الخميس، نيسان/أبريل 22، 2021

لا يوجد تعليم محايد: إمّا للقهر أو للتحرير

  حسين المعلّم - مجلة النداء
رأي
في احتجاجات طرابلس الأخيرة، انتشرت صورة تحتوي عبارة "لا يوجد تعليم محايد: إمّا للقهر أو للتحرير" وبناءً على المقالات السابقة التي تناولت خلالها التعليم الذي يعيد إنتاج المنظومة وارتباطه الوثيق مع هذا النظام، من الواضح أن أسلوب التّعليم الحالي المتّبع في لبنان هو تعليم للقهر، للسيطرة، للاستغلال والتسليع. أمّا ما نطمح إليه، فهو ما يطمح إليه كلّ أبناء الأطراف والطبقات الشعبية، وهو تعليم للتحرير والتحرّر من قيود هذه السلطة بهدف بناء وطنٍ يشبهُنا، يتوحّد فيه تاريخ وهوُية "اللبنانيين" فنصبح شعباً بدلاً من شعوب بهويّات مختلفة تجمعنا فقط المظاهر "الوطنية".


لن يتحقّق التغيير الجذري في المجتمع دون التغيير التعليمي. يُرَسِّخ النظام التّعليمي المتّبع حالياً الواقع الاجتماعي المذري الذي نعيش فيه، فهو المسؤول الأوّل عن لجم الطلاب وتدجينهم في ما يخدم مصالح هذا النظام. وبالتالي يصبح الشّبان والشّابات غرباء، ولا يشعرون بأي قيمة لأيِّ فعلٍ يقومون به تجاه الدفع بعجلة التغيير نحو الأمام. وكي نُفَعّل هذا الشعور بالأهمية والقدرة على التأثير في واقعنا الاجتماعي، لا بدّ من تحرير التعليم من سطوة السلطة، فيتحوّل التعليم من وسيلة لتأطير الجيل الصاعد في النظام الحالي وتطبيع العلاقة معه إلى ممارسة تحرّرية، تُؤمِّن للطلاب طرق توجيه مستقلة نحو طموحاتهم وإمكاناتهم الخاصة، والأدوات النقدية الخلّاقة اللازمة للأجيال ليتعاملوا مع الواقع واكتشاف أطر مشاركتهم في تغيير العالم . إنّما، كيف يمكن الحصول على هذا التّعليم في ظلّ هذا النظام؟ ما هي سبل تفكيك هذا النظام الواقعية البعيدة عن الأحلام والأوهام؟
ليس خافياً على أحد أهميّة الاعتماد على التعليم الرسمي، وفي نهاية المطاف، إنتفاء الحاجة إلى التعليم الخاص في لبنان. ولكن عن أيِّ تعليمٍ رسمي نتكلّم؟ وكيف يمكننا أن نصل إلى التعليم الرسمي الذي نطمح إليه، ذلك التعليم الذي سينفي الحاجة إلى الالتحاق بالتعليم الخاص، وتحرير الطلاب من التّبعية والانصياع للمناهج التعليمية التي تخلق نفس النظام الذي لا زلنا نحاربه منذ عام وحتى يومنا هذا؟ فمعركتنا مع هذه المنظومة باقية حتى نُحدِثَ التغيير الجذري الذي يؤسّس لوطن حرٍّ وشعبٍ سعيد.
من صلب المطالب لأيِّ مشروع سياسي يُقَدّم نفسه كبديل عن هذه السلطة، يجب أن يكون التعليم في لبنان. وكيف يمكننا أن نفكّك النظام التعليمي الذي يخدم مصالح هذا النظام دون المسِّ به؟ ذلك من المستحيلات. فليس من مصلحة أحد في السلطة حالياً أن "يُثوّر" التعليم، فذلك يشبه أن يطلق أحدهم الرصاصة على نفسه. لم يكن مستغرباً تأجيل مناقشة مشروع القانون الذي يحمي طلاب الجامعات الخاصة في لبنان من دولرة الأقساط أكثر من مرّة دون العودة إليه وكأنّه بلا أهمية. فهذه الدولرة قد تكون أداةً في يد الأحزاب الحاكمة لكي تؤمِّن المزيد من المساعدات والمنح للطلاب مقابل الولاء السياسي. في لبنان، لا وجود للمواطنة، فلا تاريخ يجمعنا، ولا علاقتنا مع الدولة ومؤسساتها متشابهة. كلُّ طائفة لها حصصها وخدماتها، وطريقة تعامل الأفراد مع الدولة تكون عبر انتماءاتهم الطائفية لا المواطنة. إنَّ ذلك متجذّر في النظام اللبناني منذ تشكيل لبنان؛ الدولة التي يُعتبر ميشال شيحا من أهم منظّريها. التعليم لم يسلم من هذه المعادلة، فحتّى التّعليم هو ملك الطوائف والحصول عليه يصبح مرتبطاً أكثر طائفياً وحزبياً مع تقدم المراحل التعليمية. لتفكيك هذه العلاقة، لا بدّ من تحرير التعليم من سطوة الطائفية الحاكمة، ومن أجل التغيير لا بدّ من إرساء التعليم التحرّري.
التغيير الطوباوي لا ينظر إلى الخطوات العملية في التغيير. وكأن التغيير عبارة عن كبسة زر، يكبسها الطوباويون فيتبدّل واقع الحال ويصلح أمر الناس..! كلّ عمليات التغيير الحقيقية العليمة تكون مُوجِعة معظم الأحيان في بداية الأمر لأن التغيير يكون جذرياً. إنما نتائج هذا التغيير تخدم مصلحة الطبقات الشّعبيّة على المدى البعيد. ستكون خطوات هذا التغيير مؤلمة، للطوائف، للأوقاف، للأحزاب، للمدارس والجامعات الخاصة، حتى لموظّفي القطاع العام. فأول خطوة لتقوية القطاع التعليمي الرسمي تكون عبر إعادة الثقة بالقطاع التعليمي الرسمي.
إنّما كيف يحصل ذلك؟ المدارس التابعة للأوقاف معفاة من الضرائب والكثير منها يتلقّى دعماً من الدولة. على الدولة، التي نسعى لبنائها، أن تفرض الضرائب على هذه المؤسّسات وتوقِف الدّعم عنها، وكلّ أموال الضرائب المستحقة من المدارس تصبّ في ميزانية المدارس الرسمية لتجهيزها، توسعتها، ورفع قدرة كادرها التعليمي. لا شكّ بأن هذه الخطوة سوف تُواجَه بالكثير من الضغوطات من الأحزاب والطوائف، إنّما هذه هي الخطوة الأولى التي يجب على الدولة القيام بها حتّى نبدأ بعملية تحرير التّعليم. ولا يمكن للدولة القيام بهذه خطوة إذا كانت بنفسها محكومة من هذه الطوائف وأحزابها.
بعد ذلك، تتراجع هذه المؤسّسات الخاصة وتصبح المدارس الرسمية أكثر قدرة واستيعاباً للطلاب الجدد. وعند ذلك، من الممكن للدولة عند حاجتها توظيف أساتذة جدد من القطاع الخاص. والتعليم في هذه المدارس سيكون تعليماً للحريّة والتحرّر، تعليماً للطبقات الشعبية كافّةً، يمكّن الطلاب من فهم المجتمع بطريقة نقدية، والممارسة الفاعلة تكون لخدمة المجتمع، لا سعياً وراء تقدير، ولا شكر، إنّما لأن التّعليم سيكون أداة لتحرير الطلاب من سطوة الزبائنية والارتهان للقوى الحاكمة منذ الصغر. هذا التعليم يُرسي الهوية الجامعة للطلاب، الهوية البعيدة عن الطوائف والانتماءات الدينية والعرقية، ويربّي الطلاب على الإنتماء للمجتمع، للناس، الذين هم نسيجه الأساسي. وعندما تنفكّ علاقات الطلاب بالمؤسسات الطائفية، يتجذّر الطلاب في مجتمعهم ويسعون لتطويره وتنميته بأدواتٍ اكتسبوها على مقاعد مدرسية لم تعمل على قمعهم وتدجينهم، بل سعت لتحريرهم من القيود السابقة، وتلهمهم التحرّر وتحرير المجتمع.
بعد إعادة الثّقة بالقطاع التعليمي الرسمي، وبالتوازي مع رفع الدّعم وفرض الضرائب على المدارس الخاصة، على الدولة وقف المنح الطلابية لأولاد الموظّفين في القطاع العام إلى المدارس الخاصة، فمن تجربتي الشخصية خلال سنوات دراستي الثانوية، كان أولاد أساتذتي في الثانوية الرسمية طلاباً في المدارس الخاصة، وكما هي حال أغلبية أساتذة القطاع العام الذين يسجّلون أولادهم في المدارس الخاصة لا في المدارس التي هم يُعلِّمون فيها. بالإضافة الى أنّ الموظّفين جلّهم، حتّى لا نقول كلّهم، يعلّمون أولادهم في المدارس الخاصة على حساب الدولة. فبهذه الخطوة يمكن تأمين المزيد من السيولة لدى خزينة الدولة لاستثمارها في القطاعات الخدماتية الأخرى. خصوصاً وأن الدولة تكون قد برهنت على أهليّة القطاع التّعليمي الرسمي ولم تعد تدفع للمدارس الخاصة عبر المنح التعليمية، فعندها يصبح التعليم الرسمي يوازي، بل وأفضل من التعليم الخاص الذي يتهافت الأهل عليه اليوم.
ثالثاً، وبعد برهة من الزمن، تنتفي الحاجة إلى المدارس الخاصة، ذلك لا يعني إلغاءها كليّاً، بل يعني تحجيمها. تصبح مدرسة الدولة الوطنية خيراً مُمَثِّلاً لمصالح الشعب التعليمية، بعيداً عن الامتيازات الطبقية في المدارس الرسمية، حيث يصبح التعليم مجانياً، ويتوقّف عن كونه سلعة تتحسّن جودتها كلّ ما زاد سعرها كما هو حالنا اليوم. عندها يصبح التعليم حقّ، والحصول عليه طبيعيّاً ومؤمّن للجميع في مدراس مجانية ذات كفاءة عالية حتى المراحل الثانوية.
إنّ مشكلة التعليم العالي هي جزء من مشكلة خصخصة التعليم وتضعيف التعليم الرسمي، كما هو وضع المدارس الخاصة. الحل ليس طوباوياً في الجامعات الخاصة، لا يمكن لأحد أن يدعو إلى إغلاق الجامعات الخاصة دون وضع خطّة عمل واضحة ومنهجية لحماية الطلاب ومصالحهم. وعلى الأحزاب السياسية، وفي طليعتها الحزب الشيوعي، أن تعمل على بلورة خطة واضحة وواقعية لإعادة الفاعلية للتعليم الرسمي وضرب القطاع الخاص على حساب تقوية القطاع العام. فمثلاً، الجامعات الخاصة التي لا تبغي الربح ولكنها تراكم الأرباح عند أصحابها وموظفيها في المراكز العليا، يجب أن تُفرَض عليها ضرائب تصاعدية، تحت شرط أن تذهب هذه الضرائب إلى الجامعة اللبنانية لتطويرها وتمكنيها من استيعاب طلاب أكثر وبنى تحتية علمية التي تفتقرها هذه الجامعة، بالإضافة الى توفير الاختصاصات الناقصة. بهذه الحال تصبح الجامعة قادرة على استقبال الطلاب النازحين إليها من الجامعات الخاصة ويتم تطوير مناهج الجامعة كما كان الهدف من إنشائها، جامعة وطنية بأهداف تحرّرية وطنية، بعيدة كلّ البعد عن المناهج والبروباغاندا الكولونيالية البرجوازية. كيف نفعل ذلك؟
نرى بأن مناهجنا التعليمية لا تشبه واقعنا الاجتماعي، وتتماهى مع موروثات الاستعمار وأدواته الثقافية كأنها كتب مقدّسة منزلة. تصبح الجامعة أداة لإنتاج المعرفة النقدية التي تنقد الموجود وتخلق منه ما يشبه حاجات مجتمعنا لتحريره من كلّ تبعية وتطويره حسب حاجات مجتمعنا. إن تحرير التعليم وإخراجه من دائرة التّعليم لقهر الشعب، يسمح بتحرير الشعب وقدرات شبّانه وشابّاته للنهوض بهذا المجتمع. لا نطلب هنا نسف كلِّ العلوم الغربية، بل نقدها وتشريحها لفهم دوافع إنتاجها في الغرب، ومطابقة حاجات مجتمعنا مع هذه المواد لنطوّعها حسب ما نحتاجه للنهوض بمجتمعنا.
لا دور للجامعات الخاصة في هذا المشروع سوى التمويل لتطوير الجامعة الوطنية التي ستصبح ملكاً عاماً فعلياً لطلابها، موظفيها، عامليها وأساتذتها. ستصبح مؤسسة الشعب، ومع توسّعها وانكماش دور الجامعات الخاصة وإضعافها، ستتمكن الدولة من تأميم الجامعات الخاصة الباقية التي تُنازع للبقاء. فيكون ذلك الهجوم المعاكس الذي يشنّه القطاع العام على القطاع الخاص المتربّص تاريخياً بخصخصة الدولة ومؤسساتها. التأميم ليس حلماً ننادي به كيفما كان دون وضع خطوات عمليّة وواقعيّة؛ التأميم سيكون نتيجة وليس هدفاً. هو نتيجة تحويل ملكية وسائل الإنتاج، لا سيما الوسائل المعرفيّة كالجامعات، من ملكية خاصّة بيد قلّة مُحتَكِرة إلى ملكيّة جمعيّة لكلّ مكوّنات المجتمع. وذلك لا نصل إليه بالأحلام والشعارات الرنّانة، بل عبر نضالات وفرض سياسات مضادّة للخصخصة تصبو إلى تقوية القطاع العام وتحريره من قيوده وسلاسله.
على الدولة، نعم، الهجوم المضاد على القطاع الخدماتي الخاص. فكلّ الخدمات هي حقٌّ للناس، لا سلعاً يتغير سعرها حسب العرض والطلب. هذا النموذج في التعليم يمكننا تعميمه على كافة القطاعات الأخرى من الطبابة، الكهرباء، الماء، وصولاً للسّكن. كلّ هذه الحقوق التي لا يتمكّن المواطن من الحصول عليها، على الدولة القوية الفاعلة التي تمثّل مصالح الطبقات الشعبية القيام بالهجمة المرتدّة لاستردادها من سياسات السوق، فتصبح الشقق الفارغة عرضةً للضرائب العالية، وتصبح المياه مؤمّنة للجميع بدون دفع فواتير عدة لتأمين المياه من مصادر خاصة، ويتم كسر هيمنة المولدات الكهربائية، وتحرير التعليم الذي بدوره سيوحّد الشعب ويحرّره ويكون أداة تحرّرية وثوريّة بيد شبابه للوصول إلى ما نريد؛ وطنٌ حرّ وشعبٌ سعيد.