الثلاثاء، أيلول/سبتمبر 28، 2021

عكار: ألف تحية ووردة حمراء

  د. حسن خليل
رأي
هي عكار، المبللة أقدامها بمياه المتوسط، والمكلل رأسها بأعلى القمم، قمة "عروبة"، التي ترتفع حتى 2250م عن سطح البحر. عكار هي تلك المنطقة الوادعة البسيطة والجميلة، تشبه ناسها كما تشبه نفسها، جمال طبيعي من دون أي تدخل، مجبولة بطيبة ومبنية على مسار من الانكار لها منذ عهود طويلة ومديدة. لم تبخل على أحد؛ مضيافة ولو باللحم الحي، مقاوِمة حين كانت الكرامة تُتنهك من انتداب أو احتلال أو استبداد سلطة، فكان أبناؤها يتقدمون الصفوف شهداء ومناضلين، من الثورة السورية الكبرى إلى معارك فلسطين إلى جمول، فكانت قوافلهم تزدان بزهر الليمون في سهل عكار كما برائحة الزعتر في جبالها.

هي تلك الجميلة التي فعل الحرمان فيها حدّ التجريح، فكان أبناؤها يكابدون الفقر بتحويل الصخر إلى جلول للخير، وإن تيسر لهم الأمر، فكانت الوظيفة أحد أهم ما تتمناه العائلة كي تستند إلى مدخول ثابت. في المؤسسة العسكرية كما في الوظيفة العامة كان العدد الأكبر والأهم، وقد قدمت على هذه الطريق أيضاً قوافل كبيرة من الشهداء والجرحى والمعوقين. لم تتراجع، لم تهدأ، ولم تنحن، بقيت شامخة كجبال "القموعة" منتصبة تعاند الرياح وتلامس السماء، وبقي نهر العنفوان فيها جارياً كنهر "الأسطوان" الذي يربط ما بين رأسها والبحر.

مصيبة عكار التاريخية، كانت السلطات التي تعاقبت عليها؛ فمن حكم الإقطاع الموروث والقائم دوماً على القيام بدور الوكيل عن الأصيل، إلى حكم ولاء الأطراف للمركز، وصولاً إلى حكم الذين بنوا ثرواتهم من كد الفقراء وتعبهم، وكدسوها كي تكون الممر الإلزامي إلى جنة السلطة واللوحات الزرقاء... لم تتغير تلك المسارات بل تطورت وأصبحت تلك الجموع الفقيرة محجة المسترئسين والورثة، يتعاطون السياسة بعقلية الإقطاع البائد كما لو أن الناس، كما الأرض كما الأموال، هي ملكيات خاصة يتناقلونها بالوراثة، أو أقله ملكيات خاصة. ومع ذلك هناك محطات عديدة كانت رائدة؛ فمن عكار خرج فريد الأشقر ليقتحم ورفاقه مستودعات الانتداب الفرنسي ليوزعوها على الفقراء، ومنها استُكملت المواجهات النيابية والبلدية، من خالد الصاغية إلى غسان الأشقر وبقية من رفاق ومناضلين كسروا قواعد البلطجة والهيمنة، وخاضوا تلك المواجهة وبكل كفاءة، والانتخابات الفرعية في عام 1994 ليست سوى ذلك النموذج للانتفاض على قرار الهيمنة ورفضه والعمل على كسره.

مصيبة عكار التاريخية كانت الحرمان من أبسط المقومات الحياتية، لا ندري إذا كان ذلك عقاباً لذنوب لم تقترفها المنطقة أو للإمساك بها من يدها التي توجعها. فلا الطرقات طرقات ولا المدرسة مدرسة ولا جامعة أو مستشفى أو مصانع أو مزارع... هي كما هي، وما فيها ما كان إلّا النتيجة المنطقية والموضوعية لحالة اقتصادية – اجتماعية صعبة وقاسية، ما جعل المبادرات الفردية أو الجماعية المشتركة السبب في إقامة العديد من المشاريع الإنمائية؛ ولهم في ذلك مثال "المؤتمر الشعبي العكاري" خلال الحرب الأهلية، والتي أدارت هيئاته مختلف النواحي، ونجحت، إلى حد كبير، في تخفيف المعاناة عن المواطنين وتقليل الأعباء. والمبادرات العديدة لجمعيات محلية أو لجان مناطقية والتي بنت المدارس وشقت الطرقات وأقامت البرادات الزراعية...

مصيبة عكار اليوم هي دخول أصحاب رأس المال السياسي والمدعوم من بعض أصحاب العمائم، حيث فرزوا الناس ووزعوهم مللاً وجماعات تُستنفر وقت الحاجة وغبّ الطلب عندما كان أصحاب القرار يريدون ذلك، فما أنتجوا إلّا المجازر ولنا في عكار اثنتان، والثانية هي الي جرت صبيحة نهار الأحد المشؤوم. نعم هي حالة من الاستغلال الرخيص والتوظيف المشتبه فيه إلى حدّ الإدانة الموصوفة لأصحابه، والذي على ما تبقى من القضاء أن يتحرك عفواً أمام الكلام الواضح والذي جرى على ألسنة بعض نواب المنطقة واعتباره إخباراً. هي بعض حكاية عن عكار والتي تزخر خزائنها بالعديد منها.

عذراً منك عكار: تستحقين الكثير من الحب والجهد والعطاء والاحترام، أحببناك حدّ التماهي مع طبيعتك الجميلة والقاسية. منك تعلمنا بأن درب النضال طويل وشاق ومكلف. من سهولك التي فاضت بالخيرات أخذنا تلك المبادرات باتجاه تحسين بعض من جوانب حياتنا اليومية... إليك كانت تزف قوافل الشهداء العائدين، ولأجلك نزلت دمعة أجمل الأمهات. ما حدث كبير، فوق الاحتمال، والمصيبة أكبر من أن تُنسى، فمن أجل عكار دُفعت ضريبة الدم مراراً وتكراراً، فإلى كل عكار، إلى كل قرية وبلدة، وإلى كل من آمن بالعمل الجماعي المشترك نتوجه بالدعوة إلى رفض جر المنطقة إلى الفتن والإشكالات، والتي ستحمي فقط مسببي تلك الجريمة، والذين هم جزء من مسبّبي حالة الفقر وتعميم الانهيار، ليس في عكار فحسب بل في كل لبنان. المعركة معهم مفتوحة والمواجهة قاسية لكن مطلوبة؛ الرد الوطني الشامل يجب أن يكون اليوم، ورفض الفرز على المذاهب والطوائف والمناطق؛ فالمصيبة واحدة، وها هو الفقر يجمع كل لبنان، وأمل التغيير في متناول الأيدي والعقول... فلتكن ساحات المواجهة وميادينها الرد الطبيعي والوحيد على نظام سياسي فاشل ومرتهن وتابع، وعلى ذلك الخطاب المقيت لأزلام السلطة وتجّرها.