دون تعليق كانت ابتسامته الصامتة تعبر عن الرضى، وإذا أراد التعليق أو إبداء الرأي حول موضوع ما، كان يمرر رأيه بكلمات قليله وهدوء تام.
نادرًا ما كان يخرج جهاد عن هدوءه هذا. فقط عندما يختص النقاش بأوضاع الرفاق المقاومين، حول لباسهم وخاصة أيام الشتاء الباردة، أو نوع التغذية، كان يعنف الجميع ولا يقبل أي تقصيراً باتجاههم.
تتالت اللقاءات، وتوطدت الصداقة بيننا، كنت أقصده بين الفترة والأخرى في مكان إقامته حيث يشرف على متابعه عمل مجموعة من الرفاق وعلى تجهيز مجموعات أخرى كما كان يشارك شخصياً في بعض العمليات العسكرية ضد العدو. أثناء هذه الزيارات تعرفت على جانب آخر من شخصية الرفيق جهاد؛ تعرفت على جهاد الإنسان الممتلئ بالحب والعطاء والتضحية باتجاه رفاقه العاملين معه. كنت أراقب كيف يهتم بكافة تفاصيل حياتهم من النواحي الاجتماعية والصحية ولباسهم وأماكن نومهم. كان يحضر لهم وجبة طعام ساخنة قبل انطلاقهم في مهمة.
هذا هو الرفيق جهاد الذي فاجأني ذات مره بغضبه، حالما شاهدني متقدماً نحوه أخذ يرعد كالأسد، يفجر غضبه بشتم الجميع. سألته عن سبب ثورته هذه. فقال لي كيف يمكن للرفاق أن تبقى معنوياتهم عالية ويطاردون العدو المحتل، وأهلهم في حالة الجوع والعوز (يومها كان الاحتقان في الشارع على أشده أثر انهيار سعر الصرف للعملة اللبنانية أمام الدولار، حتى أصبح الحد الأدنى للأجور ما يعادل ٢٠ دولاراً بسبب اللعبة السياسية بين أركان النظام والمجيء برفيق الحريري رئيسًا للحكومة) تابع جهاد وهو يستشيط غضباً. نحن نقاوم ونموت من أجل وطننا والعملاء والفاسدون من أركان النظام يحكمون ويجوعون شعبنا ويذلونه خدمه لمصالحهم ومصلحه أسيادهم في الخارج.
رفيقي جهاد؛ أخاطبك وأنت في علوك... ما اشبه اليوم بالأمس. وما أحوجنا اليوم لأمثالك. فعلاً أنت قلتها يومها ومن دون جهد في البحث عن الكلمات المناسبة (لا يكتمل التحرير للأرض من المحتل إذا ما استكمل بتحرير الإنسان من مستغليه) .
بعد سنوات غياب عدنا والتقينا حيث كنت تعمل، وكما عرفتك سابقًا الابتسامة والهدوء على محياك وبداخلك غضب يستطيع تفجير جبال. هذا ما قلته لي في اللقاء الاخير وكعادتك دعوتني إلى شرب الشاي وشكيت لي همومك التي بمجملها هموم الناس البسطاء الطيبين. بعدها ودعتني لأنك على موعد مع الطبيب الذي كان يتابع وضعك الصحي والذي كان محرجاً. ودعتني وكانت المرة الأخيرة التي نلتقي بها.
رحلت باكراً، لكنك تركت خلفك جيلاً لن ينساك. لك وعد منا أننا مستمرون حتى تحقيق أحلامنا في التحرير والتغيير...