الثلاثاء، حزيران/يونيو 02، 2020

"طلاب لبنان" رهائن السلطة في الخارج

لبنان
لا تزال حكومة "الاختصاصيين"، تتجاهل صرخات الطلاب اللبنانيين في بلاد الاغتراب، وعائلاتهم التي تعالت منذ ثلاثة أشهر مع تفاقم الأزمة النقدية جرّاء السياسات المتبعة في المصارف اللبنانية بعد تعميمات المصرف المركزي، التي ما زالت تحتجز أموال المواطنين، ولا سيما أصحاب الإيداعات الصغيرة منهم. ناهيك عن أزمة سيولة الدولار وارتفاع أسعار الصرف، مما يترك الأهل عاجزين عن إرسال المصاريف لأولادهم.

هي معاناة تتفاقم يوماً بعد يوم، وتهدد حياة الآلاف من الطلاب اللبنانيين المغتربين ومستقبلهم، لا سيما في ظل انتشار جائحة الكورونا، وتضعهم وذويهم تحت ضغط كبير له تداعيات صحية ونفسية وإنسانية، خاصة بعد فشل الحكومة في مسألة إجلائهم وتحملهم دفع تكاليف بطاقات السفر الخيالية.
وكأنه لا يكفيهم اضطرارهم للسفر لمتابعة دراساتهم والعيش بعيداً عن عائلاتهم وبلدهم الذي ضاق عليهم، ولم يسع طموحاتهم وقدراتهم بسبب سياسات المنظومة الحاكمة التي أمعنت في ضرب الجامعة اللبنانية على حساب الجامعات الخاصة التابعة لها.

أولئك المغتربون مطلبهم بسيط جداً، وهو حق من حقوقهم، ألا وهو إيجاد آلية لتحويل مصاريفهم وأقساطهم. ووضع حدّ لتواطؤ السلطة مع المصارف في رفض رفع القيود عن التحويلات إليهم أو معاملتهم أسوة بزملائهم في الجامعات الخاصة في لبنان التي تتقاضى أقساطها بسعر الصرف الرسمي (1515 ل. ل.).

تلك القضية التي سارع عدد من المسؤولين إلى تبنيها، لتكن "التزاماتهم" وتطميناتهم مجرّد وعودٍ بقيت حبراً على ورق تصريحاتهم الإعلامية التي أوحت للرأي العام بأن قضية الطلاب في الخارج قد حُلّت. وها هي الأزمة تراوح مكانها، منذ إقرار الحكومة اللبنانية في 31 آذار الماضي، مسألة عودة المغتربين. ونشرت وزارة الخارجية عبر موقعها الإلكتروني استمارة للطلاب اللبنانيين بالخارج والراغبين بالعودة في ظلّ أزمة كورونا، إضافة لاستمارة أخرى لمن يواجهون صعوبات في عملية تحويل الأموال من لبنان واستخدام البطاقات المصرفية.

نحو التصعيد...
وها هم الطلاب يعيشون في بلاد الاغتراب بعيداً عن عائلاتهم وسط قلق ومخاوف متعدّدة؛ من الإصابة بالعدوى من جهة، والصعوبات المالية الناجمة عن أزمة المصارف في لبنان من جهة أخرى، وتهديد مستقبلهم التعليمي وطردهم من السكن وفصلهم من الجامعة وسحب الإقامة.

وبعد مناشدات عديدة، قرّروا تنظيم تحركاتهم، وأنشأوا صفحة على موقع الفيسبوك باسم "تكتل الطلاب اللبنانيين المغتربين" في 20 نيسان الماضي. وأطلقوا معركة المواجهة مع السلطة لنيل حقوقهم المتوجبة عليها، لتتوسّع دائرة التصعيد جغرافياً، عبر حملة إلكترونية مستخدمين عدة أوسمة، ومنها "نحو التصعيد، "حيتان الشرق الأوسط"، و"حرّروا التحويلات المصرفية".

وتحت شعار "حقنا نرجع" رفع عشرات الطّلاب اللّبنانيين في جورجيا الصرخة، عبر تنفيذهم الإضراب عن الطّعام في 22 نيسان الماضي، وذلك "بسبب تجاهل السّلطات اللّبنانية المعنية لمطالبهم، إن كان تحرير التحويلات المصرفية بسعر الصّرف الرّسمي، أو المطالبة بإجلائهم بأسرع وقت ممكن". كذلك سبقهم الطلاب في أوكرانيا.

كما أنشأت "لجنة أهالي الطلاب اللبنانيين في الخارج"، وتصاعدت تحركاتها منذ ثلاثة أشهر، داعية إلى فرض صيغة قانونية تلزم المصارف بالتحويل وفق سعر الصرف الرسمي، مطالبين "بإنصافهم والنظر إلى أوضاعهم الملّحة، خصوصاً بعد الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار".

شهادات...
"النداء" استطلعت معاناة بعض الطلاب في بلاد الاغتراب، ليختصروا بقضيتهم أزمة وطن غُيّبت منه الدولة ومسؤولياتها تجاه شعب اضطر مرغماً إلى الغربة.
محمد فياض طالب طب عام في جامعة الطب الوطنية في أوكرانيا، اختصر بتوصيفه وضع طلاب لبنان في أوكرانيا معاناة معظم اللبنانيون في بلاد الاغتراب، ولا سيما الطلاب منهم، الذي اعتبر أن الخطر الذي يهدّد مستقبلهم وحياتهم يكمن بوباء السلطة في لبنان، وقال "بالنسبة لكرونا الوضع الصحي يتفاقم شيئاً فشيئاً ولكنه أفضل من مستوى باقي الدول الأوروبية وأميركا"، شارحاً أن "المشكلة الأساسية التي يعاني منها الطلاب اللبنانيون هي الأزمة المادية، لاسيما أن معظمهم من فئة محدودي الدخل. والجامعات أصدرت أسماء لعدد منهم لتسديد المستحقات المتأخرة. ثم وجّهت إنذاراً أخيراً بضرورة الدفع منذ اليوم حتى العشرين من شهر أيار، وفي حال لم يُسدَد القسط سيتم فصل الطلاب وبالتالي تُلغى الإقامة، ومن ثم سيتم طردهم ويفرض عليهم العودة إلى لبنان".

وأشار إلى "أن هناك بعض الجامعات الأوكرانية حالياً تضغط على الطلاب لتسديد الأقساط، والمشكلة الكبرى تكمن في أنهم تخلّفوا اضطراراً عن دفعها منذ بداية الأزمة النقدية في لبنان وتعميمات مصرف لبنان، والآن يترتب عليهم دفع قسط الفصل الثاني والذي يبلغ ألفيْ دولاراً أي ما يوازي 8 ملايين ل.ل. حالياً، ومن الصعب تأمين هكذا مبلغ في هذه الظروف المالية والاقتصادية الصعبة".

وبما يخص الإضراب عن الطعام أكّد فياض أنه "بعد مناشداتنا المتكرّرة ورفع صرختنا لكافة المعنيين في لبنان والسفارة، لم نحصل سوى على وعود متكرّرة بمتابعة قضيتنا. فاضطررنا اللجوء لهذا القرار التصعيدي والبدء بتنفيذ الإضراب عن الطعام في 16 نيسان الماضي، وقرّرنا تعليقه بعد أيام بسبب الوضع الصحي وخطورة مواصلته، خاصة أن لا أحد من المسؤولين يعطي آذاناً صاغية ويقوم بمهامه".

وتابع "تواصلنا مع السفارة، ولم تترجم وعود السفير حتى الآن. قد تأمّنت طائرة مجانية واحدة 120 راكباً، بمبادرة من ليلى الصلح حمادة، ولكن للأسف حتى في هذه القضية الإنسانية تدخّلت الواسطة، إذ من المفترض إجلاء الذين يعانون من أوضاع صعبة صحياً واقتصادياً، لكننا سمعنا أن 60 % من الركاب تقريباً من الميسورين مادياً، مما حرم الكثير من الطلاب بالعودة".

وأيضاً في أوكرانيا كما في الوطن الأم لبنان، هناك غياباً تاماً للمساعدات من الدولة اللبنانية عبر السفارة، إذ "أن المساعدات المتوفرة، هي عبارة عن تبرعات يتم تأمينها من الجالية ولكن بمبالغ زهيدة نحو 20 $ إلى 30 $ تقريباً، على الطالب تأمين كافة حاجياته (سكن، غذاء، طبابة، قسط جامعة). وبالرغم من ذلك هذه التبرعات هي من ضروريات الصمود لعدد كثير من المغتربين في ظلّ غياب دور الدولة".

وأضاف "سمعنا أن هناك دعماً مالياً لأناس ذو وضع اقتصادي مأساوي ولكن حتى الآن هذه الوعود لم تصرف فعلياً. وهناك عدد من الطلاب خسر بيته بسبب الإيجار، وشخصياً اضطررت للسكن مع أقاربي. ولكن الكارثة الصحية أن هناك بعض الطلاب اضطروا للسكن في غرفة مع زملائهم، بأعداد تتراوح بين 6 أو 7 أفراد مما يهدّد حياتهم بالخطر. كما أن البعض منهم يسكن في مدن بعيدة عن العاصمة وتعاني من الضعف اقتصادياً وطبياً".

ختاماً، كرّر فياض مناشدات الطلاب إلى المعنيين في لبنان "بتحرير أموال المودعين من المصارف اللبنانية واعتماد الدولار الجامعي (سعر الصرف الرسمي) وفك القيود على التحويلات المصرفية. ونحن هنا في دول فقيرة ولا خيارَ أمامنا أو حتى إمكانية لإيجاد وظيفة لتأمين مصاريفنا وتخفيف الضغط عن أهلنا، كما أننا لا نمتلك التكاليف الباهظة للعودة إلى لبنان. مثلاً قسط الجامعة كان يقارب الخمس ملايين ل. ل. والآن بلغ 20 مليون، ولا نستطيع تأمينهم وإلّا كنّا تسجّلنا في الجامعات الخاصة بلبنان".

أيضاً يارا أبي صعب، طالبة في جامعة تورينوــ ماجستير في علوم الداتا والإحصاءات، أكّدت أن أزمتهم كطلاب لبنان في إيطاليا، "بدأت قبل كورونا، مع بروز مشكلة التحويلات المالية من الأهل وتعميمات المصارف"، وقالت "نحن محجوزون بين مشكلتين، الأولى صحيّة بسبب انتشار الكورونا وتفاقم الوضع الصحي، والثانية هي الأزمة الماليّة في لبنان وعدم قدرة أهلنا على تحويل الأموال. إذ لم يتمكنوا من تحويلها إلّا مرة واحدة بسبب هذه الإجراءات المصرفية"، مشيرة أنها "اتصلت بالمصرف في لبنان، وحمّلته مسؤولية أي طارئ يصيبنا بسبب تعذّر تأمين حاجاتنا من التموين والأدوية، وشخصياً لدي ثلاثة أدوية".
وتابعت " وعندما تبلّغت بقرار حق الطلاب بتحويل الأموال. قدّمت الأوراق المطلوبة حول المستحقات المتوجّبة ولكن رُفض الطلب بعد أسبوعين، ووعد مدير المصرف بمتابعة الموضوع لكن دون جدوى".
أزمة يارا تم حلّها، عبر استفادتها هي و4 طلاب آخرين، من إيصالهم السفارة "بأحد المتبرعين الذي تكفل بتقديم مبلغ من المال، بالنسبة لي أمّن مصاريفي ولكن للبعض لا". كما أطلقت "جمعية أصدقاء لبنان في إيطاليا"، مبادرة لمساعدة عدد من الطلاب بعد تسجيل أسمائهم من خلال جمع التبرعات وتقديم نحو 125 يورو".
وعن وجود الواسطة أكدت يارا أنها لمّا تشهدها شخصياً، وقالت "يُحكى عن "وسايط" ولكن للصراحة السفارة متعاونة معنا، وطلبت تعبئة استمارات لأن الدولة تعد بالمساعدة".

وفي سياق متصل، أكد أحمد مخدر طالب في إيطاليا أيضاً، أنه "بالمرحلة الأولى تلقى بعض الطلاب مساعدات مالية من أحد المتبرعين الذي فضّل عدم معرفته، لتنحصر العلاقة بين الطلاب والسفارة اللبنانية في روما والتي علمنا بها بطريقة غير مباشرة"، ناقداً مواصلة المحسوبيات والواسطة، "ومنها ظهر في الأسماء التي استفادت من الطائرة المجانية التي كان من المفترض أن تقوم بإجلاء المحتاجين، لنتفاجأ أن 75 % من الأسماء مخالفة للمعايير، وهذا ليس ذنبهم وحقهم، ولكن كان الأجدى إجلاء من عليه تراكم إيجار، ليحصل العكس، فالذين لديهم سكن طلابي مؤمّن سافروا مثلاً".
وبما يخص الجدال حول "الواسطة" التي طالت النداء الموجّه من السفارة للطلاب لتعبئة إستمارة خاصة بمساعدات مادية وإرسالها في اليوم التالي (٢٧ نيسان الماضي). أكّد أحمد ما يشاع وأن "أغلب الطلاب تفاجأوا ولم يُبلّغوا بالإستمارة المفترض تعبئتها خلال يوم واحد، وأيضاً غير متوفرة على الموقع الرسمي للسفارة، حيث لا يوجد رابط لتنزيلها. وعلمت بها من زميلي، والمعلومات المطلوبة أيضاً، هي ذاتها التي وصلتني بالبريد الإلكتروني في 15 نيسان للاستفادة من تعميم تحويل الأموال"، مستغرباً عدم تواصل السفارة معهم، و"الطلب المتكرّر لتعبئة الاستمارات للمساعدة، والتي ملأناها مرتين سابقاً دون جدوى. لذا نحتج على عدم إرسال البريد الإلكتروني للجميع، ونطالب تمديد الفترة كي يتسنّى للجميع إرسال طلباتهم".

جاد مصطفى طالب ماستر ١ في فرنسا، أشار إلى أن "قسم من الطلاب هنا أنهوا عامهم الدراسي، والقسم الآخر يتابع الدراسة "أونلاين" حتى في تقديم الامتحانات ويمكنهم متابعة ذلك من لبنان، والذي كان يتقاضى منهم بعض الأموال من "الستاج" أو عمل بسيط يعتاشون منه توقف بسبب "الكورونا"، وهم الآن محجوزون هنا دون أدنى مقوّمات الحياة، بالإضافة إلى أسعار "التيكيت" الخيالية للذي يودّ منهم العودة إلى لبنان"، متسائلاً كيف يعقل أن يكون الطالب الذي لا يستطيع تأمين مصاريف معيشته، قادراً على دفع نحو 600 يورو سعر التيكيت؟.

كما أنتقد "الوسايط" التي لاحقت اللبنانيين حتى في بلاد الاغتراب وفي هذه المحنة بالذات، وسط انتشار الكورونا كوباء عالمي، "للأسف الواسطة أيضاً تتم في اختيار الأسماء المسجلة للإجلاء إلى لبنان، عبر تدخل الأحزاب. حقاً أنه لا يوجد ما يثبت ذلك، سوى أن هناك الكثير من المغتربين هنا تم إلغاء حجوزاتهم لحساب شخص آخر".
وتطرق جاد إلى "عدم تأمين الدولة أبسط سبل المعيشية للطلاب، إضافة إلى اعتمادها الاستنسابية بتوزيع المساعدات المالية على من قدّم منهم طلبات للمساعدة في السفارة. فهم أعطوا ٢٠٠ يورو لعدد من الطلاب، وأهملوا الطلبات الأخرى، الذي لا تمتلك أي مال لدفع الإيجارات والأقساط...".
واعتبر "أن هذا المبلغ، لا يؤمّن كافة مصاريف الطالب الذي لم يعد لديه مدخوله الأساسي الذي كان يرسل من أهله. وانقطعت التحويلات علينا بسبب نقطتين أساسيتين: احتجاز أموال المودعين بالمصارف، مما أدّى إلى انعدام قدرة الأهل بإرسال الأموال إلينا، وأيضاً بسبب سعر صرف الدولار المرتفع الذي لامس الـ 4000 ل. ل.، ناشدنا الدولة منذ أكثر من شهر للتدخل لحل هذه المعضلة ولكن لم نتلقّ أي جواب فعلي حتى الآن، فهي وعود باطلة من دولة مفلسة بالمعنى الحرفي والسياسي والأخلاقي".

*المصدر: مجلة النداء العدد 376.