الثلاثاء، تموز/يوليو 23، 2024

عالم قيد التحوّل: كسر الهيمنة هو المطلوب

  حسن خليل
رأي
  "عالم قيد التحوّل: كسر الهيمنة هو المطلوب" 

حسن خليل - عضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات السياسية للحزب الشيوعي اللبناني

هو عالم يمشي على رأسه. لقد سقطت قيمه منذ أن اختّلت المفاهيم وسادت عقلية "المتعالي". لقد كان خطاب كونداليزا رايس – وزيرة الخارجية الأميركية أبان حرب تموز في لبنان عام 2006، مبررةً المجازر الإسرائيلية التي تُرتكب بحق الشعب اللبناني بأنها مخاض ولادة "الشرق الأوسط الجديد" – التوصيف الحقيقي والواضح في عدوانيته، لعالم ما بعد الانهيارات والذي ساد منذ تسعينيات القرن الماضي ولا يزال مستمراً. لقد توالت الحروب بمختلف تسمياتها وأشكالها؛ بالسلاح والدمار والحصار والعقوبات، الحروب "العادلة" و"الاستباقية"... فذلك "اليانكي"، الذي بنى إمبراطورتيه على الدماء والدمار والقهر، لا يريد أن يرى في هذا العالم نداً له؛ لقد أجهض أوروبا بوحدتها وحارب الصين وعاقب روسيا، لقد حمى العدوان الصهيوني المتواصل على شعب فلسطين لا بل شارك فيه. لقد احتل العراق وأفغانستان، وأرسل جيوشه وأساطيله إلى أربع جهات العالم، لقد حاول الفتك بفنزويلا ودعم الانقلابات في أميركا اللاتينية، لقد حاصر كوبا وكوريا وإيران وسوريا... وابتز البقية. لقد بنى إمبراطورتيه على منطق "الآمر الناهي" الذي يضع كل المقدرات بين يديه وفي خدمته ولا يُرد له طلب. لقد سخّر المؤسسات الدولية قاطبة في خدمة مشاريعه العدوانية، تُصدّر قراراتها وفق الرغبة وغب الطلب، وجعل منها أدوات للسيطرة والابتزاز والتحكم. لقد أجهض منطق الدول الوطنية لمصلحة الدول التابعة، فأعطى السلطة لكثيرين من اللاعبين وحجبها عن آخرين، لقد أصبحت مؤسساته العابرة أكثر نفوذاً وسطوة من أكثرية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ناهيك عن المقدرات المالية العابرة للحدود من دون رادع أو وازع أو مراقبة. لقد نسج "عولمته" على مقاس نفوذه ونفوذ شركاته وأساطيله، فبنى منطقها على مثلث ثلاثي الأضلاع: البنتاغون وهوليوود وماكدونالدز، وهنا ليست التسمية هي الأهم، بل الوظيفة من تلك التسميات وخلفياتها.

لقد انتقل خطابه السياسي من "الانتصاري" مع انتهاء الحرب الباردة إلى "المتسلط" مع محاولة بناء عالمه الأحادي والذي طبع العقود الأخيرة من القرن الماضي وبداية الحالي. هذا "اليانكي"، الذي لم يرتدع من هزائمه المتتالية على مسافة قرن من الزمان، لا يزال متمادياً في صلفه، مدعوماً بقارة عجوز تبحث عن إرث ضائع ودول تابعة. وعليه يحاول إخضاع الآخرين من خلال أحلاف عسكرية موروثة من زمن الحرب الباردة. لقد خرجت روسيا مهزومة من إرث الاتحاد السوفياتي السابق، فاصطفت كجمهورية موز مستجدة في عالم قيد التحوّل من دون حق الدفاع حتى عن مجالها الحيوي. وساد منطق العالم الجديد القائم على "الحريات" المزعومة وكسر الحدود وسيادة قيم العالم الحر على ما يدّعون. لقد توالت تلك العقلية وانتقلت من مرحلة الاستفادة من التفرد بقيادة العالم إلى مرحلة إعادة صياغته وفق مفاهيم مختلفة لمصلحة رأس المال وأصحابه ومؤسساته. فلم تعد مقولة الدولة الوطنية قائمة إلّا على الخرائط ولم تعد للسيادة الوطنية تعريفاً مرتكزاً على مواصفات محددة، بل منتهكة ومصنّفة وفق مواصفات تقوم على دور وظيفي في منظومة العالم "الحر". لقد سقط العالم برمته في فخ المنطق المقلوب القائم على ذهنية السيطرة والحكم المتأتية من مركز واحد والذي هو الولايات المتحدة الأميركية. 

لقد فقدت أوروبا جدوى وحدتها وقوتها تحت ضغط الدول الوافدة، سواء تلك التي جاءت من الفضاء السوفياتي السابق، أو التي ولدت بنتيجة حروب البلقان. لقد استفادت "إمبريالية العولمة المستحدثة" من حالة فراغ دولية قاتلة، فشرعت، ومن دون هوادة، في إعادة رسم العالم وفق منطقها وكيفية تحقيق أهدافها، فكانت الحروب المتنقلة: في العراق وأفغانستان ولبنان وغزة... وغيرها من المواضع. لم تمانع روسيا أو أنها سكتت على مضض، ولم تعارض أوروبا، بل في كثير من الأماكن شاركت. لم تكترث الصين بما يجري، بل تفرّغت لإعادة تكوين نظامها وصياغة دورها، مرتكزة على منطق السيطرة الاقتصادية بواسطة الأسواق، فاندفعت تبني علاقاتها من دون تصادم مع "حكّام العالم". واستمرت تلك الحالة والتي وصلت إلى مستوى التهديد المباشر لروسيا، في حرب الشيشان وبعدها في أبخازيا وفي منطقة آسيا الوسطى، فبدأ التحدي، يُضاف إليهم ما جرى في لبنان 2006 وفي فلسطين 2008.

 لقد كانت تلك الأحداث بداية مؤشرات أنبئت ببداية ولادة عالم آخر، بغض النظر عن طبيعته. وما جرى وبالطرق الديمقراطية في أميركا اللاتينية من عودة لليسار وبداية مقاومة جدّية للسياسات الأميركية، وما جرى على الساحة الدولية بين الروس والأميركيين في أكثر من موقعة دبلوماسية أو احتكاكات بالواسطة، كانت مؤشراً إلى ضيق متنامٍ من السياسات الأميركية، الأحادية والمنفردة ومحاولات صدّ لبعض التمادي على المسرح الدولي (فنزويلا، سوريا، العراق، إيران...)، ثم الذي حصل في كازاخستان مؤخراً، من محاولة الاطاحة بالنظام القائم والتدخل الروسي السريع والحاسم، ليعطي مؤشراً في اتجاهين، الأول، بأن منطق الاستباحة الأميركية للعالم قد انتهى أو اقله لجم إلى حدٍ ما، والثاني بأن اللعب مع الروس يكاد يصبح على أبواب البيت. وقد اكتمل هذا المنطق بالاندفاعة صوب الحدود الغربية لروسيا فكانت العين على أوكرانيا، والتي ساهمت مشاكلها الداخلية والنزاع الذي اندلع فيها منذ أعوام، في جعلها مختبراً لكيفية تعاطي روسيا مع الأخطار التي باتت تحاصرها من كل اتجاه. 

لم يحلّ حلف الأطلسي نفسه كما فعل حلف وارسو، بل سارع إلى جذب دولاً جديدة له ورسم لنفسه وظيفة أمنية على مختلف الساحات وميادين الصراع. وعليه أصبحت عقيدته الحربية هي تكريس الهيمنة الأميركية/الغربية على العالم، بالقوة والضغط والحصار. أرسل قوات إلى آسيا الوسطى والعراق وبعض دول أفريقيا، وشارك في النزاعات. زاد التوتر وارتفع منسوب الحروب وتنامي سباق التسلح بين كبريات الدول، وكل ذلك كان بهدف تأبيد السيطرة، التي بدأت مع انهيارات التسعينيات، ومنع أي إمكانية لقيام قطبية أخرى. لقد جاءت الحرب الأوكرانية/الروسية كمختبر لفهم طبيعة التناقضات المحتدمة على الصعيد العالمي، وهي بهذا المعنى حرب روسية/أطلسية. فالولايات المتحدة الأميركية تقاتل اليوم بغيرها؛ تقاتل بالأوروبيين وتقاتل بدول العالم التابعة وقبل كل شيء تقاتل بالشعب الأوكراني. تدافع عن هيمنتها التي كرستها طوال ثلاثة عقود من الزمان. تقاتل حتى آخر أوكراني وروسي وأوروبي. روسيا تقاتل عن نفسها بعدما أصبح الخطر على أبوابها. روسيا تقاتل عن موقع مفقود لها كدولة عظمى تريد إعادة تمكين حضورها الدولي كي تضمن وجودها كأحد الأقطاب المهيمنة عالميا. أوروبا تقاتل عن أميركا وتدفع الثمن، كمثل وجود أميركي عسكري مباشر، أو  هيمنة اقتصادية عالمية، اوروبا تقاتل ضد روسيا حتى آخر مواطن أوروبي مهدد اليوم بأمن طاقته واقتصاده ورفاهيته. 

وأمام ما يجري اليوم، هل نحن فعلاً أمام محاولة استبدال العولمة الليبرالية البالية والمستنفدة والسائدة منذ نهايات القرن الماضي، بنظام عالمي جديد؟ وهل يجب، وبهذا المنظور، النظر إلى هذا الصراع وترقب نتائجه؟  إن حجم الاصطفافات القائمة تجعل التكهن بمآلات الأمور صعبة. لكن من المؤكد بأن ثمة مستجداً سينتج عن الذي يجري؛ لن تكون الشعوب بمنأى عن التداعيات، ولن يكون العالم، المستباح من رأسمالية مستفيدة من حروبها وعقوباتها، خارج تلك التداعيات. إنه، ومن الواضح، بأن نمط السيادة التي كانت مسيطرة منذ أكثر من ثلاثين سنة سيسقط، ولكن بأي اتجاه ولمصلحة من؟ وبأن عصر الاستفراد بالعالم، من قبل من اعتقد بنهائية انتصاره، لن يستمر؛ فعالم متعدد الرؤوس قادم لا محالة، لا بل أصبح قيد التشكّل. ولكي لا تقع الشعوب مجدداً في اختبار الخيارات وتقع في فخ الاختيار بين السيء والأسواء،  وجب عليها المفاضلة بين السيء والأفضل. يجب وبناء على هذا المرتكزات المرتبطة بتناقض المصالح والخيارات بين دولٍ كبرى، ليست متشابهة بالتأكيد كلياً، فعلى شعوب العالم وقواه، الممثلة لمصالح طبقات اجتماعية مسحوقة من عولمة ليبرالية متحكمة بكل المفاصل، ان تُعيد لمنطق التحرر الوطني وكسر الهيمنة وفك التبعية أولويته والعمل باتجاه تحديد خطوط التلاقي أو التناقض وتبنى عليها خياراتها في بلدانها ودولها، وأن تكون مؤَسِسَة لخيار سياسي بديل، قادر خوض موجبات المواجهة.

من المؤكد أن يكون واقع الحال، السائد عالمياً، سبباً تأسيسياً لإعادة تقييم الوضع الدولي على ضوء الأحداث الجارية. لم يعد من المقبول التعامي، وتحت ذرائع مختلفة، عن اصطفافات خطيرة مترافقة مع خطاب سياسي استعلائي وخطير؛ حلف الأطلسي وبكل مكوناته، الأصلية منها والتابعة، يتصرف كما لو أن العالم ملك يمينه. العنجهية الغربية، وبكل لغاتها، تتصرف كما لو أنها في نهاية القرن التاسع عشر وهي تحكم بلداناً لا تغيب عنها الشمس. ربما مرحلة الانقسام الدولي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية لجمت إلى حدٍ كبير التهور الغربي اتجاه شعوب العالم ودوله. لكن فترة الانهيارات وما تبعها أعادت الحياة إلى مكنونات بنيوية في النخاع التأسيسي لعقلية الرجل الأبيض وعنصريته التي سادت العالم في الفترة الممتدة بين نهاية القرين العشرين والعشرية الأولى من الواحد والعشرين. هي قراءة للذي جرى ودعوة لإعادة استنهاض القضايا، التي لطالما شكّلت منطلقات الفرز السياسي في العالم؛ المتضررون كثر، والناقمون أيضاً. فلنُعدْ صياغة منطلقاتنا بهدف تثبيت التناقض القائم حالياً وتحويله إلى محدد للمواجهة، التي ستضمن وضوحاً في اختيار مكونات الصراع وتموضعاتها وجهاتها. وإلى حين نضوج البدائل المطلوبة، فمتى اصطفت الجيوش للقتال، انظر إين يقف الأميركي وقف في الجهة المقابلة له.