الثلاثاء، أيلول/سبتمبر 28، 2021

خارطة احتكارات النّفط في لبنان: “قوّة الكارتيلات في وحدتها”

  مارك أيوب
لبنان
لعلّ أبرز تداعيات انفجار النموذج الاقتصادي وانكشاف بنيته الاحتكارية التي حكمت لبنان خلال العقود الثلاثة الأخيرة تجلّت في قطاع المشتقّات النفطية نظراً لتماسه، إلى جانب الاستشفاء والدواء والقمح (الخبز)، مع حياة المواطن اليوميّة. وأظهرت الأزمة التي نعيشها تقاعس الدّولة لصالح الشركات الخاصّة الوسيطة وعدم قدرتها على مجابهة قدرة أيّ مجموعة على السيطرة على عرض السّلع في الأسواق، بخاصّة عندما يقرّر عناصر تلك المجموعة الالتفاف بعضهم على بعض والاعتراض ككتلةٍ واحدة، متشاركين باطنيّاً مع قوى سياسية نافذة.

في لبنان، تسيطر 13 شركة على استيراد المشتقّات النفطية، وتنطلق من قدراتها التخزينية للكمّيات المستوردة، لتصل إلى حدود السيطرة على أكثر من نصف محطّات الوقود التي يقارب عددها الإجمالي 3100 محطّة.

لا يقتصر هذا الاحتكار على مادّتي الفيول-أويل والديزل-أويل لزوم مؤسّسة كهرباء لبنان، إنّما يطال المشتقّات النفطية الأخرى على أنواعها التي يكثر الحديث اليوم عن فقدانها في بعض المناطق وصعوبة الحصول على كميّات وافرة منها رغم استمرار الشركات في استيرادها. وكثيراً ما يدور الحديث عن الكارتيل النفطي في لبنان وهو عادةً اتفاق بين شركات أو أشخاص يجمعهم العمل نفسه لتحاصص السّوق أو تنظيم المنافسة، ومن صلب عمله نجاح كلّ الأعضاء المنضوين تحته وجني الأرباح. يتألّف أعضاء هذا الكارتيل في لبنان من شركات استيراد وتوزيع المشتقات النفطية التي تسيطر على الأسواق، وتنظّم نفسها، وتتكتّل وتتعاضد من أجل حماية مصالحها. أمّا المحرّك الأساسي لها فهو بالطبع رأس المال ومتى يتعرّض هذا المحرّك لخطر خسارة الأرباح المكتسبة على مدى عقود، يبدأ التهديد بوقف إمداد السّوق اللبنانية بالمشتقّات النفطية في ظل غياب الدّولة عن الرّدع والتنظيم والحزم.

فكيف تطوّرت سوق النّفط في لبنان؟ وما هي الشركات المستوردة وكيف تتقاسم السّوق؟ وكيف تعكس بنيتها التركيبة السياسية الاحتكارية في البلاد؟

أبرز المراحل التاريخية التي مرّت بها سوق النّفط في لبنان وكيف تخلّت الدّولة عن مسؤولياتها

في العام 1931، بدأت شركة نفط العراق (IPC) بنقل النفط الخام المنتج في كركوك – العراق وفقاً للامتياز المصادق عليه قانوناً وذلك من خلال خطوط أنابيب النفط الممتدة من العراق عبر سوريا، إلى المصبّ في طرابلس لتصديره وتصفيته. في العام 1940، أنشئت مصفاة طرابلس لتصفية النفط الخام المستورد عبر خطوط الأنابيب بسعة 2100 برميل في اليوم. ومع تأميم شركة IPC العراق في العام 1972، انتقلت إدارة هذه المنشآت إلى الحكومة اللبنانية مجّاناً، وتوقّف ضخّ النفط الخام نتيجة التأميم، ثم استؤنف لفترة قصيرة بين عامي 1981 و1982.[1]

من جهةٍ أخرى، أقيمت منشآت النفط في الزهراني في جنوب لبنان وضمّت أيضاً مصبّاً ومصفاة. أنشأت المصبّ شركة BECHTEL وكانت تعود ملكيّته إلى شركة خط الأنابيب عبر البلاد العربية (Tapline) (تخلّت عن ملكيّته في 31 كانون الأول 1983 لصالح الدّولة اللبنانية) التي كانت تستقبل النفط الخام من السعودية من خلال خطوط أنابيب النفط الممتدّة عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى الزهراني. بدأ العمل بالمصفاة في أوائل العام 1950، وكانت تمتلكها شركة CATLEX تحت اسم (MEDRECO- MEDITERRANEAN REFINERY CO.). كانت المصفاة تكرّر 17500 برميل في اليوم[2]، إلى أن أوقفت بشكل كامل في العام 1989 نتيجة الحرب اللبنانية التي كانت أيضاً بدورها مسبّباً لإيقاف مصفاة طرابلس.

وقد أنشئت لجنة إدارة منشآت النفط في طرابلس والزهراني[3] لإدارتها. وصدر المرسوم الاشتراعي رقم 79 تاريخ 17/6/1977 ليحدّد الأصول المالية والاقتصادية والتنظيمية المتعلّقة بمنشآت النفط وبجميع صفقات بيع وشراء وتصدير واستيراد مشتقات النفط الخام التي تجريها وزارة الصناعة والنفط – المديرية العامة للنفط.[4] إذاً خلال هذه الفترة كانت الدولة هي التي تتولّى استيراد النفط، ولم تكن وظيفة الشركات الخاصّة سوى توزيع النفط الناتج عن المصفاتين عبر الصهاريج.

أثّرت الحرب اللبنانية على المنشآت والمصفاتين وتمّ إيقافها، ما أفسح المجال أمام الميليشيات وأصحاب النفوذ بالتفلّت من الرقابة والضوابط والبدء باستيراد المشتقّات النقطيّة كلٌّ على هواه في ظلّ انقسام البلاد، فتحوّل البعض من متعهّدي تخزين إلى مستوردين ونشأت شركات، بالتحالف مع رأسماليين، وبدأت تستورد من سوريا وبلدان أخرى (بخاصّة في عهد الرئيس أمين الجميل عبر سامي مارون) وتخزّن في خزّانات أُنشئت على المرافئ كلّ بحسب حدود نفوذه المناطقية. فبدأت عمليّات الاحتكار تتطّور حتى العام 1992. مع وصول الرئيس الياس الهراوي ورئيس الحكومة عمر كرامي إلى السلطة بعد الحرب، أرادا تنظيم هذا القطاع. وبدل إعلاء دور الدولة من جديد، تمّ تأسيس شركات لمقرّبين منهما احتكروا عمليّات استيراد المشتقّات النفطية بين 1992 و1998 بدل الشركات القائمة، فنشأ تحالف بين الهراوي (عبر ابنه رولان) وناجي عازار (شركة البساتنة) ووليد جنبلاط لاستيراد الغاز والبنزين والديزل وكافة المشتقات واستمرّ حتى نهاية العهد بعلم وغطاء من سلطات الوصاية السورية إلى حين وصول الرئيس إميل لحود إلى سدّة الرئاسة.[5] أراد لحّود فرض سلطة القانون في أوائل سنيّ عهده، فأطلق الحرب لكسر البنية الاحتكارية في القطاع النّفطي وحينها سجن شاهي برصوميان الذي تولّى وزارة النفط بين العامين 1995 و1998، بتهمة بيع رواسب نفطية بأسعار متدنّية وهدر المال العام بواسطة عقد بالتراضي مع المتهم الآخر ناجي عازار رئيس مجلس إدارة شركة “يوروغولف”، كما أوقف مسؤولون آخرون بينهم المدير العام السابق للوزارة نقولا نصر ومدير مصفاة الزهراني خليل قمبريس. واستمرّ التململ حيال وضع المحتكرين حتى عودة رفيق الحريري إلى الحكم في العام 2000 المتحالف مع أركان النموذج النيوليبرالي وميله إلى القطاع الخاص. وبالتالي قام الحريري الذي كان منخرطاً في شبكة مصالح تداخل فيها الاقتصاد بالسياسة، لا بل رعاها وساهم في نشأتها بين عامي 1992 و2000، بإطلاق يد الشركات الخاصّة التي نشأ بعضها خلال الحرب، وسمح لها بالتوسّع والتطوّر والاستيراد والتوزيع على حساب الدّولة، واستمر عملها الاحتكاري حتى يومنا هذا.

ما هي الشركات المستوردة؟ وكيف تتقاسم السّوق؟ وكيف تعكس التركيبة السياسية؟

تشير أرقام المديرية العامّة للنفط للعام 2018 إلى أنّ قيمة المشتقّات النفطية بلغت حوالي 8،517،862 طنّاً وتشمل: الغاز والغاز السائل، والبنزين (98 و95 أوكتان وتقدّر وحدها بحوالي مليونَي طن سنويّاً)، والديزل أويل، وغاز الطيران، والفيول أويل، والأسفلت والبتروليوم كوك لصالح الشركات الخاصّة كما مؤسّسة كهرباء لبنان. وتقدّر الفاتورة النّفطية لهذه الكميّات بحوالي 6.2 مليار دولار سنوياً، 2.4 مليار منها لاستيراد البنزين بنوعَيه و1.7 مليار لزوم مؤسّسة كهرباء لبنان.[6]

تتقاسم السّوق اللبنانية 13 شركة تستورد وتخزّن وتوزّع. وإذا ما أضفنا إليها شركات الغاز وشركات الإسمنت (التي تستورد حاجتها أيضاً)، يصبح عدد الشركات أكثر من تلك الموجودة في سوريا (15 شركة) والأردن (5 شركات) وموازياً لتلك العاملة في فرنسا (18 شركة)[7]، ممّا يجعل السّوق متخمة وعرضة للتسويات والاتفاقيات بين الشركات لضمان الربحيّة وعدم المعارضة.

 

المعلومات المعروضة في الجدول مستقاة من كتيّب عن النفط والغاز Oil and Gas Handbook منشور من قبل Lebanon Opportunities

* ويشمل البنزين، والمازوت، والأسفلت، وغاز الطيران باستثناء الفيول أويل لصالح مؤسّسة كهرباء لبنان.

* يوجد بعض الشركات التي لم تعد مشغّلة ومنها FALCOM وJirco كما دخلت شركات جديدة إلى السّوق ومنها ZR Energy قبل حوالي عامين.

 لا تستورد هذه الشركات بشكل فردي بل تتكتّل لاستيراد الشحنات نفسها ومن ثمّ تتقاسم الكميّات لتوزيعها في السّوق، وذلك لتجنّب شراء نصف حمولة باخرة أو أقلّ، وبالتالي استيراد بواخر بأكملها ممّا يعزّز المخزون ويخفّض السعر، فتُجسّد بذلك البنية الاحتكارية للقطاع. يمكن تقسيم الشركات على الشكل التّالي[8]:

Medco / Apec سويّاً

TOTAL/IPT/Uniterminals سويّاً وتقوم Uniterminals بالتّوزيع على Gefco

Coral/Liquigas سويّاً

Hypco/United Petroleum سويّاً

Wardieh تستورد وحيدةً

Hif تستورد وحيدةً

مع استفحال الأزمة الاقتصادية الحادّة في لبنان منذ آواخر 2019، وفي ظلّ صعوبة الحصول على العملات الأجنبية التي تحتاج إليها الشركات لاستيراد المشتقات، أصبحت شركتا Liquigas/Coral تستحوذان على حوالي 80% من الكمّيات المستوردة وهما اللتان توزّعان على الشركات الأخرى[9]. وبالتالي تغيّرت بعض نسب الاستحواذ المذكورة أعلاه. يصعب تقدير المكتسبات الماليّة الناتجة عن عمليات الاحتكار هذه، إلّا أنّ تكتّل الشركات في الاستيراد كما في التوزيع على السّوق يسهم في تعظيم هوامش الأرباح، أضف إلى أنّ بعضها يستأجر ناقلات خاصّة ممّا يخفّف الأعباء الناتجة عن كلفة النقل المحتسبة في جدول تركيب الأسعار.

تدير الشركات المستوردة المذكورة في الجدول أعلاه ما يزيد عن 3,100 محطّة وقود موزّعة بشكلٍ عشوائي في مختلف الأراضي اللبنانية، أكثر من نصفها غير مرخّصة وغير مستوفية للشّروط، فتحتكر التوزيع بعد احتكار الاستيراد. يستحوذ المستوردون على 55% من المحطّات المرخّصة كما على 68% من أسطول النقل أي الصهاريج. ويضع المرسوم 5509/[10]1994 الشروط التنظيمية العامّة لمجمّعات المشتقات النفطية السائلة وصهاريج النقل ومحطّات التوزيع وتخزين وتعبئة المحروقات، ولكنه يبقى حتى يومنا هذا من دون تطبيق، وإذا ما طبّق، تعّد الشركات المستوفية للشروط الفنّية على أصابع اليد الواحدة ومنها: Liquigas/Apec/Gefco/Hif/Coral.[11]

سبعة مرافئ على الشاطئ لتخزين المشتقّات النفطية

يتقاسم القطاعان العام والخاص تخزين المشتقات النفطية. ففي حين تتركّز تلك المستوردة من الدولة في منشآت النفط في طرابلس والزهراني، تتوزّع خزّانات القطاع الخاص التي تستوعب كميّات تلامس 500 مليون متر مكعب (لا تشمل غاز الطيران)، على سبعة مرافئ في كلّ من الدورة، وأنطلياس، وعمشيت، والزوق، وأنفه، وطرابلس والجيّة على الشكل التالي:[12]

 

 

أمّا المنشآت في طرابلس والزهراني، فتحتوي على حوالي 481,000 م3 في الخزانات المستخدمة حالياً إلى جانب أخرى بحاجة إلى صيانة وإعادة بناء وقد تصل قدرتها الاستيعابية إلى حوالي مليون م3 تقريباً، ممّا يجعل القدرة التخزينية الإجمالية حوالي 1,482,000 م3.

دخول الدولة كشريك مضارب؟

خلال العام 2019، ومع تعاظم الكباش بين الدّولة والشركات المستوردة للمشتقّات النفطية حول التسعيرة وجدول تركيب الأسعار، وامتناع هذه الأخيرة في العديد من المرّات عن التسليم لمحطّات المحروقات بحجّة عدم فتح اعتمادات لدى مصرف لبنان، قرّرت وزارة الطاقة والمياه الدخول على الخط “لكسر الاحتكارات” وأطلقت مناقصات لاستيراد مادّتي المازوت والبنزين لصالح منشآت النفط في طرابلس والزهراني.[13] وبالفعل فضّت العروض وبدأت الدولة باستيراد حوالي 30% من حاجة السّوق من المازوت و10% من البنزين 95 أوكتان (150 ألف طن) كما أعلنت نيّتها الدخول إلى سوق الغاز بداية 2020 بنسبة 35% من دون إتمام المناقصة.[14] إلّا أنّ عملية الاستيراد هذه لم تتم عمليّاً بالطريقة المباشرة بين الدولة والمورّدين لضمان كسر الاحتكار الحاصل ولكن عبر شركات خاصّة لزّمت هذه العمليّة، وقد انكفأت معظم الشركات العاملة في لبنان عن تقديم العروض لهذه المناقصات اعتراضاً على الخطوة، فكان الفوز من نصيب ZR Energy المملوكة من تيدي وريمون رحمه. ومع سطوع نجم هذه الأخيرة في الرّبع الأول من 2020 في قضية الفيول المغشوش والنّزاع القضائي القائم حاليّاً مع شركة سوناطراك المورّدة للفيول-أويل، بدأت تتكشف معظم الخيوط.

نشأت شركة ZR Energy DMCC في العام 2013 ونشطت في عمليات التجارة النفطية في العديد من الدول والمدن أبرزها الإمارات العربية المتحدة (دبي)، وأربيل، وجنيف، واسطنبول وبيروت، حيث هي مسجّلة تحت أسماء ZR Energy SARL و ZR Group. دخلت إلى السّوق اللبنانية عبر مناقصات منشآت النفط لتوفير مادة المازوت بين عامي 2017 و2018 ومن ثمّ على خط الفيول-أويل كوسيط بين الدولة اللبنانية وشركة سوناطراك إلى جانب “بي بي انيرجي” BB Energy، علماً أنّ الشركتين إمّا تملكان أو تستأجران ناقلات نفط لمدّة زمنية طويلة ما يخفّض كلفة النّقل عليهما فيما تبقى التسعيرة المنصوص عليها من قبل الوزارة ثابتة، وهو ما يدرّ على الشركات هوامش أرباح كبيرة.

في الحقيقة، لم يُستخدم دخول الدّولة على خط الاستيراد لكسر احتكار الشركات فعليّاً وتخفيض أسعار مبيع المشتقات الأساسية من مازوت وبنزين وضمان مخزون استراتيجي للبلاد، كما لم يتمّ اقتراح تخفيض سعر المبيع مقارنةً بالشركات الأخرى لفتح سوق المنافسة. عمليّاً، ما حصل هو نزول وزارة الطاقة كشريك مضارب في السّوق وإدخال مستورد جديد إلى الساحة بقواعد اللعبة السياسية نفسها، مع التزام ضمنيّ بعدم المساس بمصالح الشركات العاملة وأرباحها[15]، ما سهّل استقبال لاعب جديد على الطاولة وسمح لأطراف سياسية جديدة ببسط نفوذها على حصة من السّوق.

سوق الغاز: احتكار أحادي أيضاً

خلال سنوات الحرب، كان استيراد الغاز بنوعيه الغاز المنزلي “بوتان” والغاز الصناعي “بروبان” (Liquefied Petroleum Gases LPG) بيد الدولة اللبنانية، فيما كان التوزيع يتمّ عبر الشركات الخاصّة. ومع انتهاء الحرب ودخول عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، صدر مرسوم يمنح حق استئجار أرض في منطقة الدورة لمدّة 99 سنة لشركة يملكها كلٌّ من طلال الزين ورولان الهراوي، وصدر مرسوم ثانٍ يمنح شركة استيراد مشتقات نفطية حقاً مماثلاً في منطقة طرابلس لمالكها سعدي غندور. يومها، كان هذا الأخير المورّد الأكبر للغاز عبر البحر الأبيض المتوسط من خلال شركته “نفتومار” التي تأسست في بيروت عام 1972، ثم انتقلت إلى اليونان.

وبحسب مقالة لمحمد وهبة نشرت في صحيفة الأخبار في العام 2016،[16] فقد قضت شراكة الزين-الهراوي باحتكار استيراد وتوزيع الغاز من خلال احتكار التخزين، تماماً كما كان يحصل (ولا يزال) بموضوع المشتقات النفطية. أسّس الزين مع الهراوي تجمّع “شركات محاصة الغاز” الذي كان الأداة لاستئجار خزانات الغاز المنتشرة على الشاطئ اللبناني، أي تلك التي لديها منفذ بحري يتيح لها استقبال وتفريغ بواخر الغاز المستوردة. واستمرّ هذا الحال حتى عام 1998 حين استحوذ الزين وحده على كامل حصّة الهراوي وباقي الشركاء، وأصبح كارتيل الغاز في لبنان أحاديّاً. ويتألّف التجمّع بحسب المقالة ذاتها، من: “نوردغاز” (مملوكة من عبد الرزاق حجّة)، “يونيغاز” (مملوكة من محمود الصيداني)، “يونيفارسال غاز” (مملوكة من آل طايع)، “كالميد غاز” (مملوكة من مارون شماس)، “صيداكو” (مملوكة من عائلة الصيداني بالشراكة مع وليد جنبلاط)، و”غاز الشرق” (مملوكة من طلال الزين وبعض الشركاء كقيصر رزق الله وجورج متى).

تستورد هذه الشركات الشحنات سويّاً، وتسيطر على معظم الخزّانات الصالحة على الشاطئ اللبناني، فتملك بعضها وتستأجر تلك المملوكة من الدولة اللبنانية. تتّسع خزّانات هذه الأخيرة في طرابلس والزهراني لنحو 3 آلاف طن، وقد استؤجرت من منشآت النفط بمبلغ سنوي يقدّر بنحو 700 ألف دولار، ثم تمّ إقفالها لضمان عدم استعمالها، وعدم وجود خزّانات تنافس تلك التي تملكها أو تستأجرها الشركات[17]. أمّا خزانات الشركات الخاصّة فمملوكة بأغلبيّتها من الشركات المنضوية في التجمّع، وهناك خزانات مستأجرة ومقفلة على غرار خزانات الدولة اللبنانية. تتمّ معالجة معظم الغاز من قبل “غاز الشرق” Gas Orient المملوكة من الزّين التي استقبلت وحدها حوالي 155 ألف طن في 2017، أي ما نسبته 65% من مجمل الكميّة المستوردة[18].

هل من مخارج عمليّة؟

على مدى العقود الماضية، ساهمت الدّولة اللبنانية في تنامي السّوق الاحتكارية وتعاظم قدرة المحتكرين من خلال تخلّيها عن دورها ومسؤوليّاتها خلال الحرب وما بعدها، وتسليم رقبتها للشركات الخاصّة التي تحوّلت مع الوقت إلى كارتيل يتحكّم بمواد ضرورية لتسيير عجلة الاقتصاد.

ليس ذلك وحسب، بل امتنعت بعد الحرب عن القيام بأمرين أساسيين: الاستثمار في قيام نظام نقل عام عصري وحديث يُغني المواطنين عن استخدام سيّاراتهم وبالتالي يخفّض حاجتهم إلى البنزين، وعدم تجهيز قطاع الكهرباء وبناء المحطات العاملة على الغاز الطبيعي كما على الطاقات المتجدّدة (من شمس ورياح) ما أسهم في تعظيم دور أصحاب المولّدات الخاصّة الذين يشكلون المستهلك الأكبر لمادّة المازوت نظراً لمشاركتهم في إنتاج حوالي 40% من الطلب على الكهرباء.[19]

انطلاقاً من هنا، ووسط كل هذه الضبابية، يمكن الولوج إلى حلول عمليّة إذا ما توفّرت الإرادة السياسية لذلك، وبخاصّة في ظل التحوّل الجذري الذي تعيشه البلاد اقتصادياً. فإمّا أن تبدأ الدّولة بالإحكام مجدّداً على عمليّات الاستيراد وإبرام العقود من دولة إلى دولة (وليس مع الشركات) وإبقاء التوزيع فقط بيد الشركات الخاصّة، أم اتخاذ القرار بالخروج نهائيّاً من الأسواق وفتح باب المنافسة بين الشركات وعدم تحديد جدول للتسعير مع السّماح لشركات أخرى بالدخول إلى السّوق. أضف إلى ذلك أنّه لا يمكن تخفيف الاعتماد الكلّي على هذه المشتقات إلّا من خلال الاستثمار في البنى التحتية المتعلّقة بقطاعي النقل والكهرباء النظيفة والطاقات المتجدّدة لتخفيف الاستهلاك وضرب الاحتكارات القائمة.

على صعيد التخزين، وبما أنّ العديد من الخزانات المستخدمة حاليّاً لا تستوفي الشروط التقنية المنصوص عليها في القانون، عدا عن أنّ بعضها قائم على الأملاك العامّة البحرية، يمكن للدّولة مصادرة تلك الخزّانات وفتح باب المنافسة من خلال منحها لمن يقدّم السعر الأدنى، والسّماح لمستوردين جدد بالتخزين في منشآت الدّولة وفق السّعر الأفضل.[20]

يقول المثل الشّعبي “القلّة بتولّد النقار”. ونحن اليوم في زمن القلّة: شحّ في الدولارات ينعكس بطئاً في فتح الاعتمادات فشحّ في الشحنات وفي المشتقات على اختلافها، وهذا مرجّحُ للاستمرار والتأزّم أكثر في غياب خطة ورؤية اقتصادية مستقبلية. فهل يمكن للدّولة أن تبقى متفرّجة على كارتيل يحتكر حتى القلّة؟

 

أعيد نشر هذا المقال في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. احتكارات المحاصصة الشاملة

مراجع إضافية:

أرقام المديرية العامة للنفط لكمّيات المشتقات النفطيّة للأعوام 2016/2017/2018

أرقام تجمّع الشركات المستوردة للنفط 2017

رشا أبو زكي، خريطة كارتيل النفط في لبنان، مدوّنة شخصية، 4 أيار 2011

الياس حلاس، لبنان والفيول المغشوش: كيف فرضت “سوناطراك” شريكاً ثالثاً؟”، موقع درج، 14 أيار 2020

شادي نشابة، مافيا النفط في لبنان… بدأت تحترق، جريدة العربي الجديد، 27 تشرين الثاني 2019

محمد وهبة، تجّار النفط: من أقوى كارتيلات لبنان، جريدة الأخبار، 9 كانون الأول 2019

محمد وهبة، سركيس حليس، صحيفة الأخبار، 14 نيسان 2008

مرسوم رقم 5509 – صادر في 11/8/1994 : تحديد الشروط التنظيمية العامة لمجمعات المشتقات النفطية السائلة – موقع وزارة البيئة

مراسيم

المرسوم 5509 تاريخ 11/08/1994: تحديد الشروط التنظيمية العامة لمجمعات المشتقات النفطية السائلة وصهاريج النقل ومحطات التوزيع ولتخزين وتعبئة المحروقات المسيلة (غاز البوتان – البروبان)

تضمّن المرسوم الشروط التنظيمية العامة للمتعلّقة بمجمّعات المشتقات النفطية السائلة وصهاريج النقل ومحطات التوزيع من جهة، وبتخزين وتعبئة المحروقات المسيلة (بوتان وبروبان) من جهة ثانية.

يقتضي على الجهات الرسمية كافة احترام هذه الشروط لدى إعطاء تراخيص الترميم للمنشآت النفطية.

تناط المديرية العامة للنفط (التابعة اليوم لوزارة الطاقة) بمهام الرقابة على الإنشاء والتنفيذ.

للوزير المختص (وزير الطاقة اليوم) اتخاذ التدابير الفورية في مجمل قضايا وشؤون قطاع النفط في لبنان لتأمين السلامة العامة.

إشارة: يحدد القرار رقم 56 بتاريخ 25/7/1997 مواصفات المشتقات النفطية.

المرسوم الإشتراعي رقم 79 تاريخ 27/6/1977 : تحديد الأصول المالية والاقتصادية والتنظيمية لمنشآت النفط على الأراضي اللبنانية.

يحدد المرسوم الأصول المالية والاقتصادية والتنظيمية المتعلقة بجميع منشآت النفط على الأراضي اللبنانية وبجميع صفقات بيع وشراء وتصدير واستيراد مشتقات النفط.

ينشىء في وزارة الصناعة والنفط – المديرية العامة للنفط أجهزة مختصة لإدارة هذه المنشآت، وتضطلع بهذه المهمة المديرية العامة للنفط إلى حين إنشاء هذه الأجهزة.

تخضع هذه الأجهزة لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة.

تبقى صفقات شراء المشتقات النفطية خاضعة للرقابة المسبقة من قبل مراقب عقد النفقات لدى وزارة الطاقة والمياه مهما بلغت قيمتها (فقرة مضافة بموجب المرسوم 40 ت .22/2/2007 ج.ر 12).

إشارة: ألغيت وزارة النفط بموجب القانون 247/2000 وألحقت المديرية العامة للنفط التابعة لها بوزارة الطاقة والمياه.

 

[1] بحسب موقع منشآت النفط في لبنان.

[2] المرجع المذكور أعلاه.

[3] إدارة المصفاتين موحّدة، تضمّ إلى جانب المدير العام مديرين عامين معاونين واحد في طرابلس والآخر في الزهراني.

[4] يمكنكم مطالعة نص القانون على هذا الرابط. وباتت اليوم المديرية العامة للنفط ملحقة بوزارة الطاقة والمياه بعد إلغاء وزارة النفط بموجب القانون 247/2000

[5] مقابلة مع مالكي إحدى الشركات الموزعة.

[6] أرقام المديرية العامة للنفط لكمّيات المشتقات النفطيّة لعام 2018.

[7] بحسب كتيّب عن النفط والغاز Oil and Gas Handbook منشور من قبل Lebanon Opportunities

[8] مقابلة مع مالكي إحدى الشركات الموزّعة.

[9] المرجع المذكور أعلاه.

[10] تجدون نص القانون على هذا الرابط.

[11] مقابلة مع مالكي إحدى الشركات الموزّعة.

[12] بحسب كتيّب عن النفط والغاز Oil and Gas Handbook منشور من قبل Lebanon Opportunities

[13] إيلي الفرزلي، هل تنجح الدولة في منافسة مستوردي البنزين والغاز؟، جريدة الأخبار، 20 كانون الثاني 2020

[14] بعد المازوت والبنزين.. وزارة الطاقة تستورد الغاز، المدن، 18 كانون الثاني 2020

[15] مقابلة مع الصحافي محمد زبيب.

[16] محمد وهبة، كارتيل الغاز: اللبنانيون في قبضة خمس شركات، صحيفة الأخبار، 21 كانون الأول 2016

[17] محمد وهبة، كارتيل الغاز: اللبنانيون في قبضة خمس شركات، صحيفة الأخبار، 21 كانون الأول 2016.

مقابلة مع مالكي إحدى الشركات الموزّعة.

[18] بحسب كتيّب عن النفط والغاز Oil and Gas Handbook منشور من قبل Lebanon Opportunities.

[19] مقابلة مع الصحافي محمد زبيب.

[20] المرجع المذكور أعلاه.

 

نقلاً عن موقع المفكرة القانونية