الأحد، نيسان/أبريل 14، 2024

ملحق اقتصادي للتقرير السياسي صادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني

  ادارة الموقع
أخبار الحزب
    تستمر الازمة الاقتصادية التي بدأت في عام 2019 من دون أن تلعب الدولة اللبنانية دورا فاعلا في معالجة أسبابها والعمل على النهوض الاقتصادي. وتتجلى الازمة اليوم:

اولا، في استمرار الطبقات العاملة والمتوسطة في تحمل تبعات تراجع دخلها الحقيقي ومدخراتها نتيجة التضخم وانهيار سعر صرف العملة وعدم تصحيح الأجور بشكل كاف. وهذا يعني تراجع القدرة الاستهلاكية لهذه الطبقات وعدم تمكّنها من الحصول على احتياجاتها من خدمات التعليم والسكن والصحة، مما يؤثر سلبا وبشكل كبير على مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي.

 

ثانيا، في عدم حلّ معضلة حجز الودائع في المصارف وعدم اتخاذ ما يلزم من قرارات تتعلق بحماية مدخرات صغار المودعين، مما يزيد من القهر الاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه الطبقة العاملة والفئات المتوسطة. 

 

ثالثا، في التصفية الكاملة لمدخرات المتقاعدين وتعويضات نهاية الخدمة في جميع نظم التأمينات ذات الصلة، وبخاصة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصناديق تعويضات المهن الحرّة، إضافة بالطبع الى انهيار القيمة الحقيقية لمعاشات التقاعد في القطاع الرسمي.

 

رابعا، في تراجع كم ونوعية خدمات التعليم على المستويات كافة خصوصا في التعليم الرسمي، مما يهدد جيلا كاملا بعدم الحصول على تعليم جيد يمكّنه من امتلاك المهارات المطلوبة للفوز بوظائف جيدة في المستقبل، مما سيؤدي مستقبلا الى تراجع القيمة الحقيقية لمداخيل هذا الجيل وزيادة البطالة المقنعة وعدم المساواة في الدخل والثروة لآجال طويلة.

 

خامسا، في تعاظم هجرة الشباب المتعلم منذ عام 2019، مما سيؤدي الى فقدان لبنان للعمالة الماهرة والتأثير سلبا على الاقتصاد وتشتيت العائلات اللبنانية وزيادة الهوة بين الاقتصاد اللبناني في الداخل وبين ما يمكن اعتباره اقتصاد لبنان الخارجي، وسط ارتفاع نسبة العمالة اللبنانية في الخارج مقارنة بالداخل وتزايد الخلل في توزع المهارات بينهما. كما يشهد سوق العمل تعاظم البطالة وتقلص قيمة الاجور حتى في القطاعات التي تتطلب عمالة ماهرة، هذا الى جانب ارتفاع الطلب على العمالة الغير نظامية مما يفاقم الهوة الاقتصادية بين القلة التي تمتلك الثروة والراسمال وبين سائر قطاعات الشعب اللبناني.  

 

سادسا، في عدم بروز أيّ أثر لنموّ اقتصادي حقيقي بعد مضيّ أكثر من أربع سنوات على الانهيار المالي والاقتصادي، مما يرسّخ واقع الركود الاقتصادي المستمر منذ 2019 وعدم جهوزية الاقتصاد لخلق وظائف جيدة ومرتفعة الأجر تتيح إجراء تحوّل معاكس في الاتجاه السائد منذ 2019 وحتى الآن.

 

سابعا، في تراجع مستوى الخدمات العامة، من كهرباء ومياه واتصالات، وفي البنى التحتية ومن ضمنها المدارس والمستشفيات الحكومية والطرقات والمرافق العامة. 

 

 

 

 

قانون موازنة عام 2024

 

تشكّل الموازنة بشكل عام احدى أهم أدوات الدولة في التدخل في الاقتصاد والمجتمع، وكان ينبغي ان تكون أهدافها مندرجة في الحالة اللبنانية ضمن خطة لمعالجة الازمة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. غير أن موازنة 2024 أتت لتعمق هذه الازمة من حيث:

 

اولا، ان الفذلكة او المقدمة التي تضع الاطار الاقتصادي والاجتماعي للموازنة بدت بشكل عام محاسباتية صرفة، وطغت عليها أولوية سرد ارقام الواردات والنفقات من دون التطرق بشكل جدي الى كيفية معالجة الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الازمة. كما ان الفذلكة تضمنت إشارات ملتبسة الى مشاريع "خصخصة" مرافق عامة وتغيير أنظمة التقاعد في القطاع الخاص وتخفيض حجم القطاع العام وغيرها من "الاصلاحات" النيوليبرالية. 

 

ثانيا، تتسم هذا الموازنة بالتقشف المتطرف، وقد اصطنعت تحقيق التوازن بين الواردات والنفقات على سقف لا يتجاوز 3.5 مليار دولار فقط. وهذا يعني، مع الأخذ في الاعتبار حجم الازمة ومفاعيلها، ان الدولة قررت إعفاء نفسها من التدخل عبر الموازنة لإيجاد معالجات وحلول على الاقل لبعض تلك التداعيات. هذا مع التأكيد على ان التقشف في هذه المرحلة غير مناسب أو مطلوب، كونه يخالف الف باء علم الاقتصاد. كما ان الذرائع التي تساق بخصوص ارتفاع الدين العام هي غير حقيقية، إذ ان الدين العام بالليرة اللبنانية قد انتهى فعليا والدين بالعملات الأجنبية مرشح لعملية خفض قسرية وجذرية في المستقبل.

 

ثالثا، ان إيرادات الضرائب والرسوم غير المباشرة استمرّت تشكّل نحو 80% من اجمالي الإيرادات الضريبية، بعدما تمّت مضاعفة إيرادات التعرفات والرسوم العامة ما بين 10 أضعاف و 46 ضعفا (ووصلت في بعض الحالات الى 60 ضعفا) مما يركّز العبء الضريبي بشكل غير متساو على الطبقات الوسطى والعاملة.

 

رابعا، أبقت الموازنة الضريبة على شركات الاموال عند نسبة 17% وهذا ما يعكس ويخدم مصالح الراسمال المسيطرة على مجلس النواب. كما حافظت على تساوي الحد الأعلى للضريبة على الأجور مع الحدّ الأعلى للضريبة على الأرباح، وذلك بالرغم من أن راس المال حقّق في الفترة الأخيرة فائض أرباح ناتج عن دولرة الأسواق وخفض أجور العمال وتراجع القيمة الفعلية للديون. كما ان الموازنة لم تتطرق الى استحداث اية ضريبة  على الثروة. ومن سلبيات الموازنة ايضا اعتمادها اعفاءات وتنزيل ضريبي على التحسين العقاري مع عدم تطبيق الضريبة الموحدة على مجمل الدخل.

 

خامسا، لم تلحظ الموازنة توفير الحد الأدنى المطلوب من الأعتمادات المالية لمقومات الصمود الشعبي لأكثر من مئة الف نازح عن قرى الشريط الحدودي ولا لمن دمرت منازلهم وفقدوا مصادر عيشهم اليومي وكأن ما يعانيه الصامدون والنازحون من سوء أوضاعهم الاجتماعية لا تعنيهم من قريب أو بعيد.

 

سادسا، تمثّلت بعض البنود الايجابية في الموازنة في استحداث ضرائب استثنائية على الأرباح التي تأتت من منصّة صيرفة للافراد والشركات، وكذلك على الأرباح التي حققتها الشركات نتيجة تسهيلات الدعم  التي حصلت عليها من مصرف لبنان بعد الازمة. الا ان مستويات الضريبة المقرّة بقيت متدنية ومن دون طابع تصاعدي، واستمرت تحيط شكوك كبيرة في آليات تحديدها وجبايتها بسبب تفشي الفساد والتعمية على قواعد المعلومات وتفكك المؤسسات العامة المعنية بالتكليف والجباية والرقابة. كما ان الموازنة لم تأت في هذا الاطار على فرض ضريبة استثنائية على ارباح الهندسات المالية التي كانت من مسببات الازمة. 

 

 

سابعا، عدم مقاربة الموازنة لقضية تصحيح الأجور والرواتب في القطاع العام وتعويضات نهاية الخدمة والمعاشات التقاعدية، وصولا الى عكس الانهيار الكبير الذي حصل في قيمها الحقيقية، مما يعني عمليا الحكم على شريحة واسعة من اللبنانيين الذين  هم في خريف العمر بالفقر والعوز والافتقار الى الأساسيات مثل الخدمات الصحية في وقت هم في قمة الحاجة لها. 

 

ثامنا، ان الطابع التقشقي للموازنة يعني ان الانفاق بالقيم الحقيقية على التعليم والصحة والخدمات العامة سيكون اقل بكثير من المطلوب لاعادة النهوض بهذه القطاعات الأساسية في الاقتصاد والمجتمع اللبناني.  كما يعني ان الاستثمار العام في صيانة وتطوير شبكات البنى التحتية سيكون محدودا الى درجة كبيرة، وهذا ما سيؤثر سلبا على الاقتصاد والمجتمع وعلى انتاجية العمل عموما

 

 تاسعا، على الرغم من أن الموازنة فرضت غرامة مقطوعة على شاغلي الاملاك البحرية، غير أنها لم تجر أيّ تمييز بحسب أحجام الاشغال وطبيعة عمل المؤسسات والاشخاص. فمن المفترض ان تكون الغرامة (او بالاحرى الضريبة) مرتبطة بحجم الإيرادات التي تتأتى اصلا من هذا الأشغال بدلا من اعتماد غرامة مقطوعة بالمطلق، وكان من شأن ذلك أن يزيد ايرادات الدولة ويحقق عدالة ضريبية بين مختلف الشاغلين. 

 

 قانون "نظام التقاعد والحماية الاجتماعية"

 

من ضمن المشاريع الواردة في فذلكة الموازنة، يبرز مشروع قانون التقاعد الصادر في كانون الاول 2023 والذي يستهدف "اصلاح" الضمان الاجتماعي، من خلال تحويل "نظام تعويض نهاية الخدمة" الى "نظام تقاعد" قد يكون من أخطر المشاريع المؤثّرة سلبا على الطبقة العاملة والموظفين اللبنانيين من حيث: 

 

1 - أنه يكرس رسميا الانهيار الكبير في القيم الحقيقية لتعويضات نهاية الخدمة لمئات الالاف من العمال والموظفين، من خلال استبدال نظام تعويضات نهاية الخدمة بنظام تقاعد ترسملي لا يضمن للعمال الا راتب تقاعدي بحدّ أدنى هزيل.

 

2- ان النظام الترسملي المقترح يلقي مخاطر الاستثمار على عاتق العمال، والحدّ الأدنى المضمون للأجير يمثل بين 55 و 80 بالمائة من الحد الادنى للأجراو %1.33 سنويا من الأجر المتوسط (ايهما اعلى)، وهذا ما يعتبر متدنيا جدا مقارنة بسنوات الاستثمار التي قد تصل الى 40 سنة. وبالتالي فإن البعد التوزيعي للنظام هزيل جدا مقارنة بالبعد الترسملي. 

 

 3- في ما يخصّ ربط معاشات التقاعد بالتضخم، يذكر المشروع ان ذلك سوف يتحقّق فقط "عندما تتوفر الشروط الاقتصادية المناسبة"! وهذا الامر يعتبر خرقا فاضحا لمبدأ التشريع ويضع العمال والموظفين تحت سطوة من يقرر "توفر الشروط الاقتصادية المناسبة". 

 

4- إجبار اكثرية العاملين حاليا الى الانتقال الى النظام الجديد حتى عمر ال 58، مما ينتهك مبدأ الاستمرارية في التشريع. 

 

5- عدم وضوح عامل التحويل من قيمة الرسملة الى قيمة المعاش التقاعدي، كما يتوقف هذا التحويل على التقييم المالي وهو ليس ثابتا.

 

6. اعتماد ربط الأجور بالتضخم على التقييم الدوري للخبير الاكتواري ويعلق ربط الأجور اذا كانت النتيجة سلبية- يُربط نظام التقاعد بمفهوم "الحماية الاجتماعية" او "الرعاية الاجتماعية" او "ضمان الشيخوخة" وبالتالي فإن روحية المشروع تنضح يالايديولوجية النيوليبرالية. فمثلا يقول المشروع "الاهم من ذلك انه ابقى مهمة الرعاية الاجتماعية بكل أبوابها تحت سقف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي". في هذا الإطار، لا بد من الاشارة الى ان المعاش التقاعدي ليس حماية اجتماعية بل هو حق اقتصادي للعامل والموظف اكتسبه عبر عمله وليس منّة من الدولة. ويتبين من ذلك التوجه النيوليبرالي محاولة الاستناد الى شرعة حقوق الإنسان او تلك الصادرة عن منظمة العمل الدولية كغطاء للتخلي عن "نظام تعويض نهاية الخدمة". 

 

8- ان سقف الاشتراك يبلغ 4 مرات متوسط الأجور، مما يعرّض الذين تزيد أجورهم عن ذلك الى خسارة مؤكدة مقارنة مع النظام الحالي.

 

9- ان نسبة الاقتطاع من العامل وصاحب العمل تبلغ 16.5 بالمائة ولكنها تصبح 12.5 بالمائة عند الاستثمار. كما ان الكلفة الإدارية تبلغ 1 % وهي مرتفعة نسبة الى أنظمة التقاعد. 

 

 10- ان مصفوفة المهارات والخبرات المطلوبة للجنة الاستثمار واسعة بحيث يمكن تعيين أشخاص ليست لديهم خبرة في هذا المجال مثل حاملي إجازات المحاسبة او غيرها. وهنا يجب أن تتضمن هذه المصفوفة باكثرية الثلثين من لديهم خبرة في صناديق المعاشات التقاعدية. 

 

ان استعمال الازمة الاقتصادية لضرب اهم مكتسبات الحركة النقابية في الستينيات - أي الضمان الاجتماعي الذي من خلاله حققت الطبقة العاملة اللبنانية مكتسبات كبيرة - ليصبح مشروعا في غير مصلحة العمال والموظفين، لهو تعبير عن الدرك الأسفل الذي وصل اليه التحالف الراسمالي-الطائفي، مما يطرح على الطبقة العاملة والحركة النقابية ضرورة مقاومته واسقاطه. 

 

قرار الحكومة حول أجور العاملين في القطاع العام

 

أقرّت الحكومة بتاريخ 28 شباط 2024 ما أسمته "تعويضات مؤقتّة" على أجور العاملين في القطاع العام.  وفي  انتظار صدور الجريدة الرسمية للاحاطة بالمندرجات التفصيلية لهذه المقررات و"ألغامها"، فانه يمكن تسجيل الملاحظات التالية: 

 

لا تعتبر هذه التعديلات بمثابة تصحيح نظامي لرواتب وأجور العاملين في القطاع العام، كونها لا تدخل في صلب الراتب، وبالتالي فانها لا تدخل في احتساب المعاش التقاعدي أو تعويضات نهاية الخدمة، مما يبقي سيف الظلم والقهر مسلّطا على مستقبل العاملين في القطاع العام.  سيحصل العاملون في الخدمة والمتقاعدون على تسعة أضعاف الراتب، بزيادة راتبين لموظفي الخدمة وثلاثة رواتب للمتقاعدين، وتأتي المساواة في عدد المضاعف كنتيجة للضغط المتزايد الذي مارسه العسكر المتقاعدون. وفي الاطار ذاته تمّ إقرار "زيادة إنتقائية" للضباط المتقاعدين من رتبة عميد وما فوق، بما يضمن ولاء هؤلاء للتشكيلات السياسية الحاكمة.  اصبح الحدّ الأدنى لراتب المتقاعد العسكري أو المدني يبلغ 230 دولار في الدرجة الخامسة، ويرتفع تدريجيا الى نحو 900 دولار لموظفي وضبّاط الفئة الأولى. تضمنت قرارات الحكومة أوجه تمييز واضحة بين فئات العاملين في القطاع العام، مما يعكس درجة التخبّط والاستنسابية والعشوائية في تعاطي الحكم مع قضية بالغة الأهمية والحساسية كقضية تصحيح الأجور. وبرز هذا التمييز سواء لجهة قيمة الدعم الاضافي المقدّم بالدولار بحسب الفئات الوظيفية، أم لجهة تعويضات النقل التي ارتفعت الى تسعة ملايين ل.ل وطبّقت على عموم العاملين باستثناء الموظفين الاداريين الذين منحوا اكثر من هذا المبلغ عبر صفائح بنزين يراوح عددها بين 8 صفائح و16 صفيحة (يحسب فئات العاملين الخمس) شرط حضورهم الى العمل 14 يوم على الأقل شهريا. كذلك يبرز التمييز من خلال استحداث بدعة "بدل المثابرة" التي تمنح لموظفي الادارة وفقا لشروط سوف تفصّلها السلطة المتنفّذة لاحقا.  

 

في الخلاصة العامة يبدو أن مروحة أجور وتعويضات العاملين في القطاع العام (بما فيها تعويضات النقل) سوف تتفاوت ما بين حدّ أدنى قدره 400 دولار وحدّ أقصى قدره 900 دولار شهريا، مع احتمال تجاوز القضاة واساتذة الجامعة اللبنانية بعض الشيء لهذا السقف. ومن المفارقات أن هذين الحدّين يكادان يتطابقان مع الخط الأدنى والخطّ الأعلى للفقر في ظروف لبنان الراهنة. وهو ما يؤدي الى المزيد من تهميش القطاع العام  العاجز عن استقطاب الكفاءات الشابة بهكذا رواتب، والى زيادة معدلات الهجرة وسوء تقديم الضمانات الاجتماعية للموظفين والخدمات العامة للمواطنين . الأمر الذي يستوجب إقرار زيادات على  الرواتب والأجور النقدية  في القطاعين العام والخاص بما يتناسب مع نسب التضخم وتحسين الخدمات العامة لا سيما  إقرار التغطية الصحية الشاملة ونوعية التعليم الرسمي والنقل والسكن. 

 

مشروع قانون "اعادة هيكلة المصارف"

 

طرحت الحكومة في أوائل شهر شباط المنصرم مشروعا يدمج بين اعادة هيكلة المصارف ومعالجة مسألة الودائع المصرفية، ولكن سرعان ما تم سحبه من التداول إثر اعتراض بعض أطراف الحكم وكبريات المصارف عليه.  ويعكس سحب هذا المشروع تخبط السلطة الحاكمة والسلطات النقدية أمام إصرار الطبقة الريعية والمصارف على أن لا تأتي الحلول المقترحة على حسابها، وحرص هذا التحالف الجهنمي على تحميل الدولة، اي الشعب اللبناني وبخاصة طبقاته المتوسطة والعاملة، عبء حلّ مشكلة الودائع. وينبغي هنا تسجيل ملاحظتين اساسيتين:

 

اولا، لا يحسم المشروع مسألة الإرجاع الفوري لأموال صغار المودعين (مثلا حتى سقف 150 الف دولار) على الرغم من امتلاك مصرف لبنان والمصارف للاحتياطات اللازمة لذلك، مما يعني الإمعان في تحميل هؤلاء المودعين وزر الازمة عبر إطالة أمد ارجاع أموالهم كما هو مقترح في المشروع (فقط 100 الف دولار تستعاد خلال فترة تراوح بين 10 و 15 عاما)، مما يعرض القوة الشرائية لهذه الأموال للتآكل بسبب التضخم. 

 

ثانيا، تحميل مالية الدولة اللبنانية واصولها (كما مصرف لبنان) اكلاف دفع جزء من أموال كبار المودعين عبر "تخصيص الدولة بعض الإيرادات المستقبلية لصالح صندوق استرداد الودائع". ويعني ذلك دعم عملية نقل الثروة والدخل من الشعب اللبناني وطبقاته المتوسطة والعاملة  لصالح المصارف وكبار المودعين، وحرمان الخزينة اللبنانية من موارد قد تصل الى مليارات الدولارات، بدل استثمارها في تطوير البنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية ومحاربة الفقر ودعم الصناعات الحديثة واقتصاد المعرفة ورفع مستوى الانتاجية في الاقتصاد اللبناني. 

 

ان الحزب الشيوعي اللبناني يدافع في هذه القضية عن امرين: أحقية صغار المودعين في الحصول على ودائعهم فورا ومن دون تأخير أو مماطلة؛ وثانيا، عدم تحميل اادولة اللبنانية والشعب اللبناني دفع ولو جزء من ودائع كبار المودعين والذي يعتبر بمثابة اعادة توزيع من الفقير الى الغني ويحرم الاقتصاد اللبناني من موارد يمكن استخدامها في بناء اقتصاد منتج وعصري. 

 

مشروع قانون "الإيجارات غير السكنية "

 

يأتي قانون الإيجارات غير السكنية الرامي  الى تحرير بدلات الايجار الموقعة قبل عام  1992 والخاصة بقطاع المحلات التجارية والخدمية والمؤسسات، في وقت يعاني الاقتصاد الحقيقي من استمرار تفاقم الركود الاقتصادي منذ 2019 ، مما يتهدّد بالإضرار  بالمدخول الاساسي لاكثرية أنشطة هذا القطاع التي تتركّز داخل أسواق المدن الرئيسية وضواحيها. وكان يمكن للقانون أن يكون أكثر توازنا في تعاطيه مع مصالح قدامى المستأجرين والمالكين، ولكنه ذهب بعيدا في هجومه وتطرفه لصالح قوى الريع بدلا من قوى الإنتاج. فالمشروع أطلق العنان لحرية المالكين في طرد المستأجرين خلال فترة سنتين، واقترح سقفا "خياليا" وغير مسبوق لقيمة بدل الايجار السنوي الجديد قدرها 8% من قيمة المأجور، وهي من أعلى النسب العالمية. كما لم يفرّق القانون في تعيينه لهذا السقف بين طبيعة الأعمال المختلفة (محلات تجارية، مصانع، مدارس، مستشفيات، مقرات حكومية وبلدية...) وتوزّع احجامها وربحيتها وغير ذلك من المؤشرات، لا سيما ما يتعلق منها بقيمة الخلوّات الباهظة التي سبق للمسأجرين دفعها لدى بدء إشغالهم للمأجور. وبهذا المعنى، فان القانون كغالبية القوانين يختزن الانحياز الفاقع لصالح رأس المال الكبير والاحتكاري والريعي على حساب الطبقات العاملة والمتوسطة وحتى الرأسمال الصغير والمتوسط والفردي. 

 

بيروت 7- 3-2024                                                           اللجنة المركزية 

                                                                              للحزب الشيوعي اللبناني