الأحد، حزيران/يونيو 23، 2024

أزمة الرأسمالية اللبنانية: حتى لا تذهب الأزمة هباءً

  غسان ديبة
رأي
«داخل كل أزمة هناك فرصة كبرى»ألبرت أينشتاين

لا يلتقي لبنانيان إلّا ويتحدَّثان عن الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان منذ العام 2019 والمستمرّة حتّى الآن. وبالطبع، يأتي الحُكم في نهاية الحديث بأن الأمور كلُّها سوداوية. لكن هل هي فعلاً كذلك؟ إذا كان صحيحاً أن داخل كل أزمة فرصة، فما هي الفرص أو الأوجه المُشرِقة للأزمة الرأسمالية في لبنان؟ بشكلٍ عام، عند البحث عن هذه الأوجه هناك ثلاثة أمور أو أسئلة تحكم هذا البحث. أوّلاً، هل هناك إعادة توزيع للدخل والثروة جيّدة، أي إنها لصالح الطبقات الفقيرة أو العاملة وإمّا لصالح التحفيز على النموّ الاقتصادي؟ ثانياً، هل هناك انهيار قيم أو تغيّر في الأسعار يزيل معوِّقات للنمو كانت موجودة قبل الأزمة، وبالتالي قد تؤدّي إزالتها إلى تحفيز النمو الاقتصادي؟ ثالثاً، هل هناك تغيّر في البنية الطبقية للمجتمع قد يكون له وقع إيجابي على الاقتصاد وعلى الاقتصاد السياسي؟  طبعاً، ومن دون الدخول في التفاصيل، فإن الأزمة كان لديها وقع توزيعي سيء من حيث انهيار مداخيل وثروات الطبقات الوسطى والعاملة من أجور وودائع في المصارف، خصوصاً تلك بالليرة اللبنانية (التي يتحدّث عنها القليلون)، ومن تعويضات نهاية الخدمة وأجور التقاعد، كما كان لها تأثير أولي وصادم على الاقتصاد الحقيقي، من حيث الركود (وإن كان برأيي ليس بالحدّة التي يتمّ الحديث عنها)، ومن حيث انتفاء الوساطة المالية التي كانت تقوم بها البنوك عبر الإقراض. كلّ هذا سيء طبعاً. ولكن هناك أمور حصلت نتيجة الأزمة يمكن اعتبارها إيجابية، لأن كلّ الأمور التي تحدث في التاريخ والاقتصاد والمجتمع تأتي مليئة بالتناقضات، وكلّ عمل تدميري له بُعدَه الخلّاق. ويمكن أن نرى اليوم مفاعيل هذه الأمور جزئياً. فما هي هذه الأوجه؟

إنّ كلّ أزمة أو حدث تضخّمي ينقل الثروة والدخل من الدائنين إلى المدينين، أي من حاملي القروض إلى الذين أخذوا القروض. ويحصل ذلك لأن التضخّم يؤدّي إلى انخفاض القيمة الحقيقية للديون

أوّلاً، انتقال الثروة من الدائنين إلى المدينين ممّا يحفز الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري.

إنّ كلّ أزمة أو حدث تضخّمي ينقل الثروة والدخل من الدائنين إلى المدينين، أي من حاملي القروض إلى الذين أخذوا القروض. ويحصل ذلك لأن التضخّم يؤدّي إلى انخفاض القيمة الحقيقية للديون. في الحالة اللبنانية، مع انهيار الليرة وحصول التضخّم، كان هناك كمّية كبيرة من الديون الخاصّة التي تحملها المصارف، وقد تمّ دفعها، سواء كانت بالليرة اللبنانية أو بالدولار، بقيم أقل بكثير ممّا كانت عليه قبل الأزمة، لأن المصرف المركزي أعلن، وعن حقّ، وجوب دفعها إمّا بالليرة على قيمة الدولار القديمة أو بالدولار المصرفي (الذي أصبح سعرها الفعلي بعد الأزمة ولمساواة قيم المطلوبات والموجودات. وأي أمر آخر، كما يدّعي البعض، مثل دفع القروض بالدولار الحقيقي، هو ضرب من الخيال أو التفكير المحاسباتي لا الاقتصادي، وكان سيؤدّي إلى انكماش-ديني debt-deflation، وتعثّر الديون، وتأزيم الاقتصاد الحقيقي أكثر). وهذا حدث أيضاً للقروض بين الأفراد والعملاء الاقتصاديين. إن اعادة التوزيع هذه بين الدائنين والمدينين لها وقع إيجابي على الاقتصاد الكلّي، فهي تنقل الثروة والدخل من عملاء اقتصاديين درجة إنفاقهم الاستهلاكي والاستثماري متدنية بالإجمال (أصحاب الأصول المالية والرأسماليين الريعيين) إلى عملاء اقتصاديين درجة إنفاقهم الاستهلاكي والاستثماري مرتفعة (المُستهلكين والرأسماليين المستثمرين). فالكثير من اللبنانيين كانوا يرزحون تحت عبء قروض منزلية واستهلاكية تمّ التخلّص منها (على سبيل المثال كم لبناني دفع قرضه المنزلي الذي كان يساوي عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات ببضعة آلاف من الدولارات بعد الأزمة). 

ثانياً، إنتهاء الدين العام اللبناني. 

أحد آثار التضخّم أيضاً هو تدنّي القيمة الحقيقية للدَّيْن العام اللبناني، وكذلك تدنّي الفائدة الحقيقية مقارنة بالنمو الحقيقي. ويعتبر هذا الأثر كلاسيكياً، إذ يؤدّي التضخّم إلى خفض القيمة الحقيقية للدَّيْن العام ونسبته إلى الناتج (بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية مثالاً). اليوم، لا يزال البعض يظن أن الدَّيْن العام لا يزال ماثلاَ، لا بل يزيد، في حين أن الدَّيْن العام الداخلي اللبناني انتهي فعلياً منذ العام 2019 بفعل التضخم العالي. أمّا  الدَّيْن الخارجي فقد تدنّى كثيراً فعلياً، لأنه سوف يخضع لإعادة هيكلة، وبالتالي لقصّة شعر كبرى إذا عرف اللبنانيون كيف يتفاوضون مع الدائنين. إن انخفاض الدَّيْن العام، الذي كان يخنق الاقتصاد قبل الأزمة، سوف يحرِّر الدولة اللبنانية من هذه الالتزامات (والآن حرَّرها من صدمة الفوائد بعد قرارات الفدرالي الأميركي الأخيرة التي أحدثت موجات صدمية في الدول النامية)، وبالتالي سوف يخفِّض خدمة الدَّيْن التي كانت تستحوذ على نحو 10% من الناتج المحلّي. كذلك سوف يساعد على خفض العبء الضريبي، ويشكّل فرصة لإعادة ترتيب الإنفاق الحكومي باتجاه تحفيز الاقتصاد الحقيقي عبر الإنفاق الاستثماري العام، وباتجاه الإنفاق الاجتماعي على الصحّة والتعليم والنقل بدلاً من نقل الموارد والدخل والثروة من دافعي الضرائب، وأكثرهم من الطبقات الوسطى والعاملة (بسبب تراجعية النظام الضريبي)، إلى الريعيين الذين يستحوذون على أدوات الدَّيْن العام.

 

 

انهيار سعر الصرف والانتهاء القسري لـ«لاهوتية» سعر الصرف الثابت فكّكا هذه السترة الحديدية لسعر الصرف عن كاهل الاقتصاد، وهو ما يمكّنه من الاستفادة من تنافسية كامنة

ثالثاً، نزع السترة الحديدية لسعر الصرف.

بوصفه للاقتصاد الأرجنتيني قبل أزمة 2001/2002، قال بول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، أن الاقتصاد الأرجنتيني يعاني نتيجة تثبيت سعر البيزو إلى الدولار، حيث كان نظام سعر الصرف شبيهاً بالوضع اللبناني. يقول كروغمان في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001 في «نيويورك تايمز»، تعليقاً على تمسّك الأرجنتين بنظامها النقدي على الرغم من تأثيره السلبي على الاقتصاد إنه «من الصعب التصديق أن الارجنتين سوف تضحّي ليس باقتصادها فقط، بل بتصنيفها الائتماني على مذبح لاهوتية نقدية فاقدة للمصداقية. ولكن عندما تقرأ هذه الأسطر، فإن المسؤولين الأرجنتينيين يصلبون وطنهم الذي يعاني على صليب من الدولارات».  

وهذا ما كان يحصل أيضاً في لبنان. انطوى سعر الصرف الثابت على تأثير انكماشي على الاقتصاد في الكثير من الأحيان، وأدّى إلى تراجع القدرة التنافسية للسلع اللبنانية. فارتفعت أسعار السلع اللبنانية في الخارج (ما عدا تجاه الأسواق الأوروبية خلال ارتفاع اليورو تجاه الدولار)، وارتفعت الأكلاف الداخلية من فوائد وإيجارات وأجور، كما أدّى إلى انخفاض أسعار السلع المستوردة نسبة إلى الأسعار الداخلية، ممّا أدّى إلى استبدال السلع الداخلية بالسلع الخارجية.

في هذا الإطار، فإنّ انهيار سعر الصرف والانتهاء القسري لـ«لاهوتية» سعر الصرف الثابت فكّكا هذه السترة الحديدية لسعر الصرف عن كاهل الاقتصاد، وهو ما يمكّنه من الاستفادة من تنافسية كامنة (وإن كان يقابلها ارتفاع أسعار السلع الوسيطة والطاقة)، وأيضاً من توسّع الإنتاج المحلّي على حساب الاستيراد. قد لا تبدو هذه التنافسية واضحة في الأرقام الكلّية (خصوصاً في التصدير) حتّى الآن، إلّا أنها سوف تأتي في المستقبل نتيجة تدني الأكلاف المحلّية.

حاجتنا لإعادة هيكلة المصارف في لبنان ليست بالأهمّية التي كنّا نعتقدها في بداية الأزمة، إذ أن هناك حلولاً للإقراض والادخار تتجاوز القطاع المصرفي التقليدي وهي تحصل فعلياً الآن

رابعاً، انتهاء الطبقة الريعية والعلاقة بينها وبين دولة الطائف، وانتهاء ميكانيزمات نقل الدخل وتراكم الثروة لدى الطبقة الرأسمالية الريعية. 

يتيح هذا الأمر الفرصة للانتقال إلى رأسمالية مختلفة أكثر إنتاجية عبر إزالة هذا التحالف المعوِّق للنمو (حسب منهج الاقتصادي مانكور أولسون). كما أن انتهاء حلم لبنان كمركز مالي يشكِّل فرصة لإعادة بناء نظام مصرفي أكثر «تواضعاً»، يلبّي الحاجات الحقيقية للتمويل والادخار بدلاً من كونه نظاماً يسعى لتراكم الثروة لدى القلّة، حيث دفع هذا الأمر بالمصارف إلى بناء نظام مصرفي هشّ. بالمقارنة مع الثمانينيات، حين حصلت أزمة نقدية على مدى تسع سنوات تقريباً، لم تحصل أزمة مصرفية، واستمرّ المودعون بالدولار بالوصول إلى ودائعهم. ويمكننا الذهاب أكثر من ذلك، ففي معرض تعليقه على الأزمة المصرفية الحاصلة حالياً في البلدان الرأسمالية المتقدّمة، والتي حصدت ضحاياها بنك وادي السيليكون وكريديه سويس، يقول يانيس فاروفاكيس، وزير المالية الأسبق في اليونان، في مقالة بعنوان دعوا المصارف تحترق أنّنا «لسنا بحاجة بعد اليوم إلى الاعتماد على شبكة من المصارف الخاصّة التي تسعى إلى الريع مُعرِّضة المجتمع للهزّات، على الأقل ليس بالطريقة السابقة ذاتها» (هل يبدو هذا مألوفا؟). واقترح فاروفاكيس أن يكون لدى المواطنين حسابات مباشرة رقمية لدى المصرف المركزي تستبدل الحاجة إلى المصارف. إذا أضفنا التطوّرات التكنولوجية في عالم المال (fintech)، نستطيع القول إن حاجتنا لإعادة هيكلة المصارف في لبنان ليست بالأهمّية التي كنّا نعتقدها في بداية الأزمة، إذ أن هناك حلولاً للإقراض والادخار تتجاوز القطاع المصرفي التقليدي وهي تحصل فعلياً الآن. هذه الأمور يجب البحث فيها عند الإجابة على سؤال أي نظام «مصرفي» نريد بعد الأزمة؟

نحن في لبنان في أزمة كبرى وعلينا من أجل الخروج منها وبناء الاقتصاد الجديد أن ننهي الفكر الاقتصادي الذي سيطر قبل الأزمة

خامساً،  تعرَّض الفكر النيوليبرالي والاقتصاد الحرّ إلى نكسة كبرى. 

إنّ الإحساس بالتفوّق، وامتلاك الحقيقة في علم الاقتصاد، والادعاء أنّ الأسواق الحرّة والمبادرة الفردية وخفض الضرائب على الثروة والأرباح هي حقائق اقتصادية لا يمكن المسّ بها، أثبتت الأزمة فشلها بالكامل. من هنا لا يمكن أن يكون علم الاقتصاد في لبنان بعد الأزمة كما كان قبل الأزمة. وهذا الأمر سوف يعكس أيضاً التغيّر في الفكر الاقتصادي وموت النيوليبرالية حول العالم. يقول نيك هناور، وهو أحد المبادرين والرأسماليين المُخاطرين في الولايات المتّحدة في تغريدة له، إن «النماذج الماكرو اقتصادية المُسيطرة كتبها نيوليبراليون مُتشدِّدون، وبالتالي إنها غطاء لحماية الأغنياء والأقوياء، وفي أكثر الأحيان يجب أن تُهمل». إذاً على السياسة الاقتصادية بعد الأزمة أن تكون مختلفة، فحتى روبرت لوكاس، أهمّ جهابذة الفكر الاقتصادي الحرّ، الذي ساهم نظرياً في إنهاء الكينزية على المستوى النظري، قال «إنّنا جميعاً كينزيون في الخندق»، أي خلال الأزمة. نحن في لبنان في أزمة كبرى وعلينا من أجل الخروج منها وبناء الاقتصاد الجديد أن ننهي الفكر الاقتصادي الذي سيطر قبل الأزمة.

كتب فيليب ميروفسكي، في كتابه عام 2013 «لا تدع أبداً أزمة جدّية تذهب هباءً"، كيف استطاع الفكر النيوليبرالي العيش بعد أزمة 2008. يمكننا اليوم بعد عشر سنوات أن نناقش هذا الأمر، لكن رسالة الكتاب مهمّة لنا في لبنان. هناك أمور إيجابية تحدث تلقائياً كما ذكرت، ولكن الكثير بحاجة إلى سياسات جديدة مثل النظام الضرائبي، وسياسات الإنفاق، ودور المصرف المركزي، والسياسة الصناعية، وأي نظام مصرفي نريد، وكلّها تتطلّب نظرية اقتصادية جديدة. إذاً يجب أن يتغيّر الكثير من أجل ألّا ندع هذه الأزمة، التي أذت الكثيرين، أن تذهب هباءً.

 

د. غسان ديبة

أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). تتركّز أبحاثه حول الاقتصاد السياسي والاقتصاد الماركسي وتأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي.