السبت، حزيران/يونيو 22، 2024

بيان ائتلاف استقلال القضاء حول إضراب المصارف:

  ادارة الموقع
بيانات
بيان ائتلاف استقلال القضاء حول إضراب المصارف:

المصارف تدافع عن مقابرها الجماعية

أصدرت جمعية المصارف أمس بيانًا أكدت فيه استمرارها في الإضراب احتجاجًا على القرارات القضائية التي تطال بعض المصارف الكبرى وفي مقدّمتها بنك عودة، على خلفية عدم استجابته لطلب المعلومات المصرفية. وفيما كانت جمعية المصارف قد برّرت إضرابها في بيانها الصادر في تاريخ 6/2/2023 بضرورة تشريع الكابيتال كونترول لوقف الحجوزات على موجوداتها وبمطالب وردتها برفع السرية عن الكشوفات المصرفية لمدرائها، انحصر بيان الأمس بهذا البند الأخير. وقد اعتبرت جمعية المصارف فيه أنّ مطالبة المصارف بإعطاء معلومات مصرفية بصورة رجعية هي مطالبة مخالفة للقانون 306/2022 الذي يمنع إعطاء معلومات عن قيود سابقة لتاريخ إصداره وأنّ الاستجابة لها تشكّل تاليًا جرم إفشاء معلومات سرية. كما اعتبرتْ أنّه لا يجوز الحديث عن جرم تبييض أموال حين يكون مصدر هذه الأموال مصرف لبنان، وأنّ من شأن ملاحقة المصارف في أية حال أن يؤدّي إلى عزل لبنان ماليًا وضرب اقتصاده. واللافت أنّ جميعة المصارف أنهت بيانها بمخاطبة ما أسمته القضاء النزيه والعادل بتحمّل مسؤولياته في هذا المجال والتنبّه للخطر المحدق بالمصارف وبلبنان من جرّاء التسرّع في الادّعاء على بنك عودة بتهمة تبييض الأموال.

إزاء خطورة هذه الممارسات التعسّفية المتكررة من قبل المصارف، يهمّ ائتلاف استقلال القضاء التنبيه إلى الأمور الآتية:

 

التحقيق القضائي يتناول قضية اجتماعية كبرى: تهريب 9 مليارات د.أ بعد الأزمة

تعمّدت جمعية المصارف إخفاء حقيقة القضية التي تتم ملاحقة المصارف الكبرى بها، وهي قضية تهريب قرابة 9 مليارات د.أ بعد الأزمة خارج لبنان، وذلك تبعًا لقروض مشبوهة أبرمها مصرف لبنان مع عدد منها، بحجة تأمين سيولة بالدولار. ويُشتبه أنّه بدل تسديد هذه المبالغ للمودعين، هرّبت المصارف هذه المبالغ إلى الخارج لحساب مدرائها ومساهميها الكبار وعدد من النافذين، فيما اصطُلح على تسميته في الإعلام بقضية تحويل أموال السياسيين إلى الخارج عقب 17 تشرين. 

وعليه، تكتسي هذه القضية أهمية قصوى بالنظر إلى حجم المبالغ التي تكاد تعادل ما تبقّى من مدّخرات اللبنانيين لدى مصرف لبنان وأقل بقليل من القيمة الإجمالية لسبائك الذهب المملوكة منه. وفيما اصطدمت النيابة العامة من قبل بالسرّية المصرفية التي منعتها من الاستحصال على معلومات وافية عن تهريب هذه المبالغ، شكّل قانون رفع السرّية المصرفية على علّاته سلاحًا جديدًا بيد النيابة العامة لمتابعة هذه القضية من خلال المطالبة برفع السرية المصرفية.

 

قانون رفع السرية المصرفية يطبّق على القيود المصرفية القديمة كما الجديدة

ادّعت جمعية المصارف أنه لا يجوز إعطاء معلومات عن قيود مصرفية سابقة لصدور القانون الجديد. إلّا أنّ هذا الادعاء يتعارض تمامًا مع نص القانون والمنطق القانوني، وهو الأمر الذي يؤكد صحة القرارات القضائية بملاحقة المصارف على خلفية عدم الاستجابة لطلبات المعلومات المصرفية بتطبيق عقوبات تبييض الأموال وفق المادة 8 من قانون رفع السرية المصرفية. 

وإثباتًا لذلك، نذكّر بأنّ المادة الثانية من هذا القانون قد أسقطت السرّية المصرفية بشكل كامل ومن دون استثناء عن جميع "رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف ومدرائها التنفيذيين ومدققي الحسابات الحاليين والسابقين" منذ  23 أيلول 1988. 

هذا مع العلم أنّ القانون برمّته يطبّق بطبيعته بصورة رجعيّة، وفق المنطق القانوني. فتطبيق مبدأ عدم رجعية القوانين ينحصر في الحالات التي تنشئ جرائم جديدة أو تشدّد عقوبات على جرائم سابقة، في حين أنّ القانون الآيل إلى إلغاء جرم أو تضييق حالاته (جرم إفشاء السرّية) أو المتّصل بوسائل الإثبات أو الاطّلاع على مستندات، ينطبق فور صدوره وبصورة رجعية ومن دون الحاجة لذكر ذلك صراحة. وهذا تحديدًا ما ذهب إليه الرأي القانوني الصادر عن صندوق النقد الدولي الذي ذكر أنّ القانون يكون من حيث المبدأ قابلًا للتطبيق على الحسابات والقيود السابقة أيضًا طالما أنّه لا يرتّب أي التزامات عن الماضي، حتى ولو لم يتضمّن نصًّا صريحًا بهذا الشأن.  

 

جمعية المصارف ترتكب جرم التدخل في القضاء 

إنّ دعوة جمعية المصارف القضاء النزيه والعادل بتحمّل مسؤوليته في نقض القرارات المتخذة بحقها والضغط عليه من خلال الإضراب لهذه الغاية إنما يشكل جرم التدخل في القضاء سندًا للمادة 419 عقوبات. وقد فسّرت قناة MTV أنّ المصارف تدعو النائب العام التمييزي غسان عويدات إلى تجميد الإجراءات المتّخذة من النيابة العامة في جبل لبنان، كما فعل من قبل في إطار قضايا أخرى. وإننا ننبّه هنا أنّ تدخّل أيّ مرجع قضائي لعرقلة التحقيقات في هذه القضية سيشكّل في عمقه انقلابًا جديدًا على العدالة لا يقلّ خطورة عن الانقلاب الحاصل في قضية المرفأ. وفي حال حصول ذلك، سيكون اللبنانيون، وفي مقدمتهم القضاة والمحامون، كلّهم مدعوّين للدفاع عمّا بقي من نظام العدالة.

 

لا وقف للانهيار من دون جلاء الحقائق والمحاسبة 

لم يخلُ البيان كما سائر بيانات الجمعية، من التهويل على اللبنانيين بربط مصير معيشتهم اليومية واقتصادهم بمصير المصارف وتصوير أي ملاحقة لأي منها بأنّه يعرّض لبنان للدمار. والواقع أنّ لا أمل بوقف الانهيار المالي وإعادة الثقة للقطاع المصرفي من دون الكشف عن حقيقة تهريب الأموال إلى الخارج وصولًا إلى المحاسبة وإعادة الأموال المنهوبة، وهو الأمر الذي يتطلّب دعم جهود القضاء والتصدّي لأي ممانعة مصرفية ضدها. أمّا أنْ تربط الثقة في لبنان بالثقة في قطاع مصرفي مفلس بدّد ودائع شعبه تحت غطاء السرّية المصرفية فهو بناء ثقة هشّة وشبه مستحيلة.    

 

انطلاقًا ممّا تقدم، 

يسجّل ائتلاف استقلال القضاء المواقف الآتية: 

إنّ جلاء الحقائق في قضية تهريب الـ 9 مليارات د.أ أمر أساسي وهو أمر لا يمكن حصوله من دون وضع النيابة العامة يدها على كامل القيود المصرفية المتّصلة بها وفق ما يتيحه لها قانون رفع السرّية المصرفية رقم 306/2022. وعليه، نحذّر من أي عرقلة لهذه التحقيقات أو انقلاب عليها،  نطالب النيابة العامة بمباشرة ملاحقة جمعية المصارف والمصارف بجرم التدخّل في القضاء سندًا للمادة 419 من قانون العقوبات، من خلال استغلال احتكارها للخدمة المصرفية للانقضاض على العدالة والإفلات من أي مساءلة، مذكّرين أنّ أيّ مصرف يلتزم بالإضراب يعرّضه للملاحقة الجزائية من دون إمكانية التذرّع بقرار جمعية المصارف،  نكرّر رفضنا لأيّ اقتراح قانون بتقييد حقوق المودعين والتحويلات المالية لا يكون مبررًا ومتوازنًا وعادلًا، أو يؤدّي إلى إعفاء المصارف من مسؤولياتها تجاه المودعين أو من الخضوع لمرجعية القضاء وأحكامه.