الثلاثاء، كانون(۲)/يناير 27، 2026

تقرير سياسي شامل حول التطورات السياسية في لبنان والمنطقة والعالم

  ادارة الموقع
بيانات
تقرير سياسي شامل حول التطورات السياسية في لبنان والمنطقة والعالم


القسم الدولي

    تطرح المستجدّات السياسية والأمنية المتسارعة وجوب استكشاف سمات المرحلة التي يمرّ بها العالم مع وصول أزمة الرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية إلى مستوى تفكّك وانهيار النظام العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، دون أن تتضح، حتى الآن، معالم النظام العالمي الجديد، في ظلّ احتدام الصراع واتساعه بأشكاله المختلفة والأكثر دموية. يؤكّد على ذلك المشهد العام للحروب العدوانية المستعرة التي تخلّف الضحايا والكوارث الاجتماعية والمخاطر الوجودية التي تُهدّد مستقبل البشرية جمعاء. 

   إنها مرحلة تتعرّض فيها شعوب الدول التابعة للإمبريالية والطبقات العمالية والمتوسطة في دول "المركز" الرأسمالي، ومعهما أيضاً الدول الحليفة للإمبريالية وتلك الرافضة لهيمنتها، لكل أنواع وأشكال الإخضاع من حصار وعقوبات سياسية واقتصادية، ومن عدوان وحروب إبادة جماعية كما حصل في غزة ولبنان وغير منطقة من مناطق العالم، التي استخدمت فيها الإمبريالية وحلفاؤها ولا تزال، أحدث ما أنتجته الثورة العلمية والتكنولوجية من أسلحة في حروبها الاستعمارية.

  ومع وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة في الإدارة الأميركية الجديدة، تحت شعار أميركا عظيمة، أميركا أولاً، أميركا الأقوى، أقرّت الإدارة الأميركية إستراتيجية الأمن القومي الجديدة، وتغيير اسم وزارة الدفاع الى وزارة الحرب بحجة تحقيق "السلام "، وذلك تحضيرا للمعركة الكبرى ضد الصين التي تهدّد الأحادية الأميركية في قيادة العالم، في ظلّ تراجع الوزن السياسي والاقتصادي للحليف الأوروبي وازدياده لدى الصين.

ومع اعلان الولايات المتحدة الأميركية الحرب، صعّدت إدارة ترامب من استخدام كل وسائل الضغط والعدوان وصولا الى الضربات العسكرية السريعة، موّزعة الأدوار الأكثر وحشية على حلفائها، مفضّلة عدم التورّط بحروب استنزاف، مدعية إيقاف ثماني حروب (تأسيس مجلس "السلام" في غزة) بهدف توظيف هذه المعارك الخارجية في الانتخابات النصفية الأميركية في شهر تشرين القادم. 

 إن التخوّف من اندلاع حرب عالمية جديدة تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة لم يعد مجرد فرضية، بل هو واقع سياسي مطروح، تؤكّده مؤشّرات متعدّدة في أكثر من مجال سياسي واقتصادي وأمني:

 أولاً: انهيار وتهميش مؤسّسات النظام العالمي القائم: كمجلس الأمن، والأمم المتحدة التي مُزّق ميثاقها من قبل ممثل الكيان الصهيوني، وتُخرق قوانينها، بالتزامن مع الانسحاب الأميركي من 61 مؤسسة من مؤسساتها ومنظماتها الدولية كمنظمة التجارة العالمية، فضلاَ عن العقوبات على قضاة محكمة العدل الدولية. ما يجري عملية بلطجة وفرض لشريعة الغاب، التي أصبحت تلفّ القارات من آسيا الى أفريقيا وأوروبا وأميركا من دون أن يكون لأي من مؤسسات الأمم المتحدة تأثيراً فعلياً في حل المشاكل، فقراراتها باتت مجرّد حبر على ورق، هذا إن اتُخذت. 

ثانياً: الاعتداء على سيادة الدول الرافضة للهيمنة الإمبريالية، ومحاولة اسقاط أنظمتها واحتوائها بالعقوبات الاقتصادية والقوة العسكرية واستخدام التفوّق العلمي والتكنولوجي في ارتكاب الجرائم وحروب الإبادة، وفي خطف الرؤساء، وقصف مقر إقامتهم.

ثالثاً: نهب خيرات الدول والشعوب وضم واحتلال أراضيها ومواقعها الاستراتيجية وممرات نقل ثرواتها المائية والنفطية والغازية ومعادنها الثمينة المستخدمة في تكنولوجيا صناعة الأسلحة ووسائل التجسّس والاتصالات الإلكترونية.

رابعاً: تصعيد الحرب الدائرة في أوكرانيا التي تمثّل نموذجًا صارخًا لاحتدام الصراع. فوقف هذه الحرب لم يعد مرتبطا بها فحسب، بقدر ما أصبح مرتبطا بمجمل الحروب والصراعات الدائرة في العالم، من جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. وتشكل والقدرة على إنتاج الصناعات الحربية المتطوّرة، والتحكّم بالطاقة والثروات المعدنية والممرّات، والتفوق العلمي والتكنولوجي أساسا في إنتاج موازين قوى جديدة قادرة على فرض وقف الحروب المستمرة المحدّدة الى حد كبير معالم النظام العالمي الجديد. 

انها معركة قيام نظام عالمي جديد. فأما ان يصبح متعدد الأقطاب قائم على الشراكة، واما ان تتمكن الإمبريالية الأميركية من التفرّد بقيادته. فوصول الصراع إلى هذه الوضع الخطير "يستبطن" اعترافاً أميركيا بواقع التعددية القطبية، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة وتحاول من خلال حروبها العدوانية المهددة للسلم العالمي تكّريس التفرد بقيادتها له أولاً..   

  العدوان على فنزويلا

 يندرج ضمن هذا السياق العدوان العسكري على فنزويلا، مع ما يحمله من أبعاد اقتصادية وجيوسياسية. ولقد سبق العدوان عقوبات وحصار اقتصادي بمستويات غير مسبوقة، رغم حصول استجابات للعديد من المطالب الأميركية. إن ما جرى هو، في جوهره، عدوان أميركي على سيادة فنزويلا وخرقاً للمواثيق والقوانين الدولية، في أسر رئيسها وزوجته، ومحاكمته وفقاً للقوانين الأميركية، وهو أمر لا يمكن أن يتمّ دون خرق استخباراتي وخيانة محقّقة في قطاعات من داخل الدائرة القيادية العسكرية حول الرئيس. وهو ما تؤكّده الاعتقالات التي طالت بعض القادة المكلّفين بحماية الرئيس. مع الإشارة إلى موقف الحزب الشيوعي الفنزويلي الذي لطالما حذّر من السياسات الاقتصادية - الاجتماعية والفساد المستشري في صلب النظام، والذي أدّى في نهاية الأمر إلى اعتبار الحزب غير شرعي وإنشاء حزب آخر بديلا عنه. في هذا الإطار أكد الحزب رفضه وإدانته واستعداده لمواجهة العدوان الامبريالي على البلاد، وداعياً في الوقت نفسه إلى إصلاحات جذرية واستعادة الحقوق الديمقراطية والنقابية في البلاد.

إن أهداف ما حصل من عدوان هي كالتالي:

احتواء النظام من دون إسقاطه الآن طالما أن قيادته تنفّذ ما يريده الأميركي.   السيطرة على النفط والثروة المعدنية في فنزويلا وفي كامل القارة الأميركية، بما يؤمّن الاستحواذ على ما يقارب نصف الثروة النفطية في العالم. مع الإشارة إلى أن مصافي النفط في تكساس وجنوب الولايات المتحدة، التي بُنيت على أساس تكرير النفط الفنزويلي الثقيل، قد توقفت عن العمل بعد انقطاع النفط الفنزويلي، وأن إعادة تشغيلها، يشكّل مكاسب اقتصادية ضخمة، عبر التحكم بأسعار النفط، وتكريره، وقرار بيعه، ووجهة البيع، إضافة إلى تحقيق مكاسب انتخابية لترامب يبني عليها لتحضير معركته ضد الصين وروسيا وإيران.  إعادة تعويم الدولار، ولا سيما في سوق النفط، ضمن أدوات الهيمنة الاقتصادية الأميركية، في إطار مواجهة سعي تكتلات دولية كـ "البريكس" إلى إعادة تنظيم العلاقات التجارية العالمية، وتقليص الاعتماد على الدولار، في محاولة لبناء نظام اقتصادي أكثر توازناً. العودة إلى مبدأ مونرو بما يعني السيطرة على القارة الأميركية أو ما يُطلق عليه "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة، من الناحية الجيوسياسية، وبما يؤمّن دورة اقتصادية خاضعة كليا لتحكّم الولايات المتحدة بها، في الجزء الغربي من الكرة الأرضية، عبر السيطرة على أميركا اللاتينية بحيث يلي فنزويلا، كوبا وكولومبيا والمكسيك.  أما بخصوص الرئيسة الجديدة بالإنابة لفنزويلا، فهي تمتلك تاريخاً سياسياً إيجابياً، وتنتمي إلى تنظيمات ذات خلفية ماركسية، لكنها في الوقت الحاضر تتحرك تحت ضغط هائل، ما يجعلها مضطرة لتقديم تنازلات في محاولة تفادي الأسوأ.

 أما كوبا، فكان موقفها واضحاً وحاسماً، إذ كانت الدولة الوحيدة التي وقفت عملياً إلى جانب الرئيس مادورو، ودافعت عنه، وقدّمت في ذلك 32 شهيداً. اليوم، تعيش كوبا حالة قلق حقيقية من احتمال تعرّضها لعدوان جديد. إدارة ترامب لا تتصور إسقاط النظام الكوبي عبر تدخل عسكري برّي مباشر، بل تراهن أساسًا على تشديد الحصار الاقتصادي، وخصوصاً عبر قطع النفط والدعم الفنزويلي، بهدف خلق أزمة خانقة قد تؤدّي، من وجهة نظرها، إلى زعزعة الاستقرار وربما انهيار النظام. صحيح أن إدارة ترامب لا تتردد في توجيه ضربات جوية، لكن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام، فالدولة والحزب والشعب متماسكون، والجيش الكوبي يمتلك عقيدة قتالية واضحة، وترامب، ليس ميّالاً إلى خوض حروب طويلة ومكلفة. 

  وبالنسبة لنا فقد قمنا بمجموعة من الأنشطة التضامنية (بيان – اعتصامان – صلات مباشرة – زيارة سفراء كوبا وفنزويلا..) ونعمل على لقاء سياسي تضامني، في إطار تفعيل التضامن الأممي والسياسي مع الشعوب والدول التي تتعرض للعدوان الإمبريالي ولانتهاك سيادتها، ولأن هذه القضايا تشكّل منبراً نعمل من خلاله مع قوى أخرى لتظهير دور الحزب الأممي. 

أوروبا وحلف الناتو وخلط أوراق وتموضعات جديدة: مع استمرار الحرب في أوكرانيا على وقع تقدّم الجيش الروسي واحتمال دخول قوات بريطانية وفرنسية فيها تحت مظلة "مؤتمر الراغبين بدعم أوكرانيا" الذي عكس حدة الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي. ومع تهديد ترامب بالسيطرة على جزيرة غرينلاند بالقوة أو بالاتفاق على شرائها، تعيش أوروبا وضعاً صعباً ومعقداً، بحيث بدت ضعيفة وعاجزة في ملفي أوكرانيا وغرينلاند لا سيما بعد ان وافقت حكومتها في مؤتمر دافوس على وضع الولايات المتحدة الأميركية قواعدها العسكرية على أرضها واستثمار ثروتها المعدنية والنفطية، ما أدى الى نشوء نزاع جديد مع روسيا لجهة ما اعتبرته تهديدا لأمنها القومي من جهة القطب الشمالي.  والمهم في هذا السياق الموقف الكندي الذي أعلنه رئيس الوزراء في مؤتمر دافوس الذي ينطوي على تطوّر سياسي نوعي في تموضع كندا وانفتاحها على الصين وهي التي كانت تعتبر الولايات المتحدة مظلة حمايتها اذ بها تريد ضمها الولاية الواحدة والخمسين.

القسم الإقليمي 

 يعتبر الإقليم الآن في قلب الزلزال الذي لم يتوقف بعد مع "تقدّم" المشروع الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفائها من دول الناتو والكيان الصهيوني، في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد، وقيام "إسرائيل الكبرى". وبالتالي  يصعّد التحالف الأميركي  الصهيوني المتطرّف الانقسامات الإثنية والطائفية والجهوية والمناطقية في أنحاء شتّى من العالم العربي، ويعمل على استثمار هذه الانقسامات في إعادة رسم حدود البلدان وصياغة سماتها الديموغرافية لأغراض جيوسياسية واقتصادية، وتعميم حالة التطبيع بالضغط السياسي والعدوان العسكري، لأحكام السيطرة على موارد المنطقة وما تشمله من ثروات طبيعية وبنى تحتية ومصادر طاقة وممرّات برّية وبحرية وجوية تربطها بالعالم الخارجي الذي يشتدّ فيه الصراع والتنافس المتعدّد الأشكال حول إعادة اقتسام مواقع النفوذ والسيطرة وترتيب الأوزان على المستوى الكوني.. ويمكن التأكيد، في هذا المجال، أن الولايات المتحدة تعمل على تكريس الشرق الأوسط كمنطقة نفوذ من حصتها، وهي تتعامل مع أنظمتها التابعة لها كأدوات في خدمة مصالحها وبمنطق إدارة المخاطر والكلفة والعائد، وليس بمنطق الشراكة.

  كما أن حجم التحولات الكبرى وطبيعتها التي شهدتها المنطقة، على كل المستويات العسكرية والسياسية، تخفي في أبعادها وأهدافها صراعاً اقتصاديا.. وهو ما تعبّر عنه الإدارة الأميركية وحلفاؤها بأشكال مختلفة ("الممر الهندي" رداً على مشروع "الحزام والطريق" الذي طرحته الصين – خطوط النقل في الخليج والبحر الأحمر – خطوط الغاز – "منتدى غاز شرق المتوسط "- “المنطقة الاقتصادية" في الشريط الحدودي في لبنان – "المنطقة السياحية" في غزة...)

غزة وانشاء "مجلس السلام" برئاسة ترامب

  لا شك أن الإعلان عن وقف الأعمال العسكرية في غزة لا ينهي المعركة، فالمشروع الأميركي الصهيوني الأخير هو مشروع " تصفية القضية الفلسطينية"، وإسقاط أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، حتى وفق "حلّ الدولتين" باعتبار: "إسرائيل" انتصرت وعليكم الاستسلام ونزع أي سلاح يشكل تهديداً لها. وبالتالي، تستمرّ، بشكل أو بآخر، الحرب المتنقّلة المفتوحة لتحقيق الأطماع التوسّعية في الأرض والثروات.. ومعها إنشاء ترامب "مجلس السلام" برئاسته باعتباره مشروعاً اقتصادياً يشكّل غطاء لجرائمه، في نهب نفط غزة وتهجير شعبها تمهيداٍ لضمّ القطاع إلى الكيان الصهيوني، مع اعتبار المجلس المذكور "حلاً " يمكن تعميمه مثالاً وبديلاً عن الأمم المتحدة التي لم تعالج أي مشكلة من مشاكل العالم. مثل هذه البلطجة الاستعمارية لا ولن تشكل حلا، والشعب الفلسطيني ومقاومته التي قدمت أغلى الدماء والتضحيات طوال عقود من الزمن ببطولة أسطورية نادرة من غزة الى الضفة الغربية والقدس واراضي ال48، وفي الشتات، لن يقبل بتصفية قضيته، سيبقى يقاوم بكل السبل والوسائل المناسبة ومعه كل أحرار العالم من اجل حقوقه المشروعة في العودة وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على كامل ترابه الوطني وعاصمتها القدس.

اليمن وأرض الصومال: تزامن الهجوم على فنزويلا، مع اعتراف نتنياهو بأرض الصومال، وإعلان تقسيمه، ما شكّل فاتورة جديدة في مجال التقسيم، وسط معارضة واسعة من السعودية وبعض دول الخليج ومصر، كما تزامن أيضا مع خروج الصراع بين السعودية والامارات للعلن، بعدما كان موجوداً ومستترا. أن المستفيد الأول من ذلك هي الولايات المتحدة، ومعها "إسرائيل" لجهة توسع مشروعها الشرق أوسطي بوصوله الى الجزيرة العربية لتقسيمها واحكام السيطرة على النفط والغاز والممرات. إن المعارك الأخيرة في الجنوب اليمني لها أهميتها الإستراتيجية الحيوية في أبعاد المحاولة الاميركية – الصهيونية للضغط على السعودية - من خلال الامارات - لتوقيع اتفاقية التطبيع بالقوة، والتخلّي عن مقترحاتها حول حلّ القضية الفلسطينية (حلّ الدولتين)، وكذلك ضرب مشروع الحزام والطريق الصيني، والسيطرة على البحر الاحمر، ولاحقا، قناة السويس.

مصر: ماذا يعني تعرّض "القوى الإقليمية الكبرى" للضغوط والحصار رغم تبعيتها؟ فمصر محاصرة من الغرب بليبيا الملتهبة، ومن الجنوب بالسودان المنهار والممزّق، ومن الشرق بالكيان الصهيوني، إضافة إلى أزمة المياه مع إثيوبيا، فضلا عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الشعب المصري. السعودية بدورها ايضا محاصرة بصراعات السودان واليمن، وبأدوار إماراتية و"إسرائيلية" في البحر الأحمر وباب المندب، وتتعرّض لضغوط سياسية كبرى لدفعها نحو التطبيع. إيران والضربة الأميركية الوشيكة عليها. تركيا والتنافس على النفوذ مع إسرائيل في الإقليم و"سوريا" بخاصة.  كل ما سبق، وما قد يلي، يندرج في إطار "تسييد" الكيان الصهيوني وضرب أي إمكانية لقيام قوى منافسة له حتى على المدى البعيد، فلا مشاريع إقليمية لهذه الدولة او تلك سوى مشروع الشرق الأوسط الجديد و"إسرائيل" هي الوكيل المعتمد.

سوريا: أبرز المستجدات السياسية في الوضع السوري هو تخلي الولايات المتحدة عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو ما اعتادت عليه في التعامل مع القوى التي تلتحق بها فتبيعها بالنهاية خدمة لمصالحها. هكذا توالت الضربات على "قسد" في إخراجها من حلب، (أحياء الاشرفية والشيخ مقصود)، ثم من دير الزور والرقة، وخسارة أكبر منابع النفط في سوريا، وحصول موجات تهجير جديدة. وقد يكون وراء القرار الأميركي ما هو أغلى ثمنا من (قسد) وهو أخذ تأييد تركيا والسعودية ومصر في ضرب إيران. ان هذا القرار  الأميركي من شأنه تعزيز حكم الشرع المنخرط في مسار التطبيع مع العدو رغم الخلافات داخل مكونات النظام حول شروط التطبيع : شطبت الخارجية السورية الجولان عن خريطة سوريا وتبادل إطلاق النار في القصر الرئاسي..)، ما يجعل الوضع  الداخلي في سوريا معقدا وصعبا  مع تفاقم الصعوبات السياسية والاقتصادية، وفشل إدارة الحكم الجديدة بمعالجة الوضع في ظل تعدّد الاحتلالات وتمزّق النسيج الاجتماعي، والسعي "الإسرائيلي" نحو التقسيم بحجة حماية "الأقليات"، ما يستوجب التأكيد على وحدة سوريا ارضا وشعبا وعلى ضمان حقوق السوريين الكرد في إطار سوريا الديمقراطية الواحدة الموحّدة المحررة من الاحتلالات.

إيران: ان قرار الضربة على إيران مُتخذ أميركياً، وهو في معرض التنفيذ رغم التراجع عنه في اللحظات الأخيرة خلال الأيام الماضية من اجل المزيد من التحضير له: أولا سياسيا عبر المزيد من الاتصالات مع مصر وتركيا والسعودية ودول الخليج لكسب تأييدها للضربة، كونها تخشى إمداد الحريق إليها، وثانيا: عسكريا من أجل حشد المزيد من القوات العسكرية، بعد أن تبين حجم الدعم العسكري والتكنولوجي الذي قدّمته روسيا والصين لإيران وهما الدولتان المرتبطتان باتفاقيات تعاون استراتيجي معها. فلا تُختصر أهمية إيران بكونها مورّد طاقة أساسي أو عقدة جغرافية على طريق "الحزام والطريق". فهي، بالنسبة للصين، شريك قادر على تأمين هامش مناورة إستراتيجي في وجه الهيمنة الأميركية، وفي حال تنفيذ الضربة ضد إيران، واحتمال الردّ الإيراني عليها في دول الخليج، فإن هذا الردّ سيؤثّر على الاقتصاد الصيني، إذ أن ما يقارب 80% من واردات الصين النفطية تتأتى من الخليج، ومن إيران، وهو ما يسرّع المواجهة مع الصين. كما ان إيران تشكل نقطة ارتكاز اساسية بالنسبة لحدود روسيا الجنوبية، ولها مشروعها الإقليمي الخاص بها في منطقة الشرق الأوسط الذي تحاول الولايات المتحدة اسقاطه. ثالثا داخلي بعد ان تبين شعبية النظام في التظاهرة الحاشدة ما قد تؤدي الضربة إلى الفوضى المعمّمة داخل إيران ودول الجوار مع غياب البديل "الجدّي" حتى الآن في ظل موقف نتنياهو المعروف بتقسيم إيران باعتبارها مع مصر والسعودية وحتى تركيا دول إقليمية كبرى ذات تأثير ولها قدرات كبيرة، وقد تتحرك ضد "إسرائيل" في المستقبل في ظرف من الظروف. وحيث ان الظروف الآن مناسبة وقد لا تتكرر، فهو كان ولا يزال يضغط للاستمرار في حروبه العدوانية لتفكيك هذه الدول الإقليمية ذات النفوذ.

لقد أدت سياسات النظام الإيراني القمعية في الداخل وتهميش القوى التقدمية وعلى رأسها اليسار والشيوعيين ومحاولة فرض التوجهات الأصولية على كامل المجتمع إلى انفضاض فئات شعبية واسعة عنه ودخوله في أزمات داخلية متكررة طوال السنوات الماضية فيما حاول هو الهروب إلى الأمام عبر استمرار مراهنته على تحقيق اتفاقات وتسويات مع الأميركيين في الجانب النووي والدور الإقليمي. وينبغي التذكير أن حزب "توده" الشيوعي في إيران، قد أصدر موقفاً مفصّلاً يدين العدوان الأميركي على إيران، ويدعو لوجوب الدفاع عن سيادة إيران وحقّ شعبها، رافضا استبدال نظام "الجمهورية الإسلامية" بنظام الشاه البائد بل بنظام تقدمي علماني من الموقع المعارض للنظام الحالي، سياسياً وطبقياً، وهو الموقف الصحيح الذي يمكن التأكيد عليه من حزبنا. 

القسم الداخلي

ما يجري في لبنان ليس مفصولا عما يجري في فلسطين وسوريا والمنطقة عموما، فضلا عن انعكاسات ومخاطر الضربة الأميركية على إيران. فالحرب العدوانية الصهيونية لا تزال وتيرتها مستمرّة بالتصاعد، في المدى المنظور بأشكال وأساليب متعدّدة، وبدعم من الإدارة الأميركية. 

 المفاوضات: من المعروف ان الكيان الصهيوني لا يلتزم لا باتفاقات ولا بالقرارات الدولية وهو يستخدمها منصة للتوسّع وكسب المزيد من التنازلات المجانية. وهو ما حصل ويحصل لجهة عدم تنفيذ القرار 1701 وعدم تنفيذ  "اتفاق وقف الأعمال العدائية"، واطاحته الآن بلجنة الميكانزيم، ومطالبته بمفاوضات ثنائية بين لبنان والكيان الصهيوني وعلى أعلى مستويات  التمثيل وبرعاية أميركية ، ما يعني ابعاد  فرنسا والأمم المتحدة  عن المفاوضات وهو ما ينبغي رفضه وادانته المسبقة وهو ما سبق وحذّرنا منه منذ بداية المفاوضات  لجهة مخاطر نتائجها في بإعلان ترامب الاتفاق بوقف الحرب مع ترتيبات أمنية  واقتصادية (منطقة اقتصادية – منطقة صناعية ...)، والتطبيع أسوة ببقية الحروب التي يعلن وقفها. 

   اذن نحن أمام هذا الوضع الخطير، إما استمرار العدوان وإما الاستسلام.  فكل القرارات والاتفاقات، وبغضّ النظر عن ملاحظاتنا العديدة عليها، لم تمنع العدو من الاستمرار باعتداءاته اليومية وقتل المواطنين وتدمير بيوتهم وإحلاله للعديد من المواقع والنقاط داخل الأراضي اللبنانية، ومنع أهالي البلدات الحدودية المدمّرة بمعظمها من العودة إلى قراهم ومدنهم ومزارعهم، ومن إعادة إعمارها، وبتغطية أميركية مباشرة.

ومع اعلان رئيس الجمهورية جوزاف عون باستبعاد الحرب على لبنان، لجهة إعطاء الأميركي مهلة للحكومة اللبنانية لتنفيذ قراراتها بسحب السلاح شمال الليطاني. جاء قرارها بالموافقة على تقرير قائد الجيش بسحب السلاح من جنوب الليطاني والانتقال إلى المرحلة الثانية في شمال الليطاني وسط تحفظين: الأول من وزراء "القوات اللبنانية " كون القرار لا يتضمن وضع مهلة زمنية تنتهي في آخر آذار - أمّا رد الحكومة فهو عدم توفير الدعم الكامل للجيش اللبناني عدة وعديداً لتنفيذ المرحلة الثانية، ولا بد من انتظار ما سوف تسفر عنه الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر دعم الجيش في 15 شباط في الدوحة وانعقاده في باريس في 15 آذار القادم. والتحفظ الثاني جاء من وزراء "الثنائي امل – حزب الله" احتجاجا على الانتقال الى المرحلة الثانية من دون انسحاب قوات الاحتلال من الجنوب. بحجة التشكيك الصهيوني المتكرر بعدم قدرة الجيش على انجاز ما تعهد به، وهو ما يعتبره "مبررا" لبقاء احتلاله واستمرار عدوانه.  وإذا كانت "استراتيجية السلطة" تقوم على التنازل في المفاوضات مقابل تفادي الحرب، فإن العدوان الصهيوني يتركّز، خلال هذه المرحلة، على شمال الليطاني في منطقة ما بين نهري الليطاني والاولي، وعلى العمق اللبناني في البقاع الغربي وبعلبك-الهرمل، ومن دون توقف، ما يعني التركيز على النبطية وصيدا-الزهراني والبقاع عموما. 

 إن قرار العدوان على لبنان متّخذ. بموازاة ذلك، تستمر المفاوضات الأميركية-الإيرانية، عبر الوسيط العماني توصّلاً إلى تسوية قد تنعكس على موضوع حصرية السلاح، وهو ما كان ملفتاً للنظر، من خلال خطاب نعيم قاسم الأخير الذي لم يأت به على ذكر موضوع السلاح، ما يعني أن حزب الله يسعى إلى تثبيت معادلة "إدارة المخاطر"، انطلاقًا من أن المشهد الإقليمي لا يزال في طور التشكل، ويحاول امتصاص الضغوط السياسية المتزايدة من دون فتح اشتباك داخلي شامل، فضلا عن دعوة البخاري للتعقّل في هذا الموضوع، وكذلك في الاستخدام الأميركي لموضوع احتواء السلاح. لكن الخلاف السياسي بين حزب الله ورئيس الجمهورية يستمرّ على خلفية مقابلته التلفزيونية الذي أعلن فيها أن سلاح حزب الله فقد وظيفته وأن على الحزب ان يتعقلن. 

 إثر ذلك دخلت إسرائيل على الخط لزيادة الشرخ والتوتّر والانقسام الداخلي، وأعلنت عن عدم انسحابها من الأراضي المحتلة مع تكثيف غاراتها الجوية الهمجية شمال الليطاني من دون إبلاغ اليونيفيل، ولجنة الميكانزيم والجيش اللبناني، ودعوتها لبنان للدخول بمفاوضات ثنائية سياسية وأمنية مباشرة. لبنان اليوم امام أخطار عدة إزاء تصعيد العدوان الصهيوني عليه من الخارج، وإزاء دفع البلد نحو صدام طائفي مذهبي في الداخل، وهو مشروع أميركي – صهيوني طائفي تقسيمي في المنطقة عموماً. و"سحب السلاح" من شمال الليطاني قد يكون مختلفاً عنه في جنوبه، نظراً لتعدد "الانتماءات" الطائفية والمذهبية، ومخاطرها الحدودية من جهات الجنوب والشمال والشرق. 

 واليوم، مع وصولنا إلى الوضع الخطير الذي سبق وحذّرنا من الدخول في مساره، يُطرح السؤال الكبير: ما العمل؟ ما العمل، استناداً إلى تمسّكنا بموقفنا الذي أعلناه حول المفاوضات سواء في ساحة صيدلية بسترس أو في مدخل بلدة الناقورة. فالمطلوب أن نبقى على موقفنا، ونقوم بتكثيف النشاطات على أساسه في الاعتصامات والندوات وفي الإعلام وشتى المجالات والعلاقات، بما فيها تلك المتعلقة بالانتخابات النيابية وتوجهاتها ومقاربتنا السياسية لها. لذلك نؤكّد على ضرورة أن تكون المفاوضات غير مباشرة وأن تقتصر على الجانب الأمني حصراً بهدف وقف الاعتداءات الصهيونية على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال الكامل حتى خط الهدنة 1949 دون قيد أو شرط وعودة أهلنا النازحين إلى قراهم وإعادة إعمارها من دون صفقات مذهبية وتقاسم وتحاصص لمال الدولة الذي هو مال الناس، وإطلاق الأسرى من سجون الاحتلال، ونحذّر من نهج التنازل والتفريط في الارض والبحر، وكل ما يًطرح كـ “منطقة عازلة" أو "منطقة اقتصادية".

 كما نؤكّد على ضرورة البدء بحوار وطني للوصول إلى حلّ داخلي متفق عليه لموضوع الدفاع عن لبنان وأرضه وشعبه بعيداً عن الضغوط الأميركية وغيرها، مع عدم ربط الموضوع بـأية "ميثاقية طائفية"، وللحفاظ على الاستقرار الأمني والسلم الأهلي، خاصة في ظل أجواء التوترات المذهبية ومخاطر انتقالها الى الشارع، وللاتفاق على تطبيق الإصلاحات السياسية المقرّة في اتفاق الطائف.

الانتخابات النيابية 

 رغم ما يشاع حول إمكانية التأجيل التقني المحدود، أو لفترة أكبر بما يتيح للمجلس المنتخب أن ينتخب الرئيس المقبل، فإن ذلك لا يؤكّد بأن الانتخابات لن تجري في مواعيدها. انطلاقا من ذلك، ومن التوجهات السياسية والتنظيمية المقرّة في الهيئات الحزبية، ندعو لإنجاز المهام المطلوبة بصددها، على أساس أنها سوف تجري بمواعيدها. وسيصدر تباعاً مواقف وقرارات وتعاميم حول هذا الموضوع، مع التأكيد بأن العمل في هذا الملف يجري في كل الهيئات الحزبية.

 

 

الوضع الاقتصادي الاجتماعي

  تستمرّ قوى السلطة بالإمعان في التنصّل من المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي والمالي الذي ضرب البلد وأدّى إلى نهب القلّة المتحكّمة لادخارات صغار المودعين ومعاشات التقاعد وتعويضات العمال في الضمان الاجتماعي والصناديق الضامنة للمهن الحرة وسوى ذلك من ارتكابات من دون محاسبة أو مساءلة. وانعكس هذا السطو الممنهج في تسعير ومضاعفة مشاعر الخوف والقلق ومعدلات الفقر والبطالة والانكشاف الاجتماعي والهجرة لدى عموم الناس، بالترافق مع تراجع الناتج المحلي. كما يعاني أبناء الجنوب الصامدين في قراهم والنازحين منهم أوضاعا اجتماعية صعبة وضاغطة بفعل العدوان المستمر وبقاء الاحتلال الرافض لعودتهم الى قراهم لإعادة اعمار منازلهم المدمرة فضلا عن التكاليف المالية المتزايدة نتيجة النزوح والنقص الكبير في توفير الدعم المطلوب لهم معنويا وماديا. وحتى تاريخه، لم يتبلور أيّ مشروع جدّي ذي قابلية فعلية لتوفير حلّ أو بداية حلّ لتداعيات الانهيار وتردي الأوضاع المعيشية للطبقات العمالية والمتوسطي، حتى المشاريع المعدّة لمعالجة ما يسمى بالفجوة المالية وخسائر المودعين، فإنها تصطدم باستمرار بتباين الآراء داخل السلطة السياسية، وبازدياد شراسة الرفض الذي يبديه ويمارسه تحالف المصارف والتكتلات الاحتكارية ورأس المال الكبير، المدعوم بقوّة - سواء بشكل معلن أو بشكل مستتر - من جانب أطراف سياسية أساسية متنفّذة. 

 ورغم أن ما صدر حول موضوع المودعين يتضمّن جانباً ايجابياً متعلّقاً بصغار المودعين، إلا أن الجانب السلبي يرتبط بالصناديق الضامنة والتعويضات وبابتزاز المصارف، وسعيها لتمويل "المستحقّات" من أصول الدولة، والمال العام، وباعتماد سياسة العفو عما ارتكب من "جرائم" مالية. 

 وتتجلى الأزمة اليوم في استمرار الطبقات العاملة والمتوسطة في تحمل تبعات تراجع دخلها الحقيقي نتيجة التضخم وانهيار سعر صرف العملة وعدم تصحيح الأجور بشكل كاف رغم وجود فائض في الموازنات يعلن عنه وزير المالية في الاعلام. وهذا يعني تراجع القدرة الاستهلاكية لهذه الطبقات، كما أن هذا الامر يؤدي إلى عدم مقدرتها أيضا على الحصول على التعليم والسكن (قانون الإيجارات) والصحة والتعليم مما يؤثر سلباً وبشكل كبير على مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي. نضيف إلى ذلك الانهيار الكامل في مدّخرات المتقاعدين من حيث التصفية شبه الكاملة التي حصلت في قيم تعويضات نهاية الخدمة في جميع القطاعات إن من جانب الضمان الاجتماعي أو من جانب الدولة، مع طرح تعديل قانون التقاعد وجعله 50% من الراتب بدلا من 85%.  نضيف إلى ذلك تزايد البطالة المقنّعة والتراجع في مستوى الخدمات العامة وفي البنى التحتية والمرافق العامة. كما أن إيرادات الضرائب والرسوم غير المباشرة استمرّت تشكّل القسم الأعظم من إجمالي الإيرادات الضريبية، مما يلقي بالعبء الضريبي بشكل غير متساو على الطبقات الوسطى والعاملة، ويعكس مصالح الرأسمال بدرجة أولى..  عليه لا بد من إقامة الندوات السياسية والاجتماعية وتصعيد التحركات النقابية في القطاعين العام والخاص وتوسيعها في الشارع لتطال أوسع الفئات الاجتماعية دفاعا عن حقوقها: في إعادة الاعمار وعودة النازحين واسترجاع حقوق صغار المودعين واموال الصناديق الضامنة للعمال والمهن الحرة ووجوب تصحيح الرواتب والأجور وسائر الخدمات العامة في الكهرباء والمياه والتغطية الصحية والتعليم النوعي والحق بالسكن والنقل. 

هناك ملحق خاص بالانتخابات النيابية.

بيروت في 27 – 1- 2026                       المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني